قضايا وآراء

الشعب هو المذنب دائما!

رضا حمودة
1300x600
1300x600
في البلدان الفاشية يُرجع الحكام المستبدون أسباب تردي الحالتين الاقتصادية والسياسية إلى عاملين مهمين، أو إن شئت فقل ذريعتين: أولهما الزيادة السكانية الكبيرة التي تلتهم موارد البلاد المحدودة (وليست المنهوبة)، وثانيهما هو التصدي للأخطار الداخلية والخارجية التي تهدد الأمن القومي للوطن، أو ما يسمى بالإرهاب؛ هذا المصطلح الفضفاض المطاط الذي يصنعه الحكام ثم يستخدمونه كفزاعة للمجتمعات التي تفكر في التغيير يوما ما، ومن ثم يتحتم على الجميع تأجيل مطالب الحرية والتغيير لمواجهة خطر الإرهاب المحتمل، وبالتالي يصبح من الواجب الوقوف جميعا في وجه "أهل الشر" الذين يتآمرون على مصالح البلاد والعباد ليل نهار، وبذلك يصرفون الأنظار عن القضية الرئيسية، وهي فساد السلطة من رأسها وتآمرها على مصالح شعبها.

في المجتمعات الفاشلة القمعية يتم تأميم السياسة إلى الحد إلى دفع الناس إلى الانصراف عن كل ما يمت للسياسة بصلة، بينما يتم استدعاؤهم وقت الحاجة لممارسة السياسة التي تخدم النظام الحاكم لتشرعن بقاءه، كما في الاستحقاقات الانتخابية الهزلية، بغرض الظهور بمظهر ديمقراطي ديكوري تعددي أمام الخارج فقط. فالأصل عند الطواغيت أن السياسة حرام، إلا إذا كانت لخدمة وليّ الأمر.

الشعب متهم دائما ومذنب على الدوام، فإذا تفشى الفساد في البلاد فمرده إلى الشعب الفاسد الكسول بالفطرة، فهو العائق أمام التنمية! وإذا تحقق إنجاز فردي لأحد المواطنين أو الهيئات، فبفضل تعليمات وأحلام سيادة القائد المفدى صاحب العقلية الفذة التي لن تتكرر في التاريخ. ونتيجة لذلك، فإن الاستبداد باقٍ ويتمدد ما بقيت الشماعة التي يتكئ عليها الحاكم، وهي شماعة الإرهاب المصطنع. فالهدف هو الترسيخ لإدانة المجتمع الحر ووصم كل معارض بالإرهاب، حتى تتسع دائرة الاشتباه في كل صوت يغرد خارج السرب، ليبقى المجتمع بكامله في حالة استنفار لمواجهة الإرهاب المصطنع عبر إثارة الشكوك والوقيعة بين أفراد العائلة الواحدة، وبذلك ينجح النظام في استنزاف قوى المجتمع في الاستقطاب الداخلي على طريقة فرق تسد، في الوقت الذي يخفت فيه صوت المطالبة بالإصلاح والتنمية أمام صوت المعركة ضد الإرهاب والتطرف، التي لا يُراد لها أن تنتهي أبدا.

فإذا طالب المواطن بالإصلاح يُتهم بالعمالة للخارج، وإذا قاطع الانتخابات، أصبح جاحدا وناكرا للجميل، ولا يستحق الحياة تحت سماء هذا البلد، ذلك أن قائمة التهم جاهزة ومعلبة، والأصل أن تكون متهما حتى يثبت العكس وتنتمي للمواطنين الشرفاء المؤيدين المطبلين للحاكم؛ دون أن ترى أو تسمع أو تتكلم! يقول المفكر الأمريكي الأشهر نعوم تشوميسكي في تفسيره العبقري لتلك الحالة: "حتى تتمكن من السيطرة على الشعب، اجعله يعتقد بأنه سبب تخلفه".

تنظر النظم الشمولية الاستبدادية لشعوبها على أنها أرقام يتم الاستثمار فيها بمبدأ الربح والخسارة، عبر منظومة فساد يديرها رأس النظام مع أذرعه في السلطة، فيتلاعب بالأرقام بما يحقق مصالحه فقط، حيث يعاير شعبه بالزيادة السكانية التي تلتهم التنمية (المزعومة)، ثم يستثمر في تلك الزيادة بنهب أموال دعم الفقراء والخدمات المقدمة للمواطنين، عبر فرض المزيد من الضرائب والرسوم على السلع والخدمات، فضلا عن تقليص الدعم المقدم، والنتيجة أن الشعب خاسر بالنهاية.

يلعب أي نظام فاشي مستبد على عامل الوقت، عن طريق إلهاء الجماهير بقضايا فرعية مفتعلة لصرف النظر عن ممارساته الشيطانية، فضلا عن دغدغة مشاعره بسلسلة من الأكاذيب والوعود الوهمية بالرخاء والرفاهية من عينة المشاريع القومية الكبرى، بهدف امتصاص غضب الجماهير المطحونة لقطع الطريق على أي تحرك أو ثورة في المستقبل القريب، فيستهلك بذلك المزيد من الوقت بغرض إطالة أمد البقاء في السلطة وتحقيق أكبر قدر من المكاسب الشخصية.

لكن إذا ما نجح الشعب في اجتياز معركة الوعي بإدراكه أن من يحكمه هو أصل المشكلة، وليست في سياساته الفاشلة، سيدرك أن هذا الحاكم لن يكون بحال من الأحوال جزءا من الحل، ساعتها فقط سينفجر هذا الشعب من قاع الزجاجة التي حبسوه فيها لعقود طويلة لنور الحياة والحرية والتغيير الحقيقي.
1
التعليقات (1)
مصري جدا
السبت، 30-06-2018 01:46 م
اتهام الاخر خلق وثقافة عربية وربما اسلامية رسختها مراحل الانحطاط الثقافي والتعليمي والفكري التي تعيشها بلدان وشعوب المنطقة منذ قرون ،،، اتهام النفس مرفوض محاسبتها غير وارد الانصاف منها نادرا ،،، وهذا الخلق ليس حصرا على الانظمة والحكام بل النخبة ايضا ،،، دوما كانت النخبة المسماة بالمدنية تتهم الشعب بالجهل وعدم الوعي لانه يختار الاخوان في النقابات والبرلمان وغير ذلك ،،، لم يبحثوا مرة في انفسهم ،، لماذا لا يختارهم الناس ،،او لماذا يختار الناس غيرهم ،، الاسهل ان الشعب اخطآ ،،،، بعد انقلاب ال3 من يوليو وما صاحبه من احدث وممارسات وتحولات ،،، ماذا حدث ،، ؟ اتهم الاخوان او غالبية الاخوان الشعب بأنه لم يرد الجميل ،، لم يكن وفيا ،،،وعندما عاني الشعب ويلات حكم السيسي ،، كان تعليق غالبية الاخوان ،،، الشعب يستحق ،،، الشعب يدفع ثمن مواقفه ،،، المدهش ان غالبية من يتكلمون باسم الشعب وبالنيابة عن الشعب ،، لا يعرفون عمن يتكلمون ،،، الى الان لم تعرف النخبة طبيعة الانسان المصري ولا مفتاح شخصيتة ،،، لذا على الشباب ان يقرأ شخصية مصر للقدير الدكتور جمال حمدان رحمه الله