قضايا وآراء

لا حُروبَ بَيننا، حُروبُنا بِكُم وعلَيْكم

علي عقلة عرسان
1300x600
1300x600

في يوم الإثنين، الثالث من هذا الشهر، كانون الثاني (يناير) 2022، أصدر قادة الدول النووية الخمس: "جمهورية الصين الشعبية، الجمهورية الفرنسية، الاتحاد الروسي، المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وإيرلندا الشمالية، والولايات المتحدة الأمريكية"، بياناً مشتركاً بشأن منع الحرب النووية بين دولهم، وتجنب سباقات التسلح. وهو بيان لافت في توقيته وظروف صدوره، ويُفترَض به أن يبعثَ على الارتياح، فلا أحد يحب الحروب من حيث المبدأ، لكنها تحدث وتكلف الناس والبلدان الكثير؛ وحين تُستخدم فيها الأسلحةُ النوويّة فإنها تهدد الوجود البشري كلَّه. 

من هنا تأتي أهمية إعلان الدول النّوويّة الخمس الكبرى، ومن هنا أيضاً تأتي ضرورة مقاربة ما جاء فيه من تأكيدات ونِيّات وتوجهات ومواقف، والوقوف على ما أشير إليه بوضوح ومع ذلك يبقى مشوباً بالكثير مما يبعث الشك والقلق، نظراً لاستمرار اهتزاز الثقة بين الأطراف المعنية بالبيان، وانعكاس ذلك على سباق التسلح النووي وغير النووي، ومخاطرهما على الأمن والسلم الدوليين. 

ويتأتى الخوف والخطر من منطق القوة الأعمى، سواء استخدم أسلحة تقليدية متطورة أو نووية وجرثومية وكيمياوية مما يقال إنها أسلحة محرمة دولياً، ومع ذلك تستعمل، ويرفع بها مجانين الحروب رؤوسهم وأصواتهم عندما تحكمهم الأزمات والصراعات والاستراتيجيات التوسعية الزاحفة.

لقد جاء في نص بيان الدول النووية الخمس ست تأكيدات نتوقف عند كل واحد منها، وعند بعض الحشو الكلامي المرافق لها، بإيجاز:

التوكيد الأول: "نؤكد أنه لا يمكن الانتصار في حرب نووية، ولا يجب خوضها أَبداً. ". وهاتان حقيقتان مؤكدتان طالما تحدث عنهما المعنيون في تلك البلدان، من سياسيين وعسكريين. ويُفْتَرض بهما أن تحكمما سواهما من النزوعات في النزاعات، وأن تعلوَا فوق ما عدها، علوَّ الدساتير على القوانين، وعلوّ الحق على الباطل، وعلوَّ الإنساني على الوحشي، وعلوَّ الأمن والسلم على كل ما يهددهما، ويهدد الحياة البشرية والحضارة الإنسانية. 

لكن هذه افتراضات فتعالوا نقارب الواقع في التأكيدات الأخرى، ونبدأ بالتأكيد الثاني الذي نصُّه: 

التأكيد الثاني: "نؤكد أيضاً أن الأسلحة النووية ـ طالما استمرت في الوجود ـ ينبغي أن تخدُم أغراضاً دفاعية، وأن تردع العدوان، وتمنع الحرب. ". ولأنها مستمرة في الوجود عملياً، وتتزايد وتتطور فإن من البَدَهي أن يثير التأكيد الذي جاء في هذا النص السؤالَ: كيف يتم ذلك؟! هل بمجرد التصريح والتلويح والاستنفار والانتشار، أم بما هو أبعد من ذلك، إذا وقعت واقعة وأنذرت بفاجعة؟! ألا يتضمن "الدفاع، والردع، ومنع الحرب.."، سعياً ضمنياً للتوازن الاستراتيجي وتجاوزاً له في الوقت ذاته؟!.. وهو ما نشهده في ميدان التسلح النووي منذ عقود، بين تلك الدول خاصة؟! 

