مقالات مختارة

أين النخب السياسية العربية؟

علي محمد فخرو
1300x600
1300x600

نحن نقترب من الذكرى الثامنة لاندلاع حراكات وثورات الجماهير الشعبية العربية في العديد من بلاد العرب، غالبيتها بقيادات عفوية من قبل شباب الأمة. لقد نجح البعض وتعثر البعض الآخر، كما سرقت بعض الحراكات من قبل الانتهازيين، واخترق بعضها الآخر من قبل استخبارات الخارج والداخل.


أحداث جسام مرت على كل مكونات هذه الأمة العربية، أدت إلى تغييرات هائلة عبر الوطن العربي كله، لم يسلم أحد من نيرانها وابتذالاتها وجنونها، وكل القيم والالتزامات والمحرمات القومية والدينية دُنست أو نُسيت.


أمام مصاب جلل كهذا يسأل الإنسان نفسه: هل استفاقت وتعلمت نخب الحكم والمجتمعات المدنية السياسية العربية من تلك الدروس المريرة؟ أم أنها ستستمر في التلهي بصراعاتها وخلافاتها وحبك المؤمرات على بعضها بعضا؟ الجواب واضح في التعامل الفردي والجماعي، من قبل الدول والجماعات، مع أسوأ وأفجع المشاهد عبر الوطن العربي.


نراه في السكوت العربي المريب تجاه سوريا المهددة بالتقسيم، بين قوى خارجية وداخلية، تنزف دما على يد جحافل الجهاد التكفيري الإرهابي، تحت حماية وتمويل هذه الجهة الخارجية أو العربية أو تلك، المؤجلة عملية إعادة إعمارها حتى حين قبولها بشتى الابتزازات والشروط، وبالتالي إبقاء نصف شعبها في المهاجر والغربة والإذلال إلى حين إيصالها إلى حالات اللاعودة.


نراه في الانزواء العربي عن ليبيا المرشحة للعودة إلى ولاءات البداوة لتفتيتها وتوزيع ثرواتها البترولية والغازية بين سراق الخارج والداخل. نراه في العراق الذي ما أن يحبو خطوة سياسية وطنية إلى الأمام حتى يرغم من قبل قوى الخارج والطائفية الداخلية، على التراجع خطوتين إلى جحيم الانقسامات العرقية وبلادات الطائفية، والنتيجة أن يشرب شعب بلد النهرين ماء مالحا ملوثا ويأكل أطفال بلد الخيرات الزراعية من صناديق القمامة. 


نراه في الدمار البشري والعمراني الذي يعيشه اليمن، الذي قاد إلى نشر الأوبئة والجوع والعري في ربوع ذلك البلد المنكوب وأحال أطفاله إلى أشباح من عظام وجلد، وقلب شعبه العربي إلى عبيد لهذه الجهة أو تلك.
نراه في فلسطين المحتلة التي تنزف دما وتذرف دمعا وتخسر أرضا ليل نهار على يد الاحتلال الصهيوني والإسناد الاستعماري الأمريكي الديني والسياسي والعسكري والاقتصادي، بينما تعيش بعض أنظمة حكم العرب وأبواقها الانتهازيين فاقدي الضمير الإنساني في أوهام فوائد ومزايا وضرورات التطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب الإرهابي.


نراه في شتى بقاع الأرض العربية فسادا ونهبا وتراجعا خدميا معيشيا، وانتهاكا للحقوق الإنسانية والسياسية، وسجونا ممتلئة، وموجات هجرات سكانية إلى المنافي والغربة والإذلال، ورجوعاُ للاحتلال وللنفوذ وللتدخلات الاستعمارية بشتى الأشكال والمستويات.


في خضم كل ذلك ضاعت فضائل القيم والالتزامات الوطنية والقومية العروبية والأخوة الدينية، لتحل مكانها مرجعيات الولاءات المذهبية الطائفية أو الجهوية أو العرقية أو القبلية أو النفعية. 


