كتب

أكراد العراق.. مسار التحولات من السلاح إلى العمل السياسي

كتاب يروي قصة الحرب ثم السلام بين الاتحاد الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني (الأناضول)
كتاب يروي قصة الحرب ثم السلام بين الاتحاد الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني (الأناضول)

الكتاب: مذكرات الرئيس جلال طالباني (رحلة ستون عامًا من جبال كردستان إلى قصر السلام)
الكاتب: صلاح رشيد، ترجمة: شيرزاد شيخاني
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت لبنان، الطبعة الأولى 2019
عدد الصفحات: 572 صفحة من القطع الكبير


بعد ثورة الـ 14 تموز (يوليو) 1958 بقيادة اللواء عبد الكريم قاسم في العراق، بدأت الصلات بين قاسم (كردي من أمه) والأقلية الكردية في ظل أفضل التكهنات، واستقبل أشد القوميين تطرفا من الأكراد النظام الجديد بالإيجاب. وقد أشرك قاسم ممثلين عن الحزب الديمقراطي الكردستاني في الحكومة المشكلة، وأطلق سراح أكثرية السجناء السياسيين الأكراد. وفي 3 أيلول (سبتمبر) 1958 استدعى من المنفى الملا مصطفى البارزاني.

 

الأكراد والعمل المسلح

وراح اللواء قاسم يشدد على فكرة أن كردستان تشكل جزءا من الأمة العربية ويعارض برفض صريح كل طلب للاستقلال الذاتي لكردستان (الأول بتاريخ 29 تموز (يوليو) 1958، صادر عن الحزب الديمقراطي الكردستاني). ومن حماس 1958 لم يعد يبقى شيء للاستقلال الذاتي عام 1961، ففي أيلول (سبتمبر) كان الملا مصطفى البارزاني ينطلق بثورة مسلحة واسعة المدى على جبهة من 250 كيلومترا راحت تطول حتى سقوط النظام في شباط (فبراير) 1963.

يقول الطالباني عن تلك المرحلة: "وفي الحقيقة أن الضباط الأحرار كان يقودهم شعوبيون وقوميون، ولذلك لم يكونوا راضين عن آرائنا، ففي أول خطاب له أمام وزارة الدفاع تطرق الأستاذ إبراهيم أحمد إلى كيفية نشوء العراق على يد الأنكليز وحرمان الأكراد من حقوقهم وكيف أن هذا العراق قد أنشئ بميزان مختل وأنه حان الوقت لكي يتم تصحيح ما جرى ووجوب إعادة بناء العراق على أساس مساواة حقيقية وتحقيق الحقوق الكردية والاعتراف بالحكم الذاتي، مؤكدا أن ذلك سيسهم في توطيد وترسيخ أركان الجمهورية الناشئة" (ص108).

الأكراد في عهد البعث

وعندما وصل البعث إلى السلطة في العراق في عام 1968 كانت المسألة الكردية مازالت دون حل. وفي هذا الشأن، اختطت السلطة المركزية الجديدة في بغداد سياسة تقضي بإبراز جلال طالباني وجناحه في الحزب الديمقراطي الكردستاني، كبديل للقيادة البارازانية. وفي القتال الذي دار بين الجماعتين الكرديتين المتنافستين ساندت بغداد جناح طالباني، لكن بارزاني سرعان ما حسم الموقف لصالحه وإن ليس بصورة مطلقة. وتم توقيع اتفاقات هدنة في 11 آذار (مارس) 1970، حصل بموجبها الأكراد هذه المرة بخطة من 15 نقطة تعترف لهم بحق الاستقلال الذاتي الثقافي والسياسي وبالـ "مساواة القومية" وهو ما كان يمثل أكثر مما لم يحصل عليه أبدا في أي بلد، من البلدان المجاورة (تركيا وإيران).

