كتاب عربي 21

علي بابا نويل

أحمد عمر
1300x600
1300x600
اقترب عيد رأس السنة، وبدأت ملكة القنوات الأرضية "LBC" تحتفل بالعيد، فلم تكن من قنوات فضائية وقتها. فكثرت في القناة الأخبار الطريفة والمرح والحسناوات، والثلوج والأيائل الطائرة من غير أجنحة؛ وهي تجرُّ عربة تمشي على سكة خفية فوق السحاب، وأفلام كرتون استريكس؛ التي لم نكن نراها في الأيام العادية. وكان طفلي قد عرف استريكس من المجلات قبل أن يعرفها من الأفلام، فقد كان ينام على الحكايات ويصحو على الحكايات. كنا أنا وأمه نتبارى في رواية الحكايات للأمير الصغير، فسعادته سعادتنا.. أمه تجتهد له في الغناء في النوم واليقظة، وأجدُّ له في قراءة المجلات والقصص وشراء الألعاب.

ثم علمت أن في البلدة التي هاجرت إليها حديثاً؛ بابا نويل، فعلمت بعد الاستقصاء أنه بائع مازوت اسمه ميخائيل، يجر صهريجاً في أيام السنة كلها، إلا في رأس السنة، إذ ينقل الهدايا للأطفال في عربة من القرن التاسع عشر تستخدم لأعراس الموسرين، لها عجلات خشبية مكسوة بالمعدن.

وعلمت أن الاستكتاب على هدية رأس السنة يجري في الكنيسة. قلت هي فرصة ليرى طفلي وأبوه بابا نويل بشحمه ولحيته البيضاء ومعطفه الأحمر مترجلاً من عربة الأساطير والحكايات الخرافية إلى أرض الواقع المنخورة. سنصوّره صورة تذكارية بالكاميرا تكون لطفلي عيداً، وناقوساً يدقُّ في عالم النسيان.

هربتُ من بلدتي، وكانت حدودية، حدودها محكمة الإغلاق، بعد أن غلظت طباع أهلها وجفت، وغيرت جلدها والعظم، فلا الأهل أهل ولا الجيران جيران، واخترت بلدة قصية، على حدود لبنان، قريبة من عملي، جميلة، رطبة الهواء، فيها نبع من المياه الصافية، كثيرة الأشجار والأفياء، لكن أهلها غلاظ القلوب أيضاً. لم أفلح في مصاحبة أحد من أهلها بعد سنة من المودّات المهدورة، حتى زملاء الكتابة والشعر الذين عرفتهم بالقراءة، وهم كثيرون.. كان الجميع مشغولين بالتهريب وتكاليف الحياة.. يهرّبون الوقود إلى لبنان ذهاباً، ويؤوبون بالخبز إلى سوريا، بلد القمح الأجود بالعالم. ولعل ثمة أشياء أخرى كانوا يهرّبونها، كالآثار.

كان انتقالي نوعاً من العقاب، اخترته لنفسي، وأهلي وأصحابي، وقلت ما كان كل صاحب بصيرة يقوله: هذه البلاد ستنفجر يوماً مثل البركان. وكنت طلبت ديناً من صديق عزيز، موسر، يسرف ويباهي بالمكاسب السهلة، فقال لي بصراحة: عندي مال ولكني أعتذر، لأني أحب المال حباً جمّاً، والدَين يقتل الصداقة، فقتلَ الصداقة بالمنع، ورددت بيني وبين نفسي بيت المتنبي: إذا تَرَحّلْتَ عن قَوْمٍ وَقَد قَدَرُوا / أنْ لا تُفارِقَهُمْ فالرّاحِلونَ هُمُ. وتمنيت لو استطعت الهجرة إلى أوغندا، أو أيسلندا، حتى أنسى هواني بندا بندا.

