كتاب عربي 21

خصومات تونسية

نور الدين العلوي
1300x600
1300x600
حول ماذا يختلف التونسيون؟ بل قل حول ماذا يتفقون؟ وأين يذهب جهدهم وكفاحهم؟ وما الفوائد التي يجنونها من الخصومات وهل جرّبوا مرة أن يتفقوا حول شؤون تستحق الاختلاف؟ أتأملهم كل يوم وأتابع أخبارهم في الإذاعة وفي السوشيال ميديا وأطّلع على كثير من معاركهم وأجد أنهم ينزلون منازل الانحطاط الأخلاقي حيث درك لا يليق بقوم عرفوا ثورة ودفعوا شهداء وغنّى العالم نشيدهم تضامنا معهم ورفع رايتهم في الميادين.

إن قومي ينحدرون إلى حضيض الخصومات التي تنسف التاريخ وتفقر الجغرافيا وتقضي على النصوص العبقرية ولا يخرج منها إلا بخار كرائحة مسالخ الدواب في الصيف. إن قومي يعدمون الشعر ويملؤون كتب الترهات بخصومات من قبيل أن مريضا عطس فخرجت كليته المركبة فعزل الوزير مديرة المستشفى التي تبين أنها خوانجية.

قومي لا يحلمون 

أزعم أني قرأت الأدب التونسي قديمه وحديثه في الحقيقة ليس لدينا بعد الحصري القيرواني وابن رشيق أدب قديم. مقارنة بالشرق العربي. حتى نصل إلى الشابي اليتيم. ولا نجد له رفيقا من الشعراء ولقد حاولت فهم هذا الفقر في الأسماء والدواوين والروايات فلم أجد إلا تفسيرا وحيدا. قومي مشغولون جدا بالخبز أكثر مما ينشغلون بالشعر والإبداع. وانشغالهم بالخبز يصرفهم عن الحلم فيقعون في العادية وينتجون خبزا كثيرا وشعرا قليلا ثم لفرط الخبز يختصمون في قسمته وفي سبل احتكاره ومنع الآخرين منه وفي الأثناء ينظرون إلى الشعراء ككائنات مريضة بالعطالة والكسل وغير ذات جدوى. 

الانشغال بالقوت يحوّل قومي إلى قطيع دواب لا يحلم وربما يشخر كثيرا إذا غفا وهذا القطيع ينتج/يمارس سياسة من جنس عراك الكلاب على الجثث فالكلب لا يصطاد لكنه يقع على الميتة فينهشها وينبح على من يشاركه الوليمة ولقد نظرت فرأيت قومي يختصمون على جثة الوطن كأنه ميت ولا أحد منهم قاد البقية إلى رحلة صيد. 

في سياق أوسع يمكنني إسناد هذا الرأي بعلم اجتماع الأدب ولكن أخفف من غلوائه الآن بالقول إن كل الشعوب تختصم حول الخبز لكنها وهذا ما يؤلمني في بلدي تفتح فجوات للحلم فتربي عليها الشباب فيحلم فتحول أحلامه الكبيرة الأوطان إلى هويات كبيرة وشخصيات كبيرة.

نحن هنا نطوف حول مسألة الهوية الوطنية من هو التونسي؟ وما طبيعة شخصيته الأساسية ولماذا يظهر متكالبا على الغنم المادي فقط في حين أن ما حدث فجأة في بلاده جدير بتحريض أجمل القصائد والروايات وأنبل السياسيات التي تبنى على الإخلاص على الشهداء الذين حرروا البلاد بدمائهم من ربقة الدكتاتورية؟

كيف لا نحول شهداءنا إلى قصائد ورموز؟ بل أليس من العار أن نسارع إلى تحويلهم إلى دكاكين حزبية للصراع على مقاعد في  البرمان الذي يمنح رواتب مجزية بدون وجه حق ولا يدخله أهالي الشهداء حتى لاحتفال بروتوكولي؟

هذا هو الصراع التونسي على الخبز تحويل الرمز إلى فائدة محسوسة بما يدل على فقر الخيال وموت الروح وتحولها إلى فم مفتوح للالتهام المادي فقط بما يقتضيه ذلك من بذل الكرامة و(الرخص والذلة لمن يملك الأسباب المادية) وهو في هذه لحالة النظام القديم الذي يملك بعد أن يذل الناس على عتباته فينسون أنهم مروا بثورة بل يذكرون فقط أن رجال بن علي يملكون إذلالهم فينذلون لهم قبل أن يحتاجوا إلى طلب الذلة.

هذا البلد يمنع المؤمنين بالثورة أن يكتبوا قصائد ولا أعني هنا قصائد شعرية بل منظومة قيم تقدس الشهيد وتبني على دمه دولة قوية تقف مع الدول موقف الرجولة والنخوة ولا يطوف فيها السفير الفرنسي يوزع الأوامر على مسؤوليها كأنه المقيم العام القديم زمن الاستعمار. قومي يأكلون فضلة المعمر بعد رغم دماء الشهداء وهذا يمنعهم من تخيل العالم كقصيد عبقري. قومي أذلهم الخبز وجعل منهم سوائم تسخر من شاعر عابر وتعتبر الشعراء كائنات تافهة.