وزاد الأمر سوءا أنه بدلا من تفاهم النخب السياسية العربية على وضع حلول عربية ذاتية متوازنة للخروج من تلك الأزمات، اتجهت أنظارها إلى الخارج، وتفويض قوى الخارج لتضع الحلول لتلك المشاكل العربية. ما عاد يسمع صوت عربي، ولا يسمع الناس عن مقترحات عربية.


 ما يسمعه الناس، مقترحات تقدمها أمريكا أو روسيا أو فرنسا أو تركيا أو إيران أو القوى الصهيونية أو الأمم المتحدة أو غيرها. الصوت الخارجي يملأ الدنيا ضجيجا بينما ينقلب الصوت العربي إلى همس واستعطاف وقلة حيلة. والنتيجة بالطبع هي الفشل. فشل في الداخل وفشل في الخارج، بينما تحترق الأرض العربية، ويتدمر اقتصادها، وتفقد استقلالها وتعيش مجتمعاتها حياة الشلل والخوف واليأس والكفر بكل قيمة أو التزام.


هذا الوضع ما عاد يطاق، ولا يليق بهذه الأمة، وإذا استمر فسيقود إلى كوارث سياسية واقتصادية وأمنية، بل حضارية، مهددة للوجود العربي برمته.ما يجب أن يعرفه الجميع أنه لن ينجو أحد، ولن تكون هناك سفينة نوح لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. بداية الطوفان كانت تلك الحراكات والثورات العربية منذ ثماني سنوات.
ما حدث لها ليس هو الموضوع، الموضوع هو العوامل التي قادت إلى حدوثها آنذاك، والتي لا تزال موجودة بألف شكل وشكل في كل المجتمعات العربية.


والموضوع هو فهم ما وراء خروج الجماهير الهائجة في مدينة البصرة ومدن السودان وبيروت وعمان وشتي أنحاء تونس والمغرب. ويخطئ من يعتقد أن الهيجان سيقف هناك، فالأرض العربية كلها أصبحت رمالا متحركة. هناك جهتان يجب أن تفعلا شيئا قبل فوات الأوان: النخب السياسية العربية الحاكمة والنخب السياسية الفاعلة في المجتمعات المدنية العربية. 


النخبة الأولى تحتاج أن تناقش الأمور في الجامعة وفي مؤسسة القمة بصراحة وبروح تفاهم وبشعور بعظم المسؤوليات القومية. سكوتها وترددها وشللها ما عاد يفيدها منفردة أو مجتمعة. النخبة الثانية تحتاج أن تبدأ بتكوين نواة كتلة عربية سياسية نضالية سلمية للمساهمة في إنقاذ مجتمعاتها من الجحيم الذي نعيشه.


هناك تفاصيل كثيرة بشأن جدول أعمال النخبتين لا يسمح المجال للدخول في تفاصيلها وتعقيداتها. النخبتان يجب أن تعملا على بناء سفينتي نوح وإلا لا منجي من أمر الأمواج الهائلة التي تحيط بهذه الأمة المنكوبة.

 

عن صحيفة القدس العربي اللندنية 

1
التعليقات (1)
مصري جدا
الخميس، 27-12-2018 05:07 م
موضوع النخب العربية فيه كلام وحديت وحواديت ،،، لكن عن النخب السياسية دون سواها اقول ،،، أجواء حكم الفرد الواحد والحزب الواحد جرفت المشهد العام من نخب حقيقية ذات كفاءة وجودة ،،، وسمحت باشباه النخب في غالبها كانت تابعة لحكم الفرد وسيطرة الحزب ،،، اما من كان في صف المعارضة فهو بدوره نشأ في اجواء الاستبداد والخصومة والتشاحن وغياب التسامح والشراكة والقبول ،،، لذا عندما هبت رياح الربيع العربي فشل الجميع في الاختبار الحقيقي وهو المحافظة على المسار الديمقراطي الوليد ،،، وكان ما نحن فيه الان ،،، وبما ان منصات القيادة في بقايا الكيانات المعارضة لم يجد عليها جديد بل كانت شريكة الاخفاق فلا ينتظر منها فعل او رد فعل ،، نحن بحاجة لمنصات قيادة جديدة ،، حفاظا على ما تبقى من الاوطان وما تبقى من بقايا الكيانات السياسية المدنية والاسلامية ،،،