 

عندما وصل البعث إلى السلطة في العراق في عام 1968 كانت المسألة الكردية مازالت دون حل


طيلة مدة الثورة الكردية المسلحة تقريبا، التي بدأت عام 1961 كان أكراد العراق متحالفين مع نظام الشاه الذي كان يشكل أكبر قلعة للإمبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني في الشرق الأوسط، لأنهم كانوا يستفيدون من توريدات العتاد العسكري من إيران ومن اللجوء إلى أرضها. وكان موقف طهران على ملاحقة هذا النزاع في العراق، وهو نزاع كان الطرفان يتورطان فيه و قراهما، مع احتراس طهران من ألا تمكن عدوى القومية الكردية من تنمية آثارها إلى إيران نفسها. وفي هذا الصدد كانت الحركة السياسية الكردية بزعامة مصطفى البرزاني تربطها علاقات وثيقة مع واشنطن والكيان الصهيوني بوصفهما العدوين اللدودين للعراق الجمهوري القومي الذي يتنطح للاضطلاع بدور قومي كبير في المنطقة العربية.

فقد حاولت الحركة السياسية الكردية استغلال ضعف السلطة المركزية وحزب البعث الذي كان يشهد تراجعاً في نهاية الستينات، ويبحث لنفسه عن حلفاء. فعقدت الحكومة المركزية والقائد القومي الكردي الملاّ مصطفى البرزاني في العام 1970، معاهدةً تعد بهامشٍ من الاستقلال الذاتي للمناطق ذات الغالبيّة الكردية. وبالرغم من رفض البرزاني لقانون الاستقلال الذاتي الذي أصدرته بغداد، اكتسبت حدود المنطقة الكرديّة نوعاً من الشرعية، أي وفق الخطّ الإداري الذي يفصل محافظات "دهوك" و"إربيل" و"السليمانية" الكرديّة عن سائر البلاد،كما الحقّ بالحكم الذاتي.

 



وفي 6 من آذار (مارس) 1975، في مؤتمر الأوبك في الجزائر إبان لقاء شاه إيران ونائب رئيس مجلس قيادة الثورة العراقي صدام حسين، المنظم بإيعاز من الرئيس الراحل هواري بومدين حصلت مصالحة بين العراق وإيران: فقد التزم الشاه بسحب دعمه للأكراد في العراق. وفي 8 من آذار/ مارس كان مجلس قيادة الثورة يعلن عفوا شاملا عن جميع الثوار الأكراد. وكان عليهم الاختيار بين الإقامة النهائية على الأرض الإيرانية أو القبول بالعفو الصادر من بغداد. واختار الملا مصطفى البرزاني، من جهته الحل الأول وكف عن القتال. وكان عليه فيما بعد اللجوء إلى الولايات المتحدة حيث وافته المنية في آذار (مارس) 1979، نادبا يأسه للتخلي الأمريكي عنه. فطبقت بغداد قانون الحكم الذاتي، وزودت المنطقة بمؤسساتها التمثيلية وبشرطتها الخاصة، و سمح للغة الكردية في المدارس، وافتتحت جامعة في السليمانية. وتلقت التنمية الاقتصادية للمنطقة الكردية أضخم نصيب من اعتمادات التنمية في العراق.

 

طيلة مدة الثورة الكردية المسلحة تقريبا، التي بدأت عام 1961 كان أكراد العراق متحالفين مع نظام الشاه


لا شك في أن الخدعة الكبرى والمؤثرة التي أصابت الأكراد جاءت من وزير الخارجية الأمريكية السابق هنري كيسنجر، ولولا ذلك لما كان الشاه في موقف يسمح له بخداع الأكراد. وقد أشار البرزاني إلى ذلك بالقول "إن المأساة التي حلت بالشعب الكردي بعد 1975 يتحمل مسؤوليتها كيسنجر بالدرجة الأولى".  

