ملفات وتقارير

لماذا تتجاهل مصر تحقيقا فرنسيا بسرقة آثارها وبيعها للإمارات؟

فرنسا تحقق مع مدير "متحف اللوفر" السابق جان لوك مارتنيز في اتهامات بشراء وتهريب آثار مصرية وبيعها لأبوظبي- جيتي
فرنسا تحقق مع مدير "متحف اللوفر" السابق جان لوك مارتنيز في اتهامات بشراء وتهريب آثار مصرية وبيعها لأبوظبي- جيتي
ضجة عالمية أحدثها إعلان شرطة "مكافحة الاتجار بالممتلكات الفرنسية" التحقيق مع مدير "متحف اللوفر" السابق (من 2013 إلى 2021)، جان لوك مارتنيز، في اتهامات بشراء وتهريب آثار مصرية إثر ثورة يناير 2011، وبيعها عبر وسيط ألماني من أصل لبناني إلى متحف "لوفر أبوظبي".

وبحسب وسائل الإعلام الفرنسية، فإن السلطات توجه لمارتنيز (58 عاما) المستقيل من منصبه العام الماضي، تهم "غض الطرف" عن شهادات مزوّرة لقطع أثرية، إحداها معروضة بـ"لوفر أبوظبي" وهي عبارة عن شاهد ضخم من الغرانيت الوردي مختوم بختم توت عنخ آمون الملك الـ11 بالأسرة الـ18 بمصر القديمة.

وتعود القضية إلى تموز/ يوليو 2018، بعد سنتين من شراء متحف "لوفر أبوظبي" لتلك القطعة، و4 أخرى مقابل 8.5 مليون دولار، فيما اعتقل صاحب المعرض الألماني اللبناني روبن ديب وسيط البيع في هامبورغ آذار/ مارس الماضي، ويجري استجوابه في باريس، أيضا.

"قطعة استثنائية"

وفي اللوحة يظهر الملك توت عنخ آمون، أمام الإله أوزوريس في القسم الأعلى من اللوحة، ويوجد قرص الشمس المجنح، وأسفل اللوحة يوجد نص من الكتابات الهيروغليفية.


وعن التحقيقات أكدت صحيفة "لوموند" الفرنسية الجمعة الماضية، أن القاضي جان ميشال جنتيل، قرر احتجاز مارتنيز، بعد أن وجه له تهمتي "تهريب الآثار" و"غسيل الأموال"، الاثنين الماضي، وأطلق سراح أمين قسم الآثار المصرية، فانسان روندو، وعالم المصريات أوليفييه بيردو.

ونقلت الصحيفة الفرنسية عن عالم المصريات الفرنسي، الأستاذ بجامعة "بول فاليري" في مونبلييه، مارك غابولدي، وصفه لتلك القطعة المسروقة بـ"الاستثنائية"، موضحا أن "هذا الكنز في قلب تحقيق دولي واسع النطاق حاليا حول الاتجار بالآثار".

وبحسب صحيفة "لوكانار أونشينيه" الفرنسية الساخرة، فإن المحققين يحاولون معرفة ما إذا كان مارتنيز، "غض الطرف" عن شهادات منشأ مزورة لـ5 قطع من العصور المصرية القديمة.

من جانبها، قالت صحيفة ليبراسيون الفرنسية، إن "الإماراتيين ولوفر أبوظبي اشتروا الشاهد عام 2016، و4 قطع أخرى"، مؤكدة أن "متحف أبوظبي استحوذ العديد من القطع الأثرية المصرية، مقابل عشرات الملايين من اليورو"، لافتة إلى أنه "عام 2018، جرى تحقيق لتحديد ما إذا كانت هذه الآثار وغيرها نُهبت ونُقلت بالاحتيال، وبيعت بشهادات مزورة".