أفلا يعني هذا أن الأسلحة النووية التي يُهدَّد بها ستستخدم أو قد تُستخدم بسبب الخوف، أو في حرب استباقية "ضربة أولى"، بوحي من قراءة مغلوطة، وتفسير غير دقيق للاستنفار والانتشار والتصريح والتلميح، أو بسبب من جنون العظمة أو الجنوح، أو بسبب.. أو بسبب…إلخ؟! مما أدى إلى سابقة هيروشيما وناغزاكي النووية؟! وكل هذا موجود بصورة ما تحت إبطِ الشعارات المطاطة التي وردت في النص أو مُتَضَمَّن في مفاهيم: "الدفاع عن النفس، أو الردع، أو منع الحرب."؟! وتكمن في كل من هذه الثلاثية إمكانية لاستخدام نووي مدمر، يقود إلى رد فعل أكثر تدميراً وأَوسع مدى؟! ومن الملاحظ أن هذا الذي جاء في هذا التأكيد الثاني يتناقض تماماً مع ما جاء في نص التأكيد الأول.

التأكيد الثالث: جاء التأكيد الثالث في البيان "إيمانياً"، ونصُّه: "إننا نؤمن إيماناً قوياً بوجوب منع زيادة انتشار هذه الأسلحة.".

وبداية، لا نعرف ونحن نقارب هذا النص، عن أي إيمان يتحدث معلنوه.. هل هو إعلان عن إيمان ديني، أم علماني، أم أيديولوجي، أم سياسي، أم.. ؟! ويعزز شكَّنا بهذا الإيمان: الانتشار المستمر للأسلحة النووية في البرِّ والبحر، وزيادة إنتاجها كماً ونوعاً، واستمرار الأبحاث والتطوير والتحديث والتمويل لهذه الأسلحة بتصميم، يهدف إلى كسر ظهر الخصوم، وتجلي عدم الاستعداد للتخلي عن تلك الأسلحة، وعدم التراجع عن التصنيع والتطوير في هذا المجال.. وهذا كله لا يخفى على أحد أبداً. فعن أي شيء يتحدث النوويون بإيمان قوي، وعلى أية كتب يقسمون أيمانهم، وإلى أية مرجعيات يؤولون."؟! 

 

إنهم يروجون للحروب، ويخلقون الظروف لإشتعال الصراعات والفتن في بلدان وبين بلدان، ويفتحون أسواق السلاح ليكسبوا، ويستثمرون في الدماء والبؤس والشقاء البشريين، ويستقطبون دولاً وقوى وميلشيات وحكاماً لتحالفاتهم ومحاورهم وحروبهم، ويحركون نيران الحروب والفتن كلما خبت..

 


وتعزيزاً لما ذهبنا إليه هنا، ندرج هنا ما قدمه معهدُ ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام من إحصائيات في هذا المَجال النووي، فقد أشار إلى أنَّ: "إجمالي عدد الرؤوس النووية في العالم في 2021 هو 13 ألف و80 رأس نووي بينها 3825 رأساً نووياً معدّاً للإطلاق:

1 ـ روسيا: تمتلك 6255 رأساً نووياً بينها 1625 رأساً نووياً معداً للإطلاق في 2021، مقارنة بـ 6375 رأس نوويا في 2020.

2 ـ الولايات المتحدة الأمريكية: تمتلك 5550 رأساً نووياً بينها 1800 رأس نووي معد للإطلاق في 2021، مقارنة بـ 5800 رأس نووي في 2020.

3 ـ بريطانيا: تمتلك 225 رأساً نووياً بينها 120 رأساً نووياً معداً للإطلاق في 2021، مقارنة بـ 215 رأساً نووياً في 2020.

4 ـ فرنسا: تمتلك 290 رأساً نووياً بينها 280 رأساً نووياً معداً للإطلاق في 2021، وهو نفس الرقم في 2020.

5 ـ الصين: تمتلك 350 رأساً نووياً في 2021، مقارنة بـ 320 رأساً نووياً في 2020، ولا توجد إحصائيات بشأن وجود رؤوس نووية معدة للإطلاق.

6 ـ الهند: لديها 156 رأساً نووياً في 2021، مقارنة بـ 150 رأساً نووياً في 2020، ولا توجد معلومات عن وجود رؤوس نووية معدة للإطلاق.

7 ـ  باكستان: لديها 165 رأساً نووياً في 2021، مقارنة بـ 160 رأساً نووياً في 2020، ولا توجد معلومات عن وجود رؤوس نووية معدة للإطلاق.

