صحافة دولية

جوناثان كوك: بوتين مجرم حرب.. وكذلك كانت مادلين أولبرايت

توفيت مادلين أولبرايت عن 84 عاما بعد معاناة مع السرطان- جيتي
توفيت مادلين أولبرايت عن 84 عاما بعد معاناة مع السرطان- جيتي

قارن الكاتب جوناثان كوك بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وبين الدبلوماسية الأمريكية الراحلة مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية السابقة للولايات المتحدة، وذلك بسبب دورها في غزو العراق، مؤكدا أن كليهما "مجرم حرب".


وقال في مقال له على موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، إن جرائم الحرب التي كانت أولبرايت تدافع عنها أشد فظاعة مما يرتكبه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا.

 

وأضاف أن "الدور الدعائي لوسائل الإعلام صارخ حاليا، إذ إنها تقوم بتبييض وجه الولايات المتحدة والتستر على جرائم الحرب التي كانت الدبلوماسية الأمريكية الراحلة أولبرايت تبررها، وتدافع عنها، رغم أنها فاقت في فظاعتها ما ارتكبه بوتين من جرائم".

 

وتاليا النص الكامل للمقال كما ترجمته "عربي21":
  
تدفق سيل غزير من الرثاء بوفاة مادلين أولبرايت، أول وزيرة للخارجية في الولايات المتحدة، والتي عينها في ذلك المنصب الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في عام 1997.
 
بمجرد إعلان وفاتها عن أربعة وثمانين عاماً، سارع السياسيون والإعلاميون الغربيون إلى كيل المدائح لها باعتبارها "رائدة" و"بطلة للديمقراطية" و"قوة من أجل الحرية". وقالت هيلاري كلينتون عن أولبرايت "إن الكثير من الناس حول العالم يحيون اليوم ويعيشون حياة أفضل بسبب خدماتها".
 
بجرة قلم شطبت كلينتون من السجل التاريخي مئات الآلاف من أطفال العراق الذين أقرت أولبرايت نفسها بأنهم قتلوا بسبب السياسات التي ساعدت هي نفسها على تنفيذها والترويج لها.
 
لم تبد حتى الإطراءات الإعلامية كثيراً من الاهتمام بتلك الوفيات. وبدلاً من ذلك فقد كال الصحفيون لها المديح لما قامت به من دور في تنشيط وتعزيز دور الناتو كشرطي عالمي في كوسوفو في عام 1999 بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وفي فرض العقوبات التأديبية طوال تسعينيات القرن الماضي على نظام الدكتاتور صدام حسين في العراق.

 

اقرأ أيضا: وفاة مادلين أولبرايت عن 84 عاما بعد معاناة مع السرطان
 
مضمون ما بين سطور التغطية الإعلامية لهذا الأسبوع هو أن وفاة أولبرايت مؤشر على إنهاء فصل في حقبة ما بعد الحرب تمكنت خلاله الولايات المتحدة من تقديم نموذج للقيادة الأخلاقية للعالم. والفرضية هنا هو أن ذلك الدور بات مهدداً بسبب سلوكيات رئيس روسيا فلاديمير بوتين في أوكرانيا.
 
وبينما تُرثى أولبرايت ويكال لها المديح ينال بوتين تنديدا شديدا باعتباره مجرم حرب، كما نعته الرئيس الأمريكي جو بايدن، وذلك في نفس الوقت الذي طالب فيه رئيسا وزراء سابقان في بريطانيا بتقديمه إلى ما يشبه محاكمات نوريمبيرغ. وعمدت وسائل الإعلام، في الإطار الأوسع، إلى اعتبار الزعيم الروسي هِتْلرَ جديداً.
 
وأكدت وزيرة الخارجية البريطانية ليز تروس في تغريدة لها على أننا "بحاجة الآن أكثر من أي وقت آخر لأن نتمسك بالقيم التي عملت من أجلها {أولبرايت}".
 
وفيات مبررة


إلا أن الفرق الشاسع في تعامل وسائل الإعلام الغربية مع كل من أولبرايت وبوتين لا يكشف شيئاً عن ادعاء أي منهما امتلاك السلطة الأخلاقية. بل إن ذلك ينبئنا بالكثير عن عزم وسائل الإعلام على التستر على بعض الجرائم –بالذات تلك التي تنعكس سلباً على الغرب– وتسليط الضوء على البعض الآخر.
 
