كتاب عربي 21

عودة "الألتراس".. لصالح الثورة أم ضدها؟

جمال الجمل
1300x600
1300x600

(1)
"الفزع يجتاح المدينة".. قفز هذا التعبير فوق رأس أفكاري.. فابتسمت، ليس بسبب فرحتي بهتافات "ألتراس أهلاوي" ضد الداخلية والحكومة والنظام، ولكن لأن التعبير هو العنوان التجاري لفيلم "أكشن" أمريكي قديم عالق في ذاكرتي منذ أيام الصبا، وبسببه حفظت اسم أول ممثل أجنبي في حياتي (تشارلز برونسون). وإذا شئتم صراحة أكبر، فيجب أن أعترف أن ذاكرتي اللئيمة استعادت "السينمائي" وعينها على "السياسي"، فهناك بالفعل ربط بين حالة "الفزع" التي اجتاحت المدينة بأجهزتها الأمنية وذيولها الإعلامية؛ وبين هتافات "الألتراس" السياسية المعارضة والمنددة.

(2)
بعد هذا الاعتراف الصريح بخبث ابتسامتي، تذكرت أنني من المعارضين للتكتلات الفئوية التي ساهمت في "تجلط القوم المجتمعي"، وتذكرت أنني من رافضي تسييس الرياضة، ثم سألت نفسي: هل يعني هذا أن أوافق مثلاً على مشاركة لاعبينا وفرقنا الرياضية مع إسرائيل، أو أنظمة سياسية عنصرية أو متورطة في جرائم حرب وانتهاكات ضد الإنسانية؟ وسألت أيضاً عن الحدود الفاصلة بين "السياسي" و"الوطني"، أو بين "السياسي" و"الأخلاقي"، ووجدت لدي رغبة في تبرير ما عارضته من قبل في تدخل وتوظيف "روابط المشجعين" في العمل السياسي، خاصة وأن "التوظيف" سينتهي آجلاً أو عاجلاً بانتصار القوى المالية الممولة والقوى الأمنية المهيمنة، ورويدا رويدا بدأت فرحتي "الأمنياتية" تتراجع أمام وخزات "العقل المتجهم".

(3)
اعتذرت لعقلي عن التمادي في الاستمتاع بـ"الفرحة الوجدانية" لسماع هتافات الشباب بعد غياب طويل لأصوات المظاهرات، وبعد قمع فاجر لكل مظاهر المعارضة في مصر (حتى على مواقع التواصل الالكتروني)، واعتذرت عن "رغباتي الانتهازية" التي أغواني بها ميكافيللي، موسوساً لي بالفصحى والعامية التي تبقى منها المثل الشعبي "اللي تكسب به.. إلعب به". وبعد سلسلة من الاعتذارات التي حرصت فيها على إظهار التزامي بالقواعد، وفصل الرياضة عن السياسة، طالعت بياناً يطمئنني على سلوكي القويم، فقد صدر بيان من "ألتراس أهلاوي" يتنصل فيها من الهتافات والهاتفين، ويؤكد ما أكدت عليه من "نزاهة التشجيع" و"فصل الرياضة عن السياسة"، وكذلك الحرص على دعم جهود عودة الجمهور للملاعب بشكل حضاري، وتوفير البيئة الآمنة لذلك. لكن عاد "الفزع" ليجرح اطمئناني ويقلب القواعد، ويُفجر الأسئلة، ويجدد الجدال. فقد هرع مجلس إدارة الأهلي لتوظيف الرياضة في السياسة، وسارع "الإعلام الرياضي" بالحديث في الشأن السياسي باعتباره "سقفاً" لكل فعل إنساني ومجتمعي، وبالتالي أصبحت أمام "ألتراس" آخر.. هو ألتراس نظامي مدرب وممنهج ومسلح بكل أدوات التنكيل بالآخر. وهكذا ارتدت القضية من "واحة الثوابت"، إلى "مستنقع التوظيف السياسي المتبادل".

(4)
نسيت أن أقدم لكم أسبابي في التحفظ على التوظيف السياسي لروابط "الألتراس"، لكن قبل ذلك يمكن أن أعرض عليكم ملخصاً لتاريخ نشوء وبروز ظاهرة "الألتراس" في العالم، ويجب أن أنبهكم إلى أن "النزاهة" التي أدعيها، ليست في حقيقتها إلا وسيلة لإخفاء "انحيازي" ورغبتي الخفية في إدانة الروابط التعصبية أيا كان نوعها، إذا تعارضت مع عمومية المبادئ الإنسانية والقواعد الرياضية، وإذا جسدت بشكل أو بآخر حالة من حالات "النقل لا العقل"، وانتشرت تحت تأثير التبعية والتقليد لمجتمعات أخرى تختلف في بيئتها وظروفها وتطورها الديمقراطي والثقافي، وهي أمور محل نقاش غير محسوم في فضاء هيمنة العولمة واتساع ظاهرة الاتصال إلى مدى غير مسبوق على الأرض.. وباختصار أقول إن نشأة "روابط المشجعين" بدأت بتكوين "رابطة تورسيدا" في البرازيل، وأبهرت العالم بأسلوب التشجيع المنظم، الذى يعتمد على الهتاف الجماعى والحركات المتفق عليها في المدرجات، والتحضير المسبق للشعارات والأغاني، وحرص أعضاء الرابطة على ارتداء ملابس بلون قميص الفريق، ثم انتقلت من البرازيل إلى أوروبا، حيث ظهرت "تورسيدا" في يوغسلافيا، وغزت إيطاليا في الخمسينيات، وفي عام 1969 تشكلت رابطة مشجعين لفريق سامبدوريا؛ حملت لأول مرة اسم "الألتراس"، وهي كلمة مأخوذة عن اللاتينية وتعني "التطرف" أو "المبالغة"، ولأن كل شيء يزيد عن حده ينقلب ضده، تحول المظهر الكرنفالي إلى جماعات عنف متعصبة، اختلطت في بعض الأحيان بتيارات سياسية متطرفة، كما يبدو في حالة "الهوليجانز"، وهم في الأصل مجموعات من النازيين الجدد في شرق أوروبا، لكنهم تحولوا في إنجلترا إلى مجموعات من أعنف المشجعين، وعرف الدم طريقه إلى الملاعب، فقد تسبب هوليجانز فريق ليفربول - مثلا - في مقتل 135 مشجعا بين عامي 1985 و1989. في الحادث الأول هاجموا مشجعي يوفنتوس الإيطالى في نهائي أوروبا، وأدى التدافع إلى انهيار جدار، ما تسبب في مقتل 39 مشجعا وإصابة أكثر من 600. وفي عام 1989 تكررت حادثة أليمة تشبه حادثة الزمالك وإنبي، حيث أدى التدافع العشوائي في الدخول إلى مقتل 96 وإصابة العشرات في ملعب هيلسبره.

