كتاب عربي 21

الوطن الذي لا يحتويني.. ملعون

جمال الجمل
1300x600
1300x600

(1)
الجهل وطن.. والوعي منفى

هذه واحدة من رصاصات التهكم الفلسفي التي أطلقها إميل سيوران في وجه المنطق المغلق، ضد الشعارات المنمقة التي تخفي خراب العالم المعاصر!

يبدو أنني فكرت طويلاً في موضوع هذا المقال، حتى وصلت إلى "المنفى".. أقصد تلك الدرجة المربكة من الوعي الحاد بالمآسي والملاهي التي تحيط بنا، لهذا قررت في لحظة تمرد أن أنفض عن رأسي كل ما فكرت فيه من قضايا ملتهبة تحرق رؤوسنا وقلوبنا؛ بلا جدوى غير الصراخ والتدافع إلى اللامكان. وفي هذه اللحظة بالتحديد (لحظة التقاء التمرد بالعبث)، ولد في رأسي إيميل سيوران. لم تكن هناك مناسبة تخصه لا صدور كتاب جديد، ولا ذكرى ميتة من ميتاته اليومية المراوغة، ولا هجائية تخص ميلاده الذي وصفه بأنه "أكبر ورطة عاشها".

(2)
سيوران الذي يولد للمرة السابعة بعد المئة في نيسان/ أبريل المقبل، هو رائد "الكليب الفلسفي"، مُنَظِّر الخواء، مقاول هدم المعمار التقليدى للفكر الغربي، مهندس تفكيك السرديات الكبرى.. فهو يكتب تأملاته في عبارات قصيرة منفصلة، كأنها نكات لاذعة، أو أمثال فلسفية، للتندر على عبثية حياة غير منطقية بطبعها.

ذات مرة، عندما كان سيوران في صباه، أراد أن يحتج على الحياة التعيسة التي تخنقه، فألقى بجسده على الأريكة وصاح في وجه أمه باكيا: لم أعد أحتمل هذه الحياة. نظرت الأم ناحيته بازدراء وقالت له: لو كنت أعرف ذلك لأجهضتك، فقد أرهقني حملك دون جدوى.

لم ينس سيوران ذلك الموقف أبداً وكتب عنه في مقدمة كتابه «ورطة أن تولد» قائلا: لقد أصابتنى كلمات أمى بهلع ميتافيزيقى وإهانة وجودية، ألهمتنى بتأليف هذا الكتاب الذي يمكنكم فتحه وقراءته من أى صفحة بدون ترتيب، بل لا يهم أن تقرأوه كله!

(3)
هكذا يصل سيوران إلى ذروة العبث والتفكيك والعدمية، فكل شيء عنده بلا أهمية، لذلك يتعجب عندما يبكي الناس على الموتى، متسائلا باستنكار: الموت مصيرنا المحتوم، فلماذا إذن كل هذا النواح؟ ثم يقفز من هذا الكلام الذي يتضمن قدراً من المنطق إلى سؤال أكثر عبثا: إذا كان الموت مصيرنا، فما قيمة أن نولد أصلاً؟ يا سادة يا عقلاء، من العبث أن نولد ومن العبث أن نموت، لهذا ارتكبت في حياتي كل الموبقات والجرائم، باستثناء أن أكون أباً، لعل أولادي الذين لم يولدوا يمتنون لما قدمته من أجل سعادتهم. إن الميلاد (وليس الموت) هو النكبة الكبرى التي تجلب لنا كل اللعنات الأخرى!

(4)
هذا المقال الغامض يشبه الحياة تماماً: له بداية، وله نهاية، لكن المؤكد أننا جميعا سنختلف على معناه.. والعميقون المتفلسفون منا سيختلفون على ما هو أخطر.. سيختلفون على معناه، وعما إذا كان له معنى أصلاً أم لا؟!

(5)
لا أحب أفكار سيوران، وأظنه كذلك لا يحب أفكاره ولا يحب أي شيء آخر، فالحب عنده خدعة احتيالية، والأفكار مجرد وهم يزين به الناس حياتهم الخاوية من المعنى. إنه يعتبر نفسه منتجاً للشطحات واللعنات، قرر أن ينتقم من الحياة بالوشاية ضدها، والتحامل عليها في اعترافات كيدية، فهو الذي يقول: كل رغبة تبعث في داخلي رغبة مضادة، بحيث (مهما فعلت) لا أجد قيمة إلا للأشياء التي لم أفعلها.