واتخذت من طفلي صاحباً، أصحبه معي إلى السوق والمقهى، حتى أطلق بعض النابهين عليّ لقب الكنغر. أعددت له وسادة على سرج الدراجة.. نقصد النهر الذي يبعد عدة فراسخ، عند الغروب، ونجلس على ضفة النهر، ونستمتع بصنع الدوامات في مياه النهر برمي الحصى فيها، ونعود إلى البيت يائسين، فالأسماك لا يمكن صيدها بالحصى، ومصباح علاء الدين السحري يحتاج إلى قصبة طويلة وسعد.

يقول المثل عن الحياة: إن خلتْ خربتْ.. وما لبث أن ظهر لي أصدقاء جدد، أوفياء، مخلصون، من شتى فروع المخابرات، يدقون على الباب، ويطمئنون علي، ويدعونني شفاهاً إلى زيارتهم في أوكارهم.

وكانوا يطمئنوني، حتى لا أهرب، ولا أفزع، وهم يعلمون أنهم مصدر الفزع الأوحد في البلاد. وكانت جملة دريد لحام في مسرحية غربة شهيرة: "أنا ما بخاف غير من الله والمخابرات"؛ قنبلة تدوي بصمت في نفوس السوريين، والحق يقال: إننا لم نكن نخاف سوى من المخابرات، لأن الله رؤوف بالعباد.. هو غفور رحيم، والزبانية شديدة العقاب.

وكانت التحقيقات طويلة: تجري على الشكل التالي، أقصد الفرع صباحاً، وأعود عصراً إلى أسرتي الصغيرة، من غير تحقيق، وكانت تلك تقاليد معروفة لبث اليأس وإتلاف النفس، ثم يأتي اليوم الثالث فأُقاد الى التحقيق، وأُسأل عن سبب انتقالي إلى هذه البلدة الجميلة، التي بغضتها بغضاً، بل إني بغضت سوريا كلها، وكنت أدعو عليها بالهلاك، بشراً وحجراً، فأبرز لهم وثائق حكومية قضت بتعييني قريباً منها في وظيفة حكومية، والمدينة غالية الأجرة، وهذه البلدة أرخص سكناً وعيشاً، فيكادون يقتنعون من ذرائعي. وكنت قبل التحقيقات أظن أن الوطن واحد، لا فرق بين مدينة وأخرى، ولم يكن الأمر كذلك، فهناك مدن موالية وأخرى معارضة، ومدن معصومة وأخرى مستباحة.. ثم أخرج بعد التعهد بإبلاغهم بتحركاتي وتنقلاتي، كأنهم يضعون في عنقي أسوارة العهد المغناطيسية غير المنظورة. وقدرت أنهم يرتابون في أني قد انتقلت إليها لأحد أسباب ثلاثة: الرغبة في التهريب، ولم تكن عليه قرائن، والقيام بعمليات من منصة حدودية لإقامة دويلة كردية، وهو أيضاً أمر ليس فيه منطق، الثالث: أمر مجهول، هو الشك غير الديكارتي.

كنت أقصد عملي على بعد ثلاثين كيلومتراً، فأجد خبراً مع الزملاء والموظفين على الباب، نصّه أن ماما نويل طلبتني في الفرع رقم كذا، هكذا أشعتُ اسم المخابرات بين زملائي المقربين تقيةً. كنت أعود إلى البيت فأجد زوجتي وقد تمعر وجهها، فتخبرني أن ماما نويل سألت عني، وتركت لي رسالة بحبر النذير السري؛ تطلب مراجعة الفرع رقم كذا.. الفروع كثيرة والموت أكثر.

لقد اكتشفوا أني كاتب، وهذه شبهة، وكردي، وهذه شبهة أخرى، كنيتي عمر، وهذه شبهة ثالثة.

وصلتُ إلى الكنيسة، وسألت الشماس عن بابا نويل، فنادى مريم، فبرزت عذراء في حوالي الأربعين، عليها آثار جمال مقهور.. ابتسمت عندما علمت برغبتي، وطلبت مني برقّة غامرة مصاحبتها إلى المكتب، حتى تسجل اسمي وعنواني. أخبرتني أن أجرة بابا نويل هي مئة ليرة، والدفع فوري، والهدية واجبة الإحضار عصر ليلة رأس السنة، وعليها اسم الطفل وعنوانه.