8 ـ إسرائيل: لديها 90 رأساً نووياً ولم يحدث تغير في البيانات المعروفة عنها منذ 2020، ولا توجد معلومات بشأن وجود رؤوس نووية معدة للإطلاق.

9 ـ كوريا الشمالية: تشير التقديرات إلى أنها تمتلك ما بين 40 إلى 50 رأساً نووياً في 2021، مقارنة بتقديرات سابقة تقول إنها كانت تمتلك ما بين 30 إلى 40 رأساً نووياً في 2020، ولا توجد معلومات بشأن وجود رؤوس نووية معدة للإطلاق.".

وهذه المعلومات من معهد ستوكهولم، إضافة إلى ما سبق ذكره من إشارات، يجعل التأكيد الرابع الذي نصُّه:

التأكيد الرابع: " نؤكد من جديد أهمية التصدي للتهديدات النووية ونشدد على أهمية الحفاظ على اتفاقاتنا والتزاماتنا الثنائية ومتعددة الأطراف، بشأن حظر انتشار الأسلحة النووية ونزع الأسلحة وضبط التسلح، والامتثال لهذه الاتفاقات والالتزامات.".. لا يحتاج إلى ما يؤكد عدم التزام الأطراف به نصاً وروحاً، فإنتاج الرؤوس النووية وتطويرها، والأبحاث الجارية عليها، وتنويع الإنتاج في مجالاتها، والتسابق المحموم في التسلح بها وتخزينها في أنحاء مختلفة من العالم.. كل ذلك، إضافة إلى انعدم ثقة كل طرف من إطراف البيان بالآخر، واستمراره في نهجه، يجعل من هذا التأكيد مجرد رَصْفَ كلام.
 
لكن.. عندما نصل إلى التأكيد الخامس في البيان، نقف على حقيقة من حقائق التوجه التي تريد الدول النووية الخمس أن تعلنها بوضوح في بيانها، وأن تجعلها حاكمة للعلاقات فيما بينها. ونص التأكيد الخامس هو:
  
التأكيد الخامس: ".. نعيد التأكيد على عدم توجيه أيٍّ من أسلحتنا النووية ضد بعضنا البعض أو ضد أي دولة أخرى.". هذا التوجه يحمل مصداقية غير مطلقة، ومرجِّحات التقيد به أكثر من مرجِّحات الإخلال. فالنوويون الكبار يحرصون على ألا يستخدموا أسلحة نووية ضد بعضهم بعضاً، لأنها لا تحقق نصراً من جهة، كما جاء في التوكيد الأول، ولشمول كارثيتها من جهة أخرى. ولكن هذا لا يعني السلم الصافي، ولا يلغي ولعَ أولئك الكبار بالصراعات الدامية والحروب. فمؤشرات القرن الماضي على الأقل تفيد بأنهم يحاربون، ويتحاربون بغيرهم من الدول والشعوب، وبأسلحة متطورة لا تقل فتكاً عن المحرمة دولياً.. والنتيجة حروب باردة وساخنة، بالوكالة أكثر منها بالأصالة، تسيل دماء، وتلحق بؤساً وشقاء ويتحمل تكاليفها وأعباءها آخرون ينكبون بها، من دول وشعوب. 

وهذا نهج معروف للكبار، وينطوي على منتهى الخبث والتواطؤ والإجرام، فهم ينهكون شعوباً وبلداناً ودولاً، ويحملونها ما لا تحتمل، ويبتزُّونها، ويتقاتلون بها لتحقيق مصالحهم واستراتيجياتهم وبسط نفوذهم. وفي ذلك من انعدام المسؤولية السياسية والأخلاقية والإنسانية ما فيه. وهو ما نراه يدؤّم في الفضاء العالمي منتقلاً من بلد إلى بلد، ومن منطقة إلى منطقة، ومن قارة إلى قارة.. ومن بؤس وأسف وألم، أن ما يُصيبنا منه نحن العرب والمسلمين هو الأكبر والأكثر خسائر وتبعات وكوارث وفواجع.

 

الأمر الواقع من حولنا الذي يجثم على صدورنا بكل صلابته وقسوته ووحشيته، يجعل من كلامهم هذا كلاماً للدعاية والتعمية والاستهلاك، ونوعاً من الضحك على الذّقون، ويجعلهم مرعبون ولا يردعهم أن يخوضوا في الدم البشري المهراق.