(6)
يكتب سيوران الكثير، ثم يوحي لك أنه يحتقر الكتابة، ينصحك ألا تقرأ من أجل فهم الآخر، بل من أجل فهم الذات.. تعلق بأفكار هتلر ونيتشه وشوبنهاور، ثم قتل الوطن وتخلص من جثته، وعاش يردد وصيته المريرة: لا يسكن المرء بلاداً، بل يسكن لغة، ذلك هو الوطن ولا شيء غيره. ثم خاف أن يصدق أحد كلماته ويعتبرها نوعاً من الحكمة، فيطلق دعابته السوداء: تذكروا جيداً أن نهاية الإنسانية سوف تأتي عندما يصير الجميع مثلي، فلا تبحثوا طويلاً عن الحكمة في كلماتي، إنها مجرد آهات للشكوى والاحتجاج، لا تقرأوني.. اقرأوا أنفسكم.

(7)
لا يسكن المرء بلاداً، هكذا ترجم العرب جملة سيوران، وأظنه (بصرف النظر عن اللغة) كان يقصد: لا يسكن المرء جماداً.. لا يسكن أرضاً شوكية جدباء، لا يسكن حيث الأوبئة والقهر والبلاء، لهذا رحل الناس طوال التاريخ من مكان إلى مكان بحثاً عن أماكن أفضل للحياة، الوطن ليس صنما مقدسا لذاته، فالوطن ليس "ذات".. الوطن مفهوم، دور، احتواء، فرصة افضل لحياة آمنة رغدة لا تتوفر في مكان آخر، ومن هنا نشأت فكرة الدفاع عنه بالنفس والمال والولد، أما إذا صار الوطن مقدسا لذاته، فهذا يعني أن يموت الإنسان لتبقى "الأرض اليباب". وهذا ما صاغه محمود درويش في أبياته المثيرة للجدل: "سنصير شعباً حين لا نتلو صلاة الشكر للوطن المقدّس.. كلما وجد الفقير عشاءه/ سنصير شعباً حين نشتم حاجب السلطان والسلطان، دون محاكمة". وهكذا يا أحبائي، وبكل صراحة، أعلنها واضحة بلا خوف من أناشيد "النفاق الوطني" و"الخضوع المقلوب": الوطن الذي لا يحتويني.. مكان ملعون، فالوطن هو المكان الذي يتسع لناسه باحترام وأمان وكرامة، وغير ذلك يصبح مجرد "سوق نخاسة"، أو "مستعمرة عبيد"، حتى لو رفعوا عليها زوراً وتدليساً كلمة "وطن". فالوطن هو ما توفره الأرض ومنظومة القوانين لسعادة الناس، فإذا فسدت المعادلة لا يبقى إلا الذكريات، وإلا الصالح من الناس وأحلام الإصلاح التي نحملها أينما نذهب؛ حالمين باستعادة الوطن المنشود، من غير خضوع للسيئ الموجود.

(8)
فى مراهقتي كنت مسحورا بموجات الهيبز، وعندما شاهدت فيلم "شَعْرْ" لميلوش فورمان لم أنس أبداً مشهد البداية، حيث نسمع صوت الديكة في غبش الفجر وسط المزارع الفسيحة في الجنوب الأمريكي، ثم نشاهد الأب الريفي يصطحب ابنه إلى المحطة ليسافر إلى نيويورك كمجند في حرب فيتنام، في الطريق يتلو الأب على ابنه الكثير من النصائح والتعليمات: هل أخذت كل ما تحتاجه؟ هل معك مال كاف؟... ثم يضيف "أم النصائح" التي شغلتنى حتى هذا اليوم: لا تقلق.. الأذكياء فقط هم الذين يقلقون، لا تقرأ.. فإن الله يرعى الجاهلين.. لكنني للأسف لم أعمل بالنصيحة، قرأت فشقيت، خسرت نعيم الجهل، وعشت عمرى منفياً في وطن لا يحتويني، ومنفياً في لغتي وفي أحلامي أيضاً، ومع ذلك أفضل المنفى الذي يؤدي إلى حلم، على الوطن الذي يصادر الحرية ويستكثر على الناس الكرامة والأمان ويمسخ الحياة نفسها.