"موقف مصر"

المثير بجانب الاهتمام الإعلامي العالمي بالفضيحة التي تمس آثار مصر القديمة وتمس في الوقت نفسه أعرق متاحف أوروبا والعالم وتطال دولة الإمارات التي أنشأت متحف اللوفر على غرار المتحف الباريسي، هو أن الحكومة المصرية اكتفت بموقف المشاهد لوقائع الأحداث، وهو ما أغضب متابعين مصريون عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

 

 


وأعلن مدير إدارة الآثار المستردة بوزارة السياحة والآثار شعبان عبدالجواد، أنهم في انتظار نتائج التحقيق وعندها سوف يرون ما يجب اتخاذه من خطوات وإجراءات، قائلا في تصريح إعلامي لفضائية "المحور" مساء السبت: "لن نخوض في التفاصيل حرصا على نجاح التحقيقات".

ووسط خفوت إعلامي مصري في تناول القضية، وجه المسؤول المصري السابق عن ملف الآثار زاهي حواس اللوم لـ"متحف اللوفر" متهما إياه عبر برنامج الإعلامي عمرو أديب بفضائية "إم بي سي مصر"، بأنه "مشهور بشراء الآثار المسروقة".

وكان رد وزير الآثار المصري خالد العناني، مثيرا لجدل آخر، حيث أعلن عن جرد نتج عنه تأكيد اختفاء 33 ألف قطعة آثار، دون أن يقدم توضيحا عن أسباب وقوع تلك الجريمة كونه المسؤول الأول عن الآثار بمصر.

"خيوط متشابكة"

ويولي رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، ملف الآثار اهتماما كبيرا، ويترأس بنفسه مجلس أمناء المتحف المصري منذ 17 حزيران/ يونيو 2017، وكان من أكثر قراراته إثارة للجدل بعدها بيومين، منع استخدام الكاميرات داخل المخازن، بدعوى الحفاظ على الآثار من السرقة.

وتثار الاتهامات للنظام بتهريب وبيع وتأجير آثار مصر، خاصة مع الواقعة الشهيرة بانقطاع التيار الكهربائي بمطار القاهرة الدولي 28 حزيران/ يوليو 2017 ولمدة ساعتين، والتي أُعلن بعدها في 16 آب/ أغسطس 2017، عن اختفاء 33 ألف قطعة أثرية من مخازن ومتاحف وزارة الآثار.

ما زاد حدة اتهامات مصريين للنظام بالتفريط في آثار مصر لأجل الشريك الاستراتيجي له الإمارات، حينها هو الحضور الكبير لعشرات القطع الأثرية المصرية بافتتاح متحف "لوفر أبوظبي"، 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، أي بعد نحو 3 أشهر من واقعة انقطاع الكهرباء بمطار القاهرة.

وفي 23 كانون الأول/ ديسمبر 2021، نشرت "عربي21"، في انفراد حصري، وثائق رسمية من تحقيقات النيابة العامة المصرية، تثبت وجود اسم السفير الإماراتي لدى مصر حمد سعيد الشامسي، في قضية الآثار الكبرى المتهم فيها رجل الأعمال المصري حسن راتب وعضو مجلس النواب السابق علاء محمد حسانين.

وصُدم المصريون في 2018، بخبر توقيف السلطات الإيطالية حاوية دبلوماسية بها 21 ألفا و855 قطعة أثرية مصرية، فيما طالت الاتهامات القنصل الإيطالي السابق بمدينة الأقصر لاديسلاف أوتكر سكاكال، وشقيق وزير المالية المصري في عهد حسني مبارك، يوسف بطرس غالي.

"اتفاقيات ومبالغ"

الباحث والأكاديمي المتخصص في الآثار الدكتور حسين دقيل، أكد أن "القضية تعود لعام 2018، وتفجرت أحداثها مع استقالة مارتنيز في 2021، وأساسها يعود لمتحف لوفر أبوظبي الذي أنشئ عام 2017 وحظيت الإمارات باسم المتحف الباريسي منهية رغبة مصرية وعراقية وسورية بهذا الحلم".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد أن "هناك اتفاقيات تجري ومبالغ تُدفع مقابل حصول الإمارات على اسم اللوفر صاحب القيمة العالمية، وهذا ما يؤكد وجود تنسيق كامل بين المتحفين في نقل الآثار بينهما للعرض، بل يعتبر متحف أبوظبي فرعا لباريس".