أخرجتْ ورقة وسألتني عن اسمي: فقلت: أحمد، فأجفلت. نظرتُ إلى الورقة، كانت الأسماءُ أسماءَ أنبياء: إلياس ويعقوب ويوشع، وأسماء ملائكة: جبرائيل وميكائيل وميشائيل. وكنت اخترت لطفلي اسماً يجنبه شبهة تشابه الأسماء التي يعتقلون عليها بالجملة.. لم يكن له من قبل سميّا. كدت مرة أن أسجن بسبب تشابه الأسماء، وضع الشرطي القيد في يدي، ووثقني بالشبك الحديدي.. حاولت إقناعه بأن المطلوب يشبهني في الاسم الثلاثي، لكن يختلف معي في اسم الأم، فقال: إنهم يعتقلون على الاسم الثلاثي، ولا تهم الفروق الأخرى.. الأم ليس لها محل من الإعراب، ولا ولاية لها، ولولا ظهور صديق محام، اجتهد في تحريري لكنت من المسجونين.

أدركت أن مسلمي البلدة، وهم أكثريتها، يزهدون في هدايا بابا نويل، ليس لأنه كافر ومتألّه، بل لأنهم لم يبلغوا بعد ترف الهدايا الاستعمارية، ويفضلون وجبة طعام ولباساً على هدية تعادل ثمنها أجرة بابا نويل.. حتى الأغنياء تجدهم فقراء بالعدوى والخوف من المجهول.

خرجتْ تودعني إلى الباب، وترجو في نفسها الهداية لي على يد بابا نويل، وبدأ ناقوس الكنيسة يرنُّ بقوة. لمحت مرة ثانية تلك النظرة الحزينة في أعماق قلبها طافية على محياها، لعلها على صلب المسيح عزباً.

اقترب رأس السنة، وتعالت أصوات المفرقعات من وسط البلدة والكنيسة، كما تتعالى أصوات التكبيرات في أعياد الفطر والأضحى، وانتظرنا أنا وطفلي وأمه؛ بابا نويل نازلاً من السماء من غير مدارج ومطارات، وبدأ طفلي يلحّ، وتأخر بابا نويل، لكن لحظة رأس السنة لم تحلّ بعد.

تناهت إلينا أصوات جرس وصيحات أولاد، ذكرتنا بمدفع الإفطار في رمضان،فخرجنا، ورأينا عربة بابانويل يجرها بغل حزين بدلاً من ستة أيائل، وكان ذلك أول الغدر. كان البغل مزيناً بالخلاخيل والأقراط والأساور، الهدية هي الغاية وما الأيائل إلا وسائل.

تأخر بابا نويل عند الجيران، وسلّمهم هدية رأس السنة، وتشاجر أولاد جذبهم المشهد الفريد، وغضبت أمهاتهم وآباؤهم، وسخطوا على بابا نويل الذي خصَّ طفلاً من الحي بالهدية من دون الأولاد. اجتهد ذو اللحية البيضاء والقبعة الحمراء المخروطية في إقناعهم بأن الهدايا ليست من السماء، وهي تجري بالاستكتاب والتسجيل، وهي أمانات لها أصحابها.. ثم رأيته يمتطي عربته ويغادر، فلحقت به واستوقفته، وأخبرته أني أنتظر هدية ابني، فأخرج الورقة، وقرأ اسمي، ثم ضرب بيده على رأسه علامة الندم، وأخبرني أن هديتي قد سُلّمت بالغلط إلى جاري.. لقد أخطأ في العنوان بسبب تشابه الاسم الأول، ولصعوبة عنواني.. هو ابن البلدة ولا يعرف أن غرفة قد اسـتأجرت هنا، وقد قبل سميّي الهدية ظناً أن بابا نويل قد جاء بهدية من لدن الغيب لولده، كما في الحكايات والأفلام.