(9)
نسيت أن أخبركم بفشل سيوران في الموت أيضا، ألم نتذكره تواً، ونحكى عنه في الحياة التي طالما لعنها، بينما كان يتخابث ويسجل اسمه على جدران أيامها بخربشاته المشاغبة؟!

أظن أن التمرد والخربشة والمشاغبة تعيش أطول بكثير مما تعيش الاستكانة، ومما يعيش الصمت والخضوع.. فلا تضيعوا عمركم في الخضوع والانزواء، لا تضيعوا حياتكم في الخوف والنفاق.. العنوا أعداءكم، قاوموهم بكل ما تملكون.

 

[email protected]

التعليقات (1)
اينشتاين
الجمعة، 16-03-2018 12:18 ص
السيد جمال ، تلعن وطنا لا يؤويك ، وماذا عن والدتك التي لم تعد قادرة فتحميك من بطش المستبد ، هل تلعنها لأنها لم تعد قادرة ؟ أم لأنها أنجبتك وولدت بك في هذا الوطن الذي اغتصبوه ؟ ليس من السهل مقاربة علاقتنا بالأم وبالوطن ، هل الوطنية من الوطن ؟ لقد ألبسوها لبوسهم ولبسوها تلبيسهم وأرغموها على إخفاء كثير من تفاصيل اللباس وإظهار كثير من مظاهر اللبس ، حتى تعذر على الناس تمييز اللباس من التلبيس ، لذلك لعن بعض الناس أوطانهم . الأستاذ جمال : لقد تغنوا بالوطنية فقالوا : الوطنية خلق وإيمان ، والوطنية سلوك ، والوطنية عصبية ، والوطنية التزام ، والوطنية إحساس وانتماء . وما إلى ذلك من تعبيرات ، بغرض وبغير غرض ، فلا اللباس بقي لباسا ولا الشعار تحقق في واقع الناس ، لذلك وبذلك استخدمت عبارة وطنية أسوأ استخدام ، واستغلت سوء استغلال ، لذلك وبذلك تم تقطيع أوصال الديار والأوطان ، أما الهوية فقد سيسوها وقطعوها ، وأما الدولة فقد استهدفوها في إجماعها واجتماعها وسياستها ، وأما المجتمع فقد سلبوه سكينته و بهاءه وجماليته ، فهم أهل لبس والتباس وتلبيس وتسييس وتقطيع وسلب ومكر وخداع ، وإلا فما معنى أن يرفع إنسان صوته في وجه إنسان آخر فيخاطبه بقوله : أنا وطني ، دون أن يدري أنه لا يدري، وإلا لما تجرأ على القول، لأن مثل هذا القول يفتح المجال، فيسأل الطرف الثاني سؤاله : بأي ميزان نزن خطابك ، هل ( وطنيتك ) قابلة للتحويل فتترجم إلى كفاءة اجتماعية ، ثقافية ، سياسية ، قانونية ، وإبداع أو اختراع ؟ بماذا تميزك ( وطنيتك ) أو قولك هذا في عالم المال والأعمال ، ماذا يضيف إلى رصيدك ورصيد مجتمعك ؟ هل لكلامك هذا دليل ، هل لمثل خطابك هذا أثر وبيان في عوالم المجتمع ، أم أنك بكلامك هذا صرت بلا قيمة ولا أثر ؟ أنت قلت والآخر سأل ، أنت قلت والمجتمع سأل ، واعلم ، إذا كنت لا تعلم ، أن إنسان الألفية الثالثة ، لم يعد يقبل مثل هذا اللبس وهذا التلبيس ، وهو اليوم يرفض كل أساليب التضليل والتدليس . لقد سألني سائل ذات مرة : هل شعار الوطنية رخصة يمنحها المجتمع أو الدولة ، أم هي لقب تمنحه الجامعات والمعاهد ، أم هي منحة لم نعرف طبيعتها بعد إن الإنسان الحر ، الموصوف بالحد الإيجابي أو الحد الوسط ، لا يقبل رخصة لم ينصص عليها قانون ، ولا يقبل لقبا بلا أساس ولا روح ، ولا يقبل منحة دون استحقاق ودليل . وإذن فما مدلول مثل هذا الشعار الذي لا نعثر له عن مبررات داخل منظومتنا الاجتماعية والثقافية ، العرفية والقانونية ، وما مدلوله إذا لم يترك أثره الإيجابي في واقع الناس هدما وبناء ، تخلية وتربية ، تصفية وتحلية ؟ ما هذه الوطنية التي إذا نطقت بها كذبتك ، وإذا تخفيت بها تعريت وإذا استهنت بها أهانتك ، أتدري لماذا ؟ لأنها ولأنها فقط ، هي بمثابة العملة التي لا تقبل التحويل ، فهي بمثابة الأم العذراء التي لا يسري عليها ما يسري على الأمهات ، من ذهاب العذرية ، والتقدم في السن ، وذهاب صحة البدن والسمع والبصر ، فهي تسع جميع أبنائها ، مضيافة إلى أبعد الحدود ، لا يسعونها بأموالهم ولا بألقابهم ولا بمذاهبهم ، تمنحهم الرحمة والعزة والأمان والشموخ والاطمئنان ، فهي للوطن والوطن بها ، فإذا أردت أن تستدل على الوطنية فتدرك مدلولها فزنها بميزان الحرية ، يمكنك قياسها وقبل ذلك تحسسها من خلال تحسس حرية الديار والأوطان ، نتحسسها وندركها كلما زادت مناعتنا وانتفت قابليتنا للاستبداد ، نستدل عليها في مدارسنا من خلال سلامة ونباهة أطفالنا وحضور ووعي أساتذتنا ، تقييما وتقويما ، علما وبيانا ، أثرا وامتحانا ، نستدل عليها في مزارعنا فنشهد بخيرات الأرض ونشهد بآثارها ، نستدل عليها في جامعاتنا فندل عليها بقيمة الشهادة وأحقية صاحبها ، نستدل عليها بسمعة البلاد والعباد في شتى أنحاء المعمورة ، كسمعة ثورات التحرر وشهدائها . الأخ جمال : لاحظ وتأمل معي في عبارة " المجموعة الوطنية " ، ماذا تعني ، إذا فقد الشعب أمنه أو حريته أو سكينته أو عافيته أو وحدته الترابية ؟ ماذا تعني ، إذا فقد المجتمع نظامه وتنظيمه ونشاطه وحيويته ؟ ماذا تعني إذا فقد القانون روحه ، أو حتى سمعه وبصره ؟ ماذا تعني ، إذا فقدت الدولة مصداقيتها ، والمجتمع استقلاله ، والشعب سيادته ؟ لذلك ولذلك فقط دعنا نفحص الفقرة التالية من أحد الدساتير العربية : ( وعلى كل مواطن أن يؤدي بإخلاص واجباته تجاه المجموعة الوطنية ) . أولا : هل الكلمة " مواطنة " تكافئ الكلمة " وطنية "، كأن نقول، على سبيل المثال:جمال مواطن، جمال وطني ، هل الأولى تكافئ الثانية ؟ العبارة : ( جمال وطني ) لا تعني شيئا بالنسبة للجماعة الوطنية ، لا تعني شيئا في عالم الحقوق والواجبات ، فهي لا تنتج حقوقا ولا واجبات ، ومن يقول غير ذلك فليأتينا بالدليل ، وإذن فإن عبارة ( جمال وطني ) لا يتحملها جمال ، لأنها تجعله في موقف يحتاج إلى توضيح ، فإما أن هناك من يشك في انتمائه إلى المجموعة الوطنية ، أو يشك في التزامه بواجباته بصفته ( مواطن ) ، أو أنه يريد أن يحصل على شيء ، أو امتياز ليس من حقه أو نصيبه ، أو أنه يرى صورته مشوهة في صورة الأم العذراء ، وكأنه يريد أن يحل محلها ، أو يسرق منها خصوصيتها أو ينال من سمعها وبصرها ، فكأنه ينتظر منها أن تراه وتسمعه دون سواه ، ولا تسع سواه من أبناء وطنه ، إن عبارة ( جمال وطني ) تسيء إلى جمال وإلى وطن جمال وإلى شعب جمال ، لا لشيء سوى لأن المجموعة الوطنية ترى من واجبها الحفاظ على الأم العذراء ، لأن في ذلك حفاظا على ماضيها وحاضرها ومستقبلها . أما عبارة ( مواطن ) فهي