وما يحير فعلاً هو خلو كل التغطية الإعلامية تقريباً لحادث وفاة أولبرايت من أي إشارة لما يمكن أن يعتبر أخطر مقابلة أجريت معها – تلك التي وثقت أسوأ ما يمكن أن يكون قد صدر عنها من تصريحات لا تنسى على الإطلاق.
 
ففي عام 1996، عندما كانت تشغل منصب سفيرة إدارة بيل كلينتون في الأمم المتحدة، سئلت من قبل برنامج إخباري اسمه "ستون دقيقة" عن ما إذا كان بإمكانها تبرير العقوبات المدمرة التي فرضتها الولايات المتحدة على العراق بعد حرب الخليج في عام 1991.
 
كانت تلك السياسة تحرم العراق من احتياجاته من الدواء والغذاء. وكما بين لها محاورها، بحلول اللحظة التي كانا يتحاوران فيها، فقد بلغ عدد الأطفال العراقيين الذين قتلوا بسبب العقوبات ما لا يقل عن نصف مليون. من الملاحظ حينذاك أن أولبرايت لم تكلف نفسها عناء التشكيك بصحة الرقم الذي أورده محاورها.
 
وعندما سئلت "هل هذا الثمن مبرر؟" أجابت: "نعتقد أن الثمن مبرر". ونتيجة لقرار أولبرايت الاستمرار في فرض العقوبات أثناء شغلها لمنصب وزيرة الخارجية فقد قدم دينس هاليداي، المسؤول الكبير في الأمم المتحدة، استقالته من منصبه، وهو الذي خلص فيما بعد، في صيف 1999، إلى أن ما يقرب من مليون ونصف المليون عراقي قضوا نحبهم بسبب العقوبات، سواء بسبب سوء التغذية أو بسبب نقص الرعاية الصحية، ووصف السياسة المتبعة بأنها إبادة جماعية.
 
وقال حينها إن الولايات المتحدة وحلفاءها كانوا "يقتلون عمداً وعن سابق معرفة آلاف العراقيين كل شهر. وهذا الذي يجري يتوافق مع توصيف الإبادة الجماعية". ثم ما كان من هانس فون سبونيك، الذي خلف هاليداي في منصبه، لا أن استقال هو الآخر بعد عامين، وكان قد قال قبل استقالته: "إلى متى ينبغي أن يتعرض السكان المدنيون، وهم الأبرياء من كل ذلك، إلى مثل هذا العقاب على جريمة لم يقترفوها؟".
 
على الرغم من قسوة تلك العقوبات فإنها لم تجد نفعاً في إضعاف قبضة صدام على السلطة أو في تحفيز الشعب العراقي على الانتفاض عليه – كما كانت أولبرايت والمسؤولون في الإدارة يمنون أنفسهم. بل إنه ما كان من العقوبات في حقيقة الأمر إلا أن رسخت أقدام الزعيم العراقي في الحكم وزادت من تمكينه.

 

اقرأ أيضا: أولبرايت.. القسوة بلا خجل أمام المعاناة العراقية (بورتريه)

وكانت تلك السياسة قد بُررت، جزئياً على الأقل، بناء على الفرضية التي تقول إن العقوبات سوف تجبر صدام على تخليص العراق من أسلحة الدمار الشامل – وهي نفس أسلحة الدمار الشامل التي استخدمت ذريعة للقيام بالغزو الأمريكي غير القانوني للعراق، والذي نفذته الإدارة اللاحقة برئاسة جورج دبليو بوش.
 
ولكن في الحقيقة لم يكن بالإمكان نزع أسلحة الدمار الشامل من العراق لأنها بكل بساطة لم تكن أصلاً موجودة.
 
غض الطرف


والسؤال هو: كيف أمكن إغفال هذه السياسة الخارجية المهمة في عهد كلينتون – والتي ارتبطت بشكل وثيق بشخص أولبرايت نفسها – فلا يرد ذكرها على الإطلاق في النعي الذي نشرته نيويورك تايمز أو بثته البي بي سي؟
 
جزء من الإجابة هو أن تصريحها المشار إليه أعلاه تم مسحه من الوعي الشعبي بمساعدة من وسائل الإعلام. في تحقيق نشر في نوفمبر من عام 2003، أعدته مجموعة رقابة إعلامية في الولايات المتحدة تسمى "فير"، تبين أنه خلال الشهرين الاثنين اللذين تبعا هجمات الحادي عشر من سبتمبر، لم يرد ذكر تصريح أولبرايت حول "الثمن المبرر" إلا مرة واحدة في كل وسائل الإعلام الأمريكية، وفي صحيفة قليلة الشأن نسبياً.
 