 

نشأة الاتحاد الوطني الكردستاني

وفي حين كانت آفاق مستقبل الثورة المسلحة الكردية قاتمة إلى أبعد حد بعد عام 1975، كان على جلال طالباني أن يمتص نتائج انهيار الحركة الكردية المسلحة سريعا، وأن يتحرك مع عدد من الكوادر الكردية باتجاه إقامة تنظيم جديد يبتعد قدر الإمكان عن الولاءات العائلية والعشائرية. فأنشأ جلال الطالباني الاتحاد الوطني الكردستاني. وكان قد تخلى نهائيا عن تولي إدارة الحزب الديمقراطي الكردستاني على خط البرزانيين، الذي فرض على هذا الحزب زعامته وبصمته. وهو يحافظ في نفس الوقت على الواجهة الإيديولوجية لئلا يفقد تعاطف الشبيبة المثقفة التقدمية في المدن. 

وكان الطالباني يحدث هكذا في الخفاء تنظيما مناف للحزب الديمقراطي الكردستاني. وكان يريده بمصداقية صحيحة "من اليسار" وبالتالي مواليا للشيوعية، وأفضل تنظيما من تشكيل البرزاني الذي كان استمرارا لطابع الروح القبلية كثيرا ما يخلق الفوضى.

يقول جلال الطالباني عن عملية التحول هذه: "حول العصبة الماركسية اللينينية التي تحولت فيما بعد إلى عصبة الشغيلة الكردستانية، تحدثت عنها باقتضاب فيما سبق، فمنذ فترة طويلة نشأ داخل الحزب الديمقراطي الكردستاني تيار ذو توجهات ماركسية لينينية، وكان هذا التيار يبرز فترة ويخبو أخرى، وفي سنة 1953 طرح موضوع الفكر الماركسي اللينيني على بساط البحث داخل الحزب، وكان الحزب يمارس نشاطه منذ عام 1959 بشكل علني وحصلنا على الإجازة في 16 كانون ثاني (يناير) 1960، وجاء في النظام الداخلي أن الحزب يعتبر النظرية الماركسية اللينينية كأحد مصادر فكره، ولم تمر فترة حتى تحولت تلك النظرية إلى العلمية" (305).

في خضم الحرب العراقية ـ الإيرانية، لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية راضية عن تصرفات الأكراد، في معظم الأحوال. وقد أدى ذلك إلى إظهار عدم رضاها، و"حجب بعض المساعدات" خلال الصراعات الكردية ـ الكردية، عام 1984، وخلال الصراع المتسع الأركان، عام 1986 عندما هاجمت القوات العراقية معاقل الحزب الديمقراطي الكردستاني في نهاية آب (أغسطس) بداية أيلول (سبتمبر) 1986، واستولت على مدينة أربيل، وقتلت وقبضت على مئات الأكراد الموالين للولايات المتحدة الأمريكية. وقد حرصت الولايات المتحدة بعد هذه العملية، على حث فصائل الأكراد على إنهاء ارتباطاتها بكل من العراق وإيران، مادام الحكم في العراق على ما هو عليه، واعتماد على الدعم الأمريكي.

انتفاضة ربيع 1991 والمنطقة الآمنة

وبعد هزيمة النظام العراقي في حرب الخليج الثانية أمام قوات التحالف الدولي، اندلعت الانتفاضة الكردية في آذار (مارس) 1991، التي قمعت من قبل الجيش العراقي، فأقام الأمريكيون والبريطانيون والفرنسيون، بموجب تأويل للقرار رقم 688 الصادر عن مجلس الأمن الذي ينص على ضرورة احترام صدام حسين لحقوق الإنسان "المنطقة الآمنة" للأكراد في الشمال، وأضافوا منطقة حظر للطيران العراقي شمال خط العرض 36.

وهكذا، اضطر الجيش العراقي تحت الضغط الأمريكي ـ البريطاني إلى الانسحاب إلى الخطّ الدفاعي المعروف بالخطّ الأخضر، المتماهي في بعض الأماكن مع حدود المنطقة المستقلّة ذاتياً التي تمّ تحديدها وفق اتفاقية العام 1970. 

