كتاب عربي 21

في المغرب.. أسئلة مشرعة!

طارق أوشن
1300x600
1300x600

بعد ست سنوات قضاها على رأس وزارة الاقتصاد والمالية، وجد الوزير محمد بوسعيد نفسه خارج التشكيلة الحكومية المغربية في إطار ما أسماه بلاغ مقتضب للديوان الملكي تفعيلا لـ"مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي يحرص جلالة الملك أن يطبق على جميع المسؤولين مهما بلغت درجاتهم، وكيفما كانت انتماءاتهم". بعدها بأيام، تم تعيين السيد محمد بنشعبون بديلا عنه، وهو الذي لم يُعرف عنه انتماء سياسي سابق.

في واقعة الإعفاء، توقف كل شيء عند مفردات البلاغ أعلاه، وفي واقعة التعيين لم يجد رئيس الوزراء سعد الدين العثماني غير القول، عبر تغريدة على تويتر، بأن الاقتراح كان مبادرة من السيد عزيز أخنوش، مضيفا أن "الأغلبية لا علاقة لها بالموضوع، ورئيس حزب الأحرار اقترح علي السيد بنشعبون بحكم أن الحقيبة الوزارية تعود لحزبه وأرسل السيرة الذاتية، فبادرت باقتراحها على الملك الذي وافق وتفضل بالتعيين". رئيس الوزراء بالمغرب تحول لمجرد صندوق بريد توضع فيه سير ذاتية ينقلها إلى الملك.

هكذا يتم تعيين الوزراء والمسؤولين بالمغرب، وهكذا تتم إقالتهم وإعفاؤهم. والنتيجة تعتيم كامل على أسباب التعيين أو الإعفاء سواء بسواء، بعد أن صارت لازمة "ربط المسؤولية بالمحاسبة" عبارة تلوكها الألسن وشعارا لمرحلة نعرف مسببات انطلاقتها وفي علم الغيب تفاصيلها وإجراءاتها والنتائج التي قد تترتب عليها.

مع بداية الولاية الحكومية السابقة، بقيادة السيد عبد الإله بنكيران، لم يترك وزيره في الاتصال منبرا أو مجالا دون التغني بإقرار قانون حرية الوصول للمعلومة. واقع الحال أظهر أن الموضوع كان مجرد جعجعة بلا طحين. ففي بلد يستيقظ أو يبيت فيها المواطن/الناخب على قرارات ترهن مصيره لسنوات دون أدنى إخبار بأسباب النزول، تفقد القوانين قيمتها، مهما بلغت درجة تقدمها، ويصبح مبدأ المشاركة أو الإشراك في تدبير ومراقبة الشأن العام مجرد شعارات للاستهلاك ومساحيق للتجميل.

قرار إعفاء السيد بوسعيد حلقة في سلسلة إجراءات دأبت الدولة على اتخاذها في غياب إشراك فعلي للمنتخبين، ممثلي الأمة، أو المجالس الاستشارية التي كرسها الدستور شريكا في الدفع باتخاذ القرار. ففي اليوم الذي قدمت فيه حكومة سعد الدين العثماني أوراق اعتمادها أمام البرلمان، كانت هيكلة الوزارات على شكل قطاعات كبرى، بما يسمح بتفرع مسؤوليات "تقنية" متخصصة عنها، واحدة من الدفوع التي قدمها المؤيدون واعتبروها فتحا مبينا. صراع حول الاختصاصات بين كاتبة الدولة المكلفة بالماء لدى وزارة التجهيز والنقل واللوجيستيك والماء، ووزيرها الوصي كانت كفيلة بحذف الكتابة من الهيكلة الحكومية.