قابلة للتحقق من خلال العلاقة التي تقوم بين الإنسان كفرد وبين الدولة التي ينتمي إليها ، فهذه العلاقة تنتج ( جمال مواطن ) الذي يرتبط بالمجموعة الوطنية من خلال الواجبات والحقوق ، وإذن فإن جمال يقبل بهذه العلاقة وهذا الانتماء ، ومثل هذا يقبله جمال وتقبله المجموعة الوطنية وتقبله الأم العذراء . وحتى تتحقق مثل هذه المعالم ينبغي أن يتساوى أعضاء المجموعة الوطنية أمام القانون ، أي أن يتساوى ( الوطنيون ) ، معذرة ، (المواطنون ) أمام القانون ، ورد في مادة أخرى من نفس الدستور:" كل المواطنين سواسية أمام القانون" إن أي إخلال بالقانون في مواجهة حق الشعب في اختياره لنظام الحكم ، وحقه في اختيار ممثليه لإدارة الشأن العام المتصل بحياة المجموعة الوطنية وحضورها وحركتها وأمنها وأمانها ، المنبثق من علاقة المواطنة القائمة بين المواطن ودولته ، هو إخلال بنظام الدولة كله وإساءة إلى الأم العذراء وسمعها وبصرها وروحها ، فهي أخشى ما تخشاه على المجموعة الوطنية ، من الاستبداد ، ومن بذور الاستبداد ، ومن القابلية للاستبداد . إن المساواة أمام القانون يتساوى فيها الحاكم والمحكوم ، بل مصداقية الحاكم من مصداقية المحكوم ، وحرية الحاكم من حرية المحكوم ، وكرامة الحاكم من كرامة المحكوم ، وأي إخلال بهذا التوافق والتناغم هو إخلال بروح القانون وروح الحرية وروح المساواة . وعلى هذا الأساس فالمواطنة لا ترتبط بعوامل الجنس ، واللون ، والمال ، واللسان ، والفقر ، والغنى والمنصب ، والجاه ، والجهة ، والعرق ، والمذهب ، إن دولة المواطنة ، دولة الحقوق والواجبات ، دولة القانون ، لا تتأثر بكل هذه الفوارق ، في عملية الهدم والبناء ، وعملية التخلية والتربية ، وعملية التصفية والتحلية ، الجماعة الوطنية تتحول على طريق النهضة في صحوة اجتماعية ، ثقافية وسياسية ، إلى دولة المواطنة ، في رباعية متناغمة مع خصوصياتها ووجهة الأم العذراء نحو عتبة الإقلاع الحضاري الذي يستحضر التاريخ والحاضر والمستقبل ، فترى الأم جميع أبنائها وتسمعهم جميعا وتحيى بهم ولهم جميعا . الوطن يتصل بالوحدة الترابية ، ومعامل هذه الوحدة هو الوطنية غير القابلة للاشتقاق ، ودليلها في حياة الشعب أو الأمة هو المواطنة ، وإذا فالأم الطاهرة ، أو الأم العذراء ، أو رابعة أم الشهادة والشهداء ، ترفض الشعارات الفارغة والادعاءات الكاذبة ، وأباطيل الاستبداد ، الاستبداد واحد ، لا جنسية له ، ولا دين له ، ولا عهد ولا وعد له . الوطن هو رقعة الأرض التي يرتبط بها وجود شعب ، إذ لا معنى لشعب بلا أرض، ولا معنى لوطن بلا شعب ، فإذا تحقق وجود الشعب ووجود الأرض ، وانتفى وجود المغتصب أو المحتل ، تحقق الوطن واستوفت الوطنية مقامها واستمدت بريقها من أرض الآباء والأجداد ( أبا عن جد ) ، دون الحاجة إلى ترديدها أو اختزالها في شعار ، أو محاولة التخفي تحت جناحها بدعاوى كاذبة . أما المستحق للعنة الأم والأبناء والجماعة الوطنية فهو المستبد الذي خان الأمانة وارتمى في أحضان الاستعمار. بوركت الأستاذ جمال .