سألته عن اسم سميي، فقال: محمود.

قلت: أنا أحمد، وهو محمود فأين التشابه؟

قال: هي أسماء مما حمّد وعبّد. وكشف لي أن محموداً أخبره قبل سنوات أنه سيدّخر عنده هدية لولده، فلعلها من الأسباب التي وقرت في نفسه وجعلته يظن أن الهدية له.

فأسقط في يدي، ونظرت إلى طفلي وأمه على الباب، وهما ينتظران في البرد والظلمة، وقنابل الألعاب تنفجر وتهدد الزمن بالسقوط.

اعتذر بابا نويل عن الخطأ، وأخبرني بأن استعادة الهدية ستسبب مشكلة كبيرة له ولي، فسميي مهرّب، وذو طول.. له أنصار وحلفاء عند العصابات وعند المخابرات، وقد يجرُّ عليّ عداوة وأنا غريب. وتوافقنا على خطة سريعة، قبل أن تنتهي المباراة الحولية، وهي أن ينعطف ويعود ويزور طفلي، ونأخذ الصورة التذكارية، ويهديه مئة ليرة هدية، دسستها في يده؛ لأن هديته سقطت في إحدى منعطفات السماء، بين سحابتين، نشتري له بها هدية لاحقاً.

وافق بابا نويل على الحل، وعاد، وقرع الأجراس، وتدافع أولاد الحي الساهرين نحوه، وقذائف السنة الجديدة الوردية تسقط على السنة الشهباءالمدحورة.

نزل بابا نويل، واتجه إلى طفلي، ومد يديه إليه ليحضنه، ففزع وبكى، وبكتْ أمه، بعد أن علمت بالخبر، وكانت تحلم بالهدية التي ادخرنا ثمنها من اللقمة، وكانت قطاراً ثميناً، في حقيبة جميلة مثل حقائب رجال الأعمال، وكانت تحلم بأن نركب فيه نحن الثلاثة ونرحل إلى بلاد بعيدة، أوغندا أو أيسلندا أو فنلندا، وننسى الماضي بندا بندا.

ووقع في خلدي أن سبب الفزع هو قناع بابا نويل البلاستيكي الصلب، فطلبتُ منه أن ينزع القناع، فرضي على مضض، فخلعه وظهر وجهه. كان طفلي لا يزال خائفاً مذعوراً، فطلبت منه خلع القبعة الحمراء، عاد بابا نويل إلى شخصية ميخائيل، فوقع الحق، وبطل السحر، واكتفينا بصورة من غير عناق، ذكرى ستدق على صنوج النسيان المثقوبة.

اعتذر ميخائيل مرة ثانية، ولبس قناع بابا نويل وغادر، محتفظاً بالمئة الثانية، فإمّا أنه نسيها، وإمّا أنه اعتبرها أجرة الصورة، وإما أجرة خلع القناع وكشف الهيئة.

لحق الأولاد بالعربة مسافة ثم عادوا خائبين.

كان عليها من الخلف صورة حزينة للمسيح المصلوب، وعلى رأسه تاج من الشوك المعدني، ومنه تنزف الدماء.
التعليقات (1)
انس
الثلاثاء، 01-01-2019 04:46 ص
بابا نويل خرج ولم يعد.... ليس لان هذا الوطن لم يعد فيه اطفال لكي يعطيهم الهدايا بل يوجد الكثير منهم بحاجة الى ربطة خبز وقد تكون اكبر هدية... لكنه رحل لان طنبر المازوط الذي كان يعمل عليه قصف بصاروخ امريكي بدعوى ان المازوط الذي اشتراه لكي يبيعه للناس من اجل ان يدفئوا عظامهم كان قد اشتراه من تنظيم الدولة وهذا بحد ذاته ما تعتبره ماما امريكا تهديدا لامنها القومي.... قتل كل من كان يعمل على الطنبر... بابا نويل وماما نويل وبيبي نويل... ولم تبقى الا ماما امريكا وابنو لبابا حافيززز