وذلك على الرغم من أن وفيات الأطفال في العراق جراء سياسة فرض العقوبات كانت السبب الرئيسي الذي أشار إليه أسامة بن لادن لتبرير هجمات القاعدة على البرجين في نيويورك وعلى مبنى البنتاغون في واشنطن.
 
وهذا الأسبوع، في الحالات القليلة التي أوردت فيها وسائل الإعلام ذكر تصريح أولبرايت حول العقوبات فقد جاء ذلك مموهاً.
 
وفي رثاء الغارديان لأولبرايت، قللت الصحيفة من أهمية الأمر حين قالت: "يظهرها التصريح كما لو كانت شخصية ذات طبيعة قاسية، وهو أبعد ما يكون عن الحقيقة." فقط الصحفيون الذين يصبحون عبيداً للدعايات الصادرة عنهم أنفسهم يمكن أن يقيموا أهمية سياسة فتكت بأرواح مئات الآلاف من الأطفال من حيث ما إذا كان ذكرها ينطوي على إجحاف بحق أولبرايت.
 
تمويه السجل


والحقيقة أن أولبرايت كانت من القسوة بمقدار ما يستدل من تصريحها. عندما تحدثت في لقاء في جامعة ولاية أوهايو في مطلع عام 1998 تصدى لها المحتجون الذين أغضبتهم معاناة العراقيين.
 
تساءل أحد المتظاهرين كيف يمكنها هي والمسؤولون الآخرون في الإدارة النوم ليلاً، ولاحظ قائلاً: "إذا كنتم تريدون معاقبة صدام فلتعاقبوا صدام، ولكن لا تعاقبوا الشعب العراقي".


إلا أن ذلك لم يزعج أولبرايت التي قالت: "إنني فخورة جداً بما فعلناه. نحن أعظم أمة في العالم، وما فعلناه هو أن نكون الأمة التي لا استغناء عنها، لديها الاستعداد لتأمين السلامة في العالم لأبنائنا وأحفادنا وللأمم التي تلتزم بالقواعد".
 
لكم أن تتصوروا رد الفعل فيما لو أقدم بوتين بكل عفوية على تبرير سياسة روسية تفضي إلى الفتك بمئات الآلاف من الأطفال الأوكرانيين – وأن يفعل ذلك انطلاقاً من الزعم إما بأن ذلك مفيد من أجل تأمين سلامة الأطفال الروس أو بأن الأطفال الأوكرانيين يستحقون المعاناة لأن زعماء بلدهم لم يلتزموا بالقواعد.
 
أطلقت العديد من النعوت على بوتين تتهمه بالجنون وتصوره على أنه هتلر الجديد. لو كان ذلك ينطبق عليه فعلاً، ألا تنطبق نفس النعوت على أولبرايت – بدلاً من توقيرها بالشكل الذي شهدنا كل وسائل الإعلام الغربية تفعله؟
 
لقد تم التجاوز عن جرائم أولبرايت في كل ما قيل في حقها من رثاء لأن نفس تلك الجرائم تم تبريرها أو التغاضي عنها عندما كان يجري ارتكابها.
 
مباشرة بعد لقاء أوهايو الكارثي، سارع الحلفاء إلى الدفاع عن سياسة العقوبات الأمريكية وعن أولئك الذين كانوا يتحملون المسؤولية عن فرضها مثل أولبرايت. وأوردت محطة السي إن إن حينذاك تقريراً مفاده أن الدبلوماسيين الأوروبيين والعرب من أصدقاء الولايات المتحدة فقط اعتبروا أن أولبرايت "لم تكن مستعدة جيداً" لذلك اللقاء وأن إدارة كلينتون "لم تقم بعمل جيد لتفسير السياسة التي كانت تنتهجها."
 
وتارة أخرى عزيت مشاكل السياسة الخارجية الأمريكية إلى إخفاقات في أداء من تصدروا لتمثيلها – وذلك على الرغم من أن وسائل الإعلام الغربية تواطأت بكل فاعلية في التستر على جرائم الإدارة.
 