(5)
مع مرور الوقت أدى تشكل "الجماعات المغلقة على أعضائها" إلى نوع من الانتماء الضيق وارتفاع درجة التعصب الداخلى، وهو إحساس تلقائي تغذيه أوهام الكثرة، فيبدأ الصدام مع المشجعين المنافسين، واستعراض القوة في الشوارع، ومواجهة الشرطة إذا اقتضى الأمر. وهكذا تحولت الشرطة إلى عدو صريح وتقليدى لـ"الألتراس"، وأعلنوا ذلك في شعاراتهم بوضوح. وفي منتصف التسعينيات عبرت الظاهرة من أوروبا إلى الشمال الأفريقي، في حين ظلت مصر في مرحلة التشجيع التقليدى، حيث يقود "عم طلبة" مشجعى الأهلي، ويقود "عم جورج سعد" مشجعي الزمالك، وبعد رحيلهما كانت مصر تتهيأ لتغيير منظور في كل شيء وترتيبات لاهثة في الكواليس، ففكر ذئاب السياسة والانتخابات في استيراد ظاهرة "الألتراس" واستخدامها كدرع جماهيرية وقت الحاجة. وفي عام 2007 فتح "ألتراس أهلاوي" الطريق لبقية الأندية، فانتشرت الظاهرة مدعومة من رجال الأعمال، ومن مجالس إدارة الأندية، ومع ثورة يناير، دخل الألتراس لعبة السياسة، وصار سلعة تستخدمها جميع الأطراف في لعبة غير مضمونة العواقب.

(6)
بعد هذا العرض التاريخي أكون قد وصلت إلى "باب طيبة" حيث يقف الوحش، وحيث تشهر الأسئلة الشائكة ألغازها المفخخة واسئلتها المراوغة: هل ألتزم بالقواعد النزيهة والمعايير النهائية فأفرط في فرص كسبر أو كسب الأوغاد منتصراً لروح الرياضة و"تاريخ الفكرة"؟ أم ندخل لعبة توظيف كل الأسلحة في مواجهة الأنذال الذين لا يقيمون وزنا ولا احتراما للقواعد والمبادئ والقوانين؟

ترددت في الإجابة فتذكرت مقالا قديما عن رأيي في ظاهرة الألتراس، وفكرت أن استخدم خاتمته، ليس كإجابة، ولكن كفاتحة لنقاش عميق يقربنا من أنفسنا ومن نصرٍ مشرف، عوضاً عن الانتصارات المؤقتة التي تضعنا مع الوحوش في جبهة واحدة.

وأضع أمامكم الآن الإجابة التي كتبتها منذ سنوات، لندرك طبيعة المأزق الذي نعيشه بين لحظة وأخرى مع تبدل المواقف حولنا، من دون أن تكون لدينا رؤية استراتيجية في التعامل مع قضايانا على المدى الطويل، فنراوح بين القضايا مرحليا حسب مصلحتنا النفسية والسياسية "الوقتية"، عفانا الله وعفاكم من مكاسب عاجلة عابرة تصرف عنا شرف النصر الشريف المقيم.

(7)
الإجابة:

الرياضة لا تعرف السياسة ولا العنصرية ولا التمييز الديني.. هذه هي مبادئ "فيفا" المعروفة، وهي تنطبق على الملعب والمدرج معا، وحتى لا نقتل روح الرياضة يجب التفكير في تفكيك الألتراس بكل أنواعه، أو تقنين نشاطه تحت مظلة القوانين العامة، ووقايته من غرور القوة، وذلك في إطار خطة شاملة لإعادة التجانس الاجتماعى بلا شللية أو عصابات تتحرك بمنطق الغطرسة دون اعتبار للقانون. فأنا أنادي بالتساوي في حقوق كاملة للمواطنة، لا يتأثر فيها تطبيق المعايير بمدى قدرة كل فئة على فرض شروطها بقوة العدد أو العنف أو الصياح، بينما يذهب الضعفاء إلى جحيم القانون الذرائعي الموظف.

 

[email protected]

التعليقات (0)