وأكد الخبير الأثري أن "هناك آثارا مصرية كثيرة في لوفر أبوظبي انتقلت بالأساس من اللوفر الرئيسي كفترة استعارة لبعض الآثار المصرية الموجودة بباريس قبل عقود، وذلك بمقابل تحصل عليه فرنسا، ورغم أنها آثار مصرية فإن القاهرة لا تحصل على شيء".

وأوضح أن "القطع الخمسة المتهم مدير اللوفر السابق بأنه تغاضى وسهل نقلها من مصر لمتحف أبوظبي يمتلكها الأخير بالشراء بـ 8.5 مليون دولار، وأهمها شاهد يحمل شكلا مزدوجا للملك توت عنخ آمون".

ولفت دقيل، إلى أن "كل هذه القطع غير مسجلة في سجلات الآثار المصرية بحسب إعلان وزارة الآثار، ولكنها في الغالب أُخذت وخرجت من مصر بطرق غير شرعية ومن حفريات غير شرعية".

ويعتقد أنه "في الغالب ستجري تبرئة المسؤول الفرنسي السابق، ولكن القضية أخذت حيزا إعلاميا كبيرا"، مشيرا إلى أهمية استغلال مصر لها وتحدث المسؤولين عنها، معبرا عن أسفه لاهتمام الإعلام الغربي بها أكثر من المصري، وعدم إعلان مصر عن اختفاء الـ5 قطع أو سرقتها رغم علمها بوجودها بمتحف أبوظبي.

وفي إجابته على تساؤل "عربي21" هل ينتج عن التحقيقات استرداد مصر لتلك القطع، أكد الأكاديمي المصري أنه "بالطبع لا"، موضحا أنه "لكي تسترد مصر القطع يجب الاهتمام بالموضوع والحديث عن القطع وعرض بيانات تعريفية كاملة عنها وهل هي مسجلة لدى وزارة الآثار".

وأشار إلى "أهمية عمل لجنة الآثار المستردة لاسترداد هذه القطع، وجهد وزارة الآثار والخارجية والنيابة العامة المصرية، واستخدام قانون اليونسكو لسنة 1970".

ويرى أنه "لو جرى التخطيط بشكل جيد فمن الممكن استعادتها كما جرى استعادة قطعة عبارة عن تابوت تم بيعه لمتحف المتروبوليتان بأمريكا وشارك فيها بعض علماء الآثار الأجانب وتم استردادها".

وعن موقف الحكومة المصرية من القضية قال إنه "لا يوجد موقف واضح حتى الآن، والبيانات التي يجري تداولها في ما يخص قطاع الآثار المهربة غير دقيقة، لأن معظمها يتحدث عن الآثار المهربة وهي مسجلة، فما بالك بغير المسجلة؟".

"مرتبة التواطؤ"

وعن موقف الحكومة المصرية من التحقيقات والقضية قال الباحث والكاتب الصحفي المصري محمد فخري: "للأسف لا يمكن توصيف موقف الحكومة المصرية بوصف المشاهد للأحداث؛ فالأمر تجاوز ذلك ليصل إلى مرتبة التواطؤ وربما الاشتراك".

وفي حديثه لـ"عربي21"، يرى أن "النظام المصري يحاول أن يلعب في القضية دور شاهد الملك؛ فالقطع الأثرية محل القضية معروضة بالفعل في لوفر أبوظبي، وليست بالمخازن، والمسؤولون عن الآثار في مصر وما فوقهم يعرفون أنها من حق مصر ويجب المطالبة بها منذ أن بدأ عرضها".

وأضاف: "إلا أن الأمر قد غُض الطرف عنه في إطار تفاهمات وصفقات أخرى أكبر غير منظورة تمت بالأمر المباشر في العديد من القطاعات، ومنها القطاع التجاري والطبي والعقاري والآثار".

وأكد فخري، أن "ما نراه وما كشفت عنه الأيام من لصوصية وفساد في قارة أخرى سرعان ما سيبدو بعد زوال هذا النظام كقمة صغيرة لجبل الجليد".

 

التعليقات (0)