منذ بدء مشاورات تشكيل الحكومة تعالت أصوات الكثيرين منادية بدمج اختصاصات عدد من القطاعات بما يسمح بتقليص عدد الوزراء وتركيز الجهود والموارد ويحقق النجاعة والفعالية في الأداء. الحسابات السياسوية المكرسة للريع الوزاري، إرضاء للأحزاب المشاركة في الحكومة، أفضت في الأخير إلى حكومة بعشرات الوزراء والوزراء المنتدبين وكتاب الدولة بلا صلاحيات فعلية أو ضرورة تدبيرية. ولعل في ذلك جوابا على ما أشار له الخطاب الملكي الافتتاحي للدورة البرلمانية لأكتوبر 2017، من أن النموذج التنوي المغربي يحتاج إلى مراجعة شاملة بالنظر إلى أنه "أصبح غير قادر على تلبية احتياجات المواطن المغربي"، وهو ما أعاد التأكيد عليه في رسالة إلى الدورة الثالثة للمنتدى البرلماني حول العدالة الاجتماعية، الذي نظمه مجلس المستشارين بالبرلمان المغربي شهر فبراير 2018، حيث وجه الدعوة إلى الفاعلين للمساهمة "بكل حرية وموضوعية في التفكير في نموذج تنموي جديد دون حدود أو شروط". من يومها لم تسجل أية مبادرات حزبية أو غير حزبية في هذا الاتجاه باستثناء بعض من التقارير الدورية لبعض المجالس الاستشارية، التي تكتفي في الغالب بالتشخيص، وهو أمر غير مستغرب بالنظر إلى الاتكالية التي طبعت على الدوام فعل الأحزاب السياسية، المستغنية على إبداع الحلول والبرامج والمقترحات بالثناء على المبادرات الملكية وتثمينها على مستوى الخطاب والغياب التام عن مناقشتها أو إغنائها بالاقتراح أو الفعل الميداني. برلمانيو الأمة مشغولون أكثر بتأمين معاشاتهم والسعي للإفلات من مقصلة التصفية والإلغاء.

عندما كان عباس الفاسي وزيرا أولا في حكومة ترأسها حزب الاستقلال، قبل انتخابات 2011، كان الرجل يفاخر أن برنامج حكومته يتلخص في تنفيذ توجيهات الملك وهو ما يحول رئيس الوزراء إلى مجرد موظف تنفيذ. الحال أن المغرب في حاجة إلى أكبر من مجرد موظفين في أثواب وزراء. وعندما قال الملك في خطابه الأخير للعرش "أحس أن شيئا ما ينقصنا"، وهو في الحقيقة امتداد لمجموعة أسئلة حملتها خطبه الأخيرة، لم يجد من الطبقة السياسية من مجيب غير عبد الإله بنكيران، "المبعد" من السلطة، بالقول: "إن ما ينقصكم سيدي أن يكون معك رجال مخلصون يشتغلون بالشكل المطلوب". لم يفعل عبد الإله بنكيران غير تقديم أوراق اعتماده مجددا كرجل ملكي لا يختلف في شيء عن عباس الفاسي. فلا الثاني يملك مشروعا حقيقيا ولا الأول كان له طموح في امتلاك مشروع.

في الدساتير السابقة للمملكة، كان شخص الملك مقدسا وخطاباته لا تقبل النقاش. الدستور الأخير رفع القدسية عن شخص الجالس على العرش وحصر منع النقاش على خطابه الافتتاحي للبرلمان، حيث إن رقابة البرلمانيين محصورة في الحكومة ومؤسساتها. وفي الملكية التنفيذية، كما حال المغرب، تعتبر خطابات الملك حاملة لمشاريع عمل ولتكليفات مباشرة للحكومة وهو ما يجعل مناقشة مضامينها أمرا حيويا وضروريا. لكن غياب مشروع حقيقي لدى الطبقة الحزبية "الشائخة" يخرج عن نطاق الموالاة العمياء للدولة/القصر وتوجهاتها، أو السباحة مع تيار التيئيس الناهل من خطابات "ثورية" لا تبني مؤسسات دولة ولا تستجيب للمطالب الآنية للـ"جماهير"، أفضت بالمؤسسة الملكية إلى مسؤولية التخطيط والسهر على الإنجاز بشكل يجعلها في مواجهة مباشرة مع المواطنين/الناخبين دون تنظيمات وسيطة أو كوابح صدمات. 