مع خفوت الاقتتال الداخلي بين حزب الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، سعى الأكراد إلى إقامة نوع من المؤسسات التمثيلية في هذه المنطقة المحمية من قبل الأمريكيين والبريطانيين، فانتخب مسعود البرزاني أحد قطبي الزعامة الكردية في أول انتخابات تشريعية جرت في أيار (مايو) 1992 باعتباره ممثلاً شرعياً عن المطامح الكردية في ترسيخ مؤسسات الحكم الذاتي في كردستان العراق بعيدا عن تدخل السلطة المركزية.

بيد أن الأحداث التي أعقبت هذا التاريخ كانت كئيبة لمسعود إلى حد بعيد. ففي العام 1994 تفجر الصراع المسلح بين الاتحاد الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود برزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني، أسفر عن سقوط أكثر من ثلاثة آلاف قتيل. 

يقول جلال الطالباني عن ذلك الصدام: "بأنه بدأ بين مجموعتين من الاتحاد والبارتي في مدينة (قلعة دزة) ثم امتد لهيبه إلى مدينة رانية القريبة منها. وأعتقد بأن كلا الطرفين أخطأ سواء جماعة البارتي الذين ذهبوا إلى (قلعة دزة) لاستعراض قوتهم وفرض أنفسهم بالقوة،، أو جماعتنا بالاتحاد الوطني الذين حاولوا ردعهم بالقوة أيضا، فلم يحتكم أيٌ منهم إلى منطق العقل والحكمة. وبعد أن انتقل اللهيب إلى مدينة (رانية 9 قام بيشمركتنا بالتحرش ببيشمركة البارتي فاتسعت رقعة المواجهة، ولذلك فأنا أعتبر الطرفين مسؤولين عمّا حدث من الصدام المسلح، والذي مازالت آثاره باقية إلى يومنا هذا" (ص462).

 

وساطة أمريكية-بريطانية ناجحة بين الأكراد

ومع اشتداد ذروة العنف الداخلي، كانت عين مسعود ترنو إلى بغداد، رغم حذره الشديد منها، ولكنه ظل محتفظا بـ"شعرة معاوية" معها، لدرجة أنه لم يتردد في أيلول (سبتمبر) 1996، في الاستعانة بالجيش العراقي سعيا إلى دعمه في المواجهة مع غريمه الكردي.

وفي ظل استمرار النزاع المسلح، لم تتلكأ إدارة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون عن القيام بعدد من الخطوات لإطفاء هذا النزاع. وبإشراف لندن وواشنطن منذ العام 1998، تحققت المصالحة بين الطرفين الكرديين في 6 آب (أغسطس) واجتمع وفدا المنظمتين في كوازنجاق من أجل إعادة إحياء الجمعية الوطنية الكردية الموحدة المنتخبة في العام 1992. ثم في 7 أيلول (سبتمبر) عام 1998 استقبل السيد برزاني في صلاح الدين معقله، السيد جلال طالباني العائد من رحلة قادته إلى واشنطن و لندن وأنقرة، حيث شارك في اجتماعات المعارضة العراقية التي تضم تحديدا الأكراد والشيعة وضباط الجيش العراقي الذين فروا من بلادهم في السنين العشر الأخيرة. وقد اتفق الرجلان على تقسيم المنطقة الكردية إلى قسمين، أحدهما تديره حكومة بارزاني ومقرها أربيل، والثاني تديره حكومة طالباني ومقرها السليمانية. 

و في مطلع العام 2000، اتفق الطرفان على تطبيع العلاقات وتفعيل البرلمان الكردي الذي أصابه الشلل لما يزيد على ست سنوات، استعدادا لمرحلة جديدة في تاريخ العراق، وإلى توحيد مواقف حزبيهما حول مستقبل العراق والفيدرالية والديمقراطية وعلاقات بلدهم بالدول المجاورة، وعلى الساحة الدولية مع بداية التهيئة للحرب الأمريكية العدوانية على هذا البلد العربي.

التعليقات (0)