كتاب عربي 21

تفاعلات المشهد التونسي

محمد هنيد
1300x600
1300x600

لا ينفصل المشهد في تونس عن باقي المشاهد الإقليمية في المحيط العربي، لكنه يتميز بخصوصية ذاتية تجعل منه مؤشرا مركزيا في التحولات التي تعرفها المنطقة مشرقا ومغربا. لا تنحصر الخصوصية التونسية في تصنيفها الريادي ثوريا مقارنة ببقية ميادين الثورات العربية وساحاتها، بل يظهر كذلك في قدرتها على تلخيص مشهد الصراع بين قوى الثورة وقوى الثورة المضادة.

كما تمثل البلاد منطقة مهمة تراهن عليها التيارات الثورية من ناحية أولى وتعلق عليها آمالا كبيرة بسبب ما أصيبت به الثورات الأخرى من انتكاسات، كما تشكل كذلك رهانا أساسيا لدول النظام الرسمي العربي التي لا تزال ترى فيها تهديدا وجوديا لا يزال يغري بقية الدول على استنساخه.

المشهد السياسي

لا يقتصر التهديد القائم في تونس على العمليات الإرهابية التي تضرب البلد من وقت لآخر بل إنها تتمثل أساسا في الرهان السياسي والاقتصادي اللذين يشكلان المعبر الوحيد لنجاح الثورة أو انكفائها.
 
فعلى المستوى السياسي لا يزال الصراع محتدما بين مكونات الطيف التونسي الذي استقر اليوم على ثلاثة مكونات أساسية فاعلة. فمن جهة أولى نجح النظام القديم في العودة إلى المشهد السياسي بقوة مفاجئة بعد أن نجح في امتصاص الموجة الثورية الأولى مستفيدا من أخطاء التيار الثوري أساسا ومن عوامل أخرى دفعت به إلى المشهد من جديد. لكن رغم انقسامه على نفسه ورغم التناقضات والصراعات الكبيرة التي يعاني منها داخليا فإنه لا يزال يشكل لاعبا أساسيا في الساحة التونسية رغم ضآلة حضوره في الشارع وغياب التنسيق بين مختلف مكوناته. 

 

قوة الإسلاميين ليست في أنفسهم بقدر ما هي في ضعف غيرهم وعجزهم عن التنظيم والتوافق.


أما الإسلاميون الممثلون في حزب حركة "النهضة" المحافظ فإنهم يشكلون القوة السياسية والحزبية الوحيدة التي حافظت على تماسك مكوناتها رغم الضربات الكبيرة التي تعرضت لها ورغم الحرب الشعواء التي يشنها عليها خصومهم في الداخل والخارج. لا يعكس هذا التوصيف قوة التنظيم السياسي الإسلامي في تونس بقدر ما يكشف غياب منافسيه وتشرذمهم وضعفهم أمام المكوّن الوحيد الملتزم تنظيميا وحزبيا، أي أن قوة الإسلاميين ليست في أنفسهم بقدر ما هي في ضعف غيرهم وعجزهم عن التنظيم والتوافق.
 
آخر المكونات السياسية التونسية تتجلى في التيار الثوري وممثليه على اختلاف تشكيلاتهم ومشاربهم وهم في الغالب الأعم من خارج التيارات الأيديولوجية الكلاسيكية. هذا المكوّن المركزي الذي كان ينتظر أن يسيطر على المشهد السياسي بعد الثورة لم ينجح في تحقيق حدّ أدنى من الوحدة والالتحام بين مكوناته بل غلبت عليه النزعة الفردية وطغى على قيادييه مطمح الزعامة والتفرد بالرأي مما انتهى به إلى فصيل هامشي في المشهد التونسي.

المشهد الاجتماعي وسطوة الفساد

لا يقل المشهد الاجتماعي قتامة عن المشهد السياسي، حيث بلغت البطالة معدلات قياسية وارتفعت الأسعار بوتيرة جنونية قضت على ما تبقى من مقومات القدرة الشرائية للمواطن. في الجانب الآخر لم تتوقف موجات الاحتجاجات المفتعلة التي يسيطر عليها المكوّن النقابي ممثلا في الاتحاد العام التونسي للشغل الذي صار حليفا موضوعيا للدولة العميقة ومتحالفا علنيا مع النظام القديم.

 

لا يزال ملف الثروات الباطنية وخاصة ملف المحروقات يشكل لغزا محيرا في تونس

 
لكن عمق الأزمة الاجتماعية إنما يكمن في تفشي الفساد تقريبا في كل مفاصل الدولة ومؤسساتها، حيث صارت فضائح الصفقات المشبوهة والاختلاسات الضخمة خبزا يوميا للمواطن ومادة إعلامية دسمة في مواقع التواصل الاجتماعي. بل إن التقارير الواردة عن حجم الفساد في مجال الطاقة مثلا تكشف غابة ضخمة من الثروات المهدورة التي تنعكس سلبا على المشاريع التنموية وعلى مشاريع البنية التحتية في البلاد.
 