شرطي العالم


كما تجلت السياسة الممهورة بتوقيع أولبرايت بكونها وزيرة للخارجية الأمريكية في عام 1999 في كوسوفو، الإقليم المنشق عن صربيا والذي اجتاحته أعمال العنف العرقي بين الأقلية الصربية والأغلبية الألبانية التي كانت ترغب في الانفصال.


أشاد من رثى أولبرايت بدورها في بعث الحياة في الناتو بعد أن كاد التحالف العسكري الغربي يفقد مبررات وجوده في الحرب الباردة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991. لقد تحول الناتو في عهد أولبرايت إلى شرطي عالمي تقوده الولايات المتحدة، يسعى لتحقيق غايات إنسانية مفترضة، فاختار كوسوفو ساحة أولى يستعرض فيها عضلاته. لم يمض وقت طويل قبل أن ينطلق الناتو وقد استعاد حيويته وعنفوانه عبر أوروبا الشرقية باتجاه روسيا.
 
لم تفض اختيارات أولبرايت في كوسوفو فقط إلى تحطيم القانون الدولي بل وأدت كذلك إلى خلق سابقة لشن حروب عدوانية لاحقة، مثلما حدث عندما غزا بوش العراق وغزا بوتين أوكرانيا.
 
مضى الناتو وعلى مدى أسابيع يقصف مساحات واسعة من صربيا، بما في ذلك العاصمة بلغراد بدون تخويل من الأمم المتحدة. وفعلت ذلك نيابة عن جيش تحرير كوسوفو، والذي كان قبل بضعة شهور فقط قد صنف من قبل المسؤولين الأمريكان على أنه منظمة إرهابية. أصاب وابل القنابل المتساقطة على المدينة مستشفيات ومدارس ومؤسسات ثقافية ودمر الجسور وأزهق أرواح المئات من المدنيين.
 
ما من شك في أن تبرير أولبرايت لحملة القصف غير القانونية للأهداف غير العسكرية في صربيا وفر الغطاء لبوتين، الذي كان حينها في بداية عهده كرئيس للوزراء، حتى يسوم الشيشان الخسف بعد بضعة شهور فقط من شن الناتو ضرباته على صربيا. ثم لم يلبث بوش من بعد ذلك أن انتهج نفس السلوك من خلال عملية "الصدم والترويع" التي نفذها في العراق.
 
بالإضافة إلى ذلك كانت الحملة العسكرية اتي شنتها أولبرايت دعماً لانفصال كوسوفو، بناء على اقتراع لصالح الاستقلال أجري بين السكان الألبان، بمثابة البذرة التي أثمرت فيما بعد قيام بوتين بضم شبه جزيرة القرم بعد أن نظم فيها اقتراع مشابه في 2014 كانت نتيجته رغبة السكان في الانفصال عن أوكرانيا.
 
في الواقع لا تؤشر وفاة أولبرايت، كما سعت وسائل الإعلام الغربية لإقناعنا، على نهاية حقبة ذهبية من الدبلوماسية الأمريكية ومن القيادة الأخلاقية داخل الساحة الدولية. بل لقد كانت أولبرايت محورية في إطلاق عهد جديد من الفوضى العارمة على المستوى الدولي، غدت فيه القوة الأمريكية ناطقة باسم الحق المطلق إذ تبرر قتل مئات الآلاف من الأطفال العراقيين.
 
لو كان بوتين مجرم حرب، كما يجمع على توصيفه قادتنا السياسيون ووسائل إعلامنا، فإن أولبرايت لا تقل عنه جرماً. إن الفرق الوحيد بينهما هو أنه في حالة بوتين عقدت وسائل الإعلام عزمها على إظهاره لنا بمظهر من يداه تقطران دماً.
 
أما في حالة أولبرايت فقد هبوا لتجميل صورتها وعمدوا إلى تنظيف تلك الصورة من كل أثر للدم، فما عاد أحد يرى الحقيقة كما هي.

التعليقات (1)
صابر على
الأربعاء، 30-03-2022 10:17 ص
المجرمين كثر في الغرب يحضرون مجرمين سفهاء خبثاء ليجعلوهم حكاما لنا و ان اعترضنا قتلونا سوريا و مصر مثلا