من أذل أنوفنا؟

لا أبحث عن تحميل المسؤولية لأحد. يطيب لي (أستسهل) اتهام الزعيم بورقيبة الرجل الذي لا يحب الأدب وإن كذب على التونسيين بقراءة الشاعر الفرنسي لامرتين. لكني أقف محتارا أمام مسارعة الناس إلى الخنوع والذلة لمن أذلهم لمدة نصف قرن.

بورقيبة أذل التونسيين وبن علي حولهم إلى قماشة لمسح الأحذية ولكن لو كانوا يرفضون ويتمردون هل كانوا قبلوا بكل هذا الإذلال؟ هذا الخنوع يحير التحليل مهما ادعى من علمية. هل التونسيون مقدودون من خامة ذليلة؟ هل توجد خامة ذليلة في منطق علم الاجتماع؟ أبدا يوجد نظام تربوي يصنع الشخصية الأساسية فماذا ترانا نقدم لأولادنا ليحولوا الثورة إلى قصائد رومنسية تنسجم مع قول الشاعر الذي صاغ نشيدنا الوطني ولم نبن على قوله أكثر من ذلك.

لم يكن الشابي مشغولا بالخبز لكنه كان مشغولا بالرموز العبقرية التي تربي عليها الشعوب الكبيرة. لذلك كتب ومن أجل ذلك عاش ومن أجل ذلك تم تجاهله وفرض علينا كتاب الوجودية العدمية التي تحبط إرادة الفعل ومن العجيب أن كاتب الوجودية العدمية كان وزير تربية وثقافة مسؤولتين عن صناعة الشخصية الوطنية ولكنه يفرض الفرنسية في التعليم. كأنما علينا لنكون تونسيين أن ننطق الفرنسية في ديارنا.

اليسار المتفرنس حطم شخصيتنا 

هذا حكم غير علمي لكن يمكن أن نوثق عليه أدلة كثيرة اليسار التونسي المتفرنس وأغلبه خريج الجامعات الفرنسية ودكاكين حي مونمارتر التعيس. هناك تعلموا السينما والكتابة والتحليل العلمي وعادوا إلى بلاد بنظريات تطوير الثقافة المتخلفة فوجدنا أنفسنا نناقش حرية المثلية الجنسية وحرية استهلاك المخدرات وحرية المعاشرة خارج العقود وقضايا من نوع الأسرة سبب تخلف المجتمع والمعاشرة الحرة سبب التقدم. وخلف ذلك لا بد من كسر المرجعيات الأصولية التي قننت الجنس والمعاشرة والأبوة، الخ. ولكي يتحرر المجتمع وجب التخلي عن النص المرجعي المؤسس وهنا تهنا واختلفنا وطرحنا السؤال حول ماذا يختلف التونسيون. إنهم يختلفون حول نموذج الشخصية الأساسية التي يراد بناؤها للفرد التونسي. ولذلك فإن معركتهم حول التربية هي أم المعارك وعبر وزارة التعليم والتربية سيمر مشروع تفكيك التونسيين إلى غبار من الأفراد أو إعادة بناء أمة متلاحمة ذات مرجعية ثابتة وهوية مستقرة هناك تقع معركة فرنسا وهناك تضع رجالها.

سيقول لي أحدهم ما دخل فرنسا في أمر التونسيين؟ وسأجيبه إذا لم تر بصمة فرنسا في تفكيك قصيد الشابي وتحقيره وهو يصرخ فوق قمم جبال الشمال (ومن لا يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر) كأنه فارس من الصحراء يصرخ بصوت جهوري (ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم) فأنت لم تفهم المعركة.

فرنسا ورجالها في تونس وعوا ما جهلنا. هم من يدفع التونسيين إلى الاقتتال الذي لا يزال حتى الآن بلا دماء كثيرة ولكن الدماء لن تتأخر فالشهداء الذين أسقطوا رأس الدكتاتورية قليل وستدفع تونس أكثر بكثير لكي تحرر نفسها من طاحونة التفقير والتجهيل الفرانكفوني التي تمحق الشخصية السياسية وتحولها إلى غبار. فعندما نطرح السؤال حول ماذا يختصم التونسيون ننتهي إلى الاستعمار الفرنسي المستمر بعد بواسطة عملائه الثقافيين الذين رباهم في مدارسه والذين يحرفون مسار الثورة عن مواضعه ليخلقوا من المشاكل ما يشيب له الولدان. فالثورة التي قامت من أجل العدالة الاجتماعية وبناء الهوية الوطنية وجدت نفسها بفعل هؤلاء وتأثيرهم وتمويلهم المشبوه تناقش حرية الذكر في التلذذ بدبره. وتصر أن ذلك جزء من الشخصية التونسية الحديثة.
التعليقات (0)