لا يزال ملف الثروات الباطنية وخاصة ملف المحروقات يشكل لغزا محيرا في تونس فرغم وعود الحكومات المتتالية بفتح الملف أمام الرأي العام ومراجعة العقود المذلة التي أبرمتها أنظمة الوكالة الاستعمارية خلال حكم الوكيلين بورقيبة وبن علي فإن شيئا من هذه الوعود لم ينفذ. تخسر البلاد يوميا مئات المليارات من العملة الصعبة بسبب سيطرة الشركات الأجنبية على ثروات البلاد بشكل مفضوح وفي غياب تام لأي شكل من أشكال الرقابة والمحاسبة والتدقيق.
 
أمام هذا المشهد القاتم لا يتردد المواطن في التصريح بحالة اليأس والإحباط التي أصيب بها من الساسة والسياسيين بشكل سينعكس سلبا على الانتخابات المقبلة التي تمثل المنعرج الأخير قبل المرحلة الوسطى من المسار الانتقالي.  

مآلات المشهد ومحاذيره

لا يمكن كما ذكرنا بدء فصل المشهد التونسي عن المسارات الإقليمية والدولية، ففي الجوار المباشر يمثل الحراك الجزائري المتفاعل والمشهد الليبي المتفجر أحد أهم المؤثرات المباشرة على الوضع في تونس. كما يمثل التحرك المكشوف للقوى المعادية للثورة سببا مباشرا في تأزم الوضع التونسي وفي انحباس المسار الانتقالي ككل، خاصة من قبل القوى المحسوبة على دولة الإمارات التي صارت تتحرك بشكل علني عبر أذرعها السياسية والإعلامية والمالية المحلية والدولية.
 
كما أن التفجيرات الإرهابية الأخيرة التي تزامنت مع هزيمة الانقلابي حفتر في طرابلس الليبية والوعكة الصحية المفاجئة لرئيس الجمهورية تصب جميعها في المساهمة في إرباك المشهد الذي يستهدف تأجيل الانتخابات أو الانقلاب على المسار الديمقراطي.

 

لم يعد في إمكان قوى الثورة المضادة اليوم عكس مسار السير نحو نظام استبدادي جديد

 
لكن الثابت الأكيد اليوم هو أن التفجيرات الإرهابية والعمليات المشبوهة التي لا تتوقف صارت واضحة المصدر للقاصي والداني، وصارت مناسبة لتأكيد الوحدة الوطنية ومصدرا يدفع التونسيين إلى مزيد التشبث بالعملية الانتخابية باعتبارها المخرج الوحيد الممكن من الأزمة التي تعاني منها البلاد. كما أن نهاية الأحزاب الإيديولوجية وانفجارها وخاصة منها التيارات القومية واليسارية الشيوعية تشكل هي الأخرى مرحلة مهمة في تاريخ الصراع السياسي بالبلاد، إذ خفتت حدة الاستقطاب الإيديولوجي التي عرفت أوجها في النصف الثاني من القرن الماضي وصار المواطن أقرب إلى التعاطف مع المشاريع السياسية ذات الصبغة الاقتصادية والتنموية التي تمس واقعه اليومي بعيدا عن الشعارات الفضفاضة والأحلام الإيديولوجية.

ليس في إمكان التجربة التونسية إلا التقدم بحذر نحو الاستحقاق الانتخابي المقبل لتحسم الصناديق الصراع الدائر والجدل القائم بين مختلف مكونات الطيف السياسي والفكري في تونس. ولم يعد في إمكان قوى الثورة المضادة اليوم عكس مسار السير نحو نظام استبدادي جديد بعد أن تعذرت كل محاولات الانقلاب على المسار التونسي، لأن كل المحاولات المسلحة الأخرى ستكون وخيمة العواقب في مجال إقليمي شديد الانفجار. 

التعليقات (2)
حبيب العيساوي
الجمعة، 05-07-2019 02:23 ص
العمليات الإرهابية عادة ما تلصق بحزب النهضة ،هل تقصد بأنها صارت واضحة المصدر للقاصي والداني ان هذا المصدر لم يعد يمثل النهضة؟ إذا لم تكن النهضة فهل هي الامارات؟ نعلم أن الاتحاد يسيطر عليه اليسار فكيف يكون حليفا للنظام القديم؟
بسيط
الجمعة، 05-07-2019 02:17 ص
بعد أن توحدت أوروبا و زال الخطر السوفياتي أصبحت مخابرات الغرب على حافة البطالة إذن الحل هو في وجود عدو جديد لنسميه القاعدة ،داعش أو الغول و هكذا نستمر إلى الأبد..هل للموساد الآن أعداء؟ كلا! العمل الذي تقوم به مخابرات الدمى العربية كافي يسمح للموساد في التفنن و إبداع أعماله الإرهابية في الاقطار العربية ،البلدان الغربية ، سريلانكا و غيره …