 


ونتوقف أخيراً عند اتأكيد السادس، وهو كما يبدو لي الأقل مصداقية من بين كل ما جاء في البيان من تأكيدات، ويستحق أن يوصف بأنه لغوٌ لا معنى له، ونصُّه:

التأكيد السادس: "نؤكد رغبتنا في العمل مع جميع الدول، لخلق بيئة أمنية أكثر ملاءمة لإحراز تقدم في نزع السلاح النووي، يسعى إلى هدف نهائي متمثل في إيجاد عالم خالِ من الأسلحة النووية، مع أمن غير منقوص للجميع. ".. فالدول الخمس النووية تعرف جيداً أنه لا دور لدول العالم بالقرار النووي، وأن رأيها، إن هي أبدت رأياً، لا قيمة له ولا يؤخذ به. فهي تطالب منذ عقود من الزمن بجعل العالم ـ أو مناطق منه ـ خالياً من أسلحة الدمار الشامل " النووية والكيمياوية والجرثومية و.. "، ولا يُستمع إليها، ويمضي النوويون الكبار في سباقهم النووي المحموم : "تصنيعاً وتخزيناً، وتطويراً وتحديثاً"، ويزيدون ترساناتهم النووية كماً ونوعاً، وينشرونها في دول ومناطق من العالم فتثيرون التوتر والقلق والخوف.. ولا يترددون، عند حدوث الأزمات وزيادة حدة الصراعات فيما بينهم، بتذكير بعضهم بعضاً بقدراتهم النووية الزلزالية، وسرعتها المافوق صوتية، وقدراتها التدميرية الماحقة.!!! 

والأمر الواقع من حولنا الذي يجثم على صدورنا بكل صلابته وقسوته ووحشيته، يجعل من كلامهم هذا كلاماً للدعاية والتعمية والاستهلاك، ونوعاً من الضحك على الذّقون، ويجعلهم مرعبون ولا يردعهم أن يخوضوا في الدم البشري المهراق. 

إنهم يروجون للحروب، ويخلقون الظروف لإشتعال الصراعات والفتن في بلدان وبين بلدان، ويفتحون أسواق السلاح ليكسبوا، ويستثمرون في الدماء والبؤس والشقاء البشريين، ويستقطبون دولاً وقوى وميلشيات وحكاماً لتحالفاتهم ومحاورهم وحروبهم، ويحركون نيران الحروب والفتن كلما خبت.. بتدخلهم المباشر أو غير المباشر، ومن خلال مؤسسات قتل وإجرام وإرهاب يشكلونها، ويرعونها، ويحركونها، ويستثمرون فيها، وينشرونها في مناطق الصراع أو المرشَّحة لأن تكون مناطق صراع بتخطيطهم وتدبيرهم، وفي ساحات الحروب الداخلية أو الثنائية أو الإقليمية في دول العالم المستَهدَفَة؟!... يفعلون ويزعمون "أنها منظمات خاصة مستقلة."؟! ومنها كما يذكر العالم: " بلاك ووتر، وفاغنر" السَّيئتا الذِّكر.

ويَختم النوويون بيانهم بفقرة هي أصدق ما جاء فيه، والأدل عليهم وعلى نياتهم، فقد قالوا: "إننا مصممون على مواصلة الحوار البناء مع الاحترام والإقرار المتبادلين بالمصالح والشَّواغل الأمنية لكل منا.".. وهذه هي خلاصة الخلاصات.. فمصالح تلك الدول وشواغلُها الأمنية هي فوق الناس والقيم والأخلاق والأمن والسلم، والقوانين.. وفوق مصالح البشر الآخرين وحقوقهم وحرياتهم وحياتهم، وهي وحدها التي تهمهم ويتحاورون حولها بجدية ومسؤولية.. إنهم يقولون لمعظم شعوب العالم ودوله التي لا تريد حروباً، يقولون لها بتحدٍّ وصراحة:
 
لا حُروبَ نَوويَّة وغَير نَووية بَيننا، حُروبُنا بِكُم وعلَيْكم.


التعليقات (0)