"هل اختياراتنا صائبة؟ وما هي الأمور التي يجب الإسراع بها، وتلك التي يجب تصحيحها؟ وما هي الأوراش والإصلاحات التي ينبغي إطلاقها؟ أما إذا كان الإنسان يعتقد أنه دائما على صواب، أو أنه لا يخطئ، فإن هذا الطريق سيؤدي به إلى الانزلاق والسقوط في الغرور.. فالتساؤل وإجراء هذه الوقفة مع الذات لا يعني الشك أو التردد، أو عدم وضوح الرؤية. بل على العكس من ذلك، فطريقنا واضح، واختياراتنا مضبوطة. فنحن نعرف أنفسنا، ونعرف ماذا نريد، وإلى أين نسير". 

هذا مقتطف من خطاب العرش لعام 2014. ولعل بداية الحل للإجابة على مختلف الأسئلة، التي لا تزال مشرعة في مغرب غلب على ممارسته السياسية فعل التشخيص والانتظارية، يبدأ من تفعيل حق الشعب المغربي أن يعرف إلى أين نسير.

1
التعليقات (1)
محمد ايوب
الخميس، 23-08-2018 09:24 م
تلك هي الحقيقة: يقول الكاتب:"...ففي بلد يستيقظ أو يبيت فيها المواطن/الناخب على قرارات ترهن مصيره لسنوات دون أدنى إخبار بأسباب النزول،تفقد القوانين قيمتها،مهما بلغت درجة تقدمها،ويصبح مبدأ المشاركة أو الإشراك في تدبير ومراقبة الشأن العام مجرد شعارات للاستهلاك ومساحيق للتجميل"...وهذه الحقيقة تشمل كافة بلدان العالم العربي بدون استثناء..وبالنسبة للمغرب فان الفاعل الرئيسي في الميدان الذي هو الملك يظل فوق المساءلة وبالتالي فهو غير مضطر للخضوع للشعب واخباره بالتفاصيل..وهو يبقى صاحب القرار الرئيسي في كل شيء:في السياسة والاقتصاد والدين والثقافة والرياضة والسياحة والتعليم والسكن والتشغيل...الخ...والعاقل المتتبع لشؤون المغرب لا يلوم العثماني ولا من سبقوه ولا من سياتي بعده،لأن هذا العاقل يعلم جيدا أن هؤلاء كانوا ولا زالوا وسيظلون مجرد أدوات لتنفيذ أوامر الملك وتعليماته التي تصلهم مباشرة أو عبر مستشاريه...وتبقى الحكومة بكافة اعضائها ومعها جل مسؤولي الدولة الكبار غير معنيين اطلاقا بما تفرزه صناديق"الانتخاب"،لأن الانتخاب يظل مجرد وسيلة لارضاء النخبة المتهافتة على الريع السياسي والاقتصادي الذي يغدقه المخزن/الدولة على افراد هذه النخبة سواء كانت حزبية او نقابية او تقنوقراطية...ثم ماذا بعد الاعفاء؟سؤال يبقى الجواب عنه بيد الملك تماما كما هو الشان بالنسبة لسؤال آخر سابق يتعلق ب:"أين الثروة؟"...و"النخبة"ألفت ذلك لدرجة أنها لا تشغل نفسها بالبحث عن أسباب الاعفاء ولا تسأل عن تبعاته وآثاره حتى ولو كان المعفى عنه متهم بالنهب والفساد...وشخصيا لا ارى أن بلدنا المغرب فيه ديموقراطية حقيقة...وكما قال الكاتب هي مجرد مساحيق تزول في أقصر وقت وهو ما تفضحه تقارير المنظمات والمؤسسات الدولية حول ترتيب بلدنا على مستوى التنمية البشرية: التعليم والصحة والتشغيل والسكن والخدمات وحرية الراي والتعبير...الخ...من مؤشرات التنمية...فهنيئا للنخبة الانتهازية والوصولية والانبطاحية...