أفكَار

هل بلغ النموذج الديمقراطي مداه؟ تجارب تعيد سؤال التمثيل والشرعية

التجارب الديمقراطية في أمريكا وفرنسا وإسرائيل تكشف عن أزمات تمس النسق الداخلي للنموذج الديمقراطي..
التجارب الديمقراطية في أمريكا وفرنسا وإسرائيل تكشف عن أزمات تمس النسق الداخلي للنموذج الديمقراطي..
لم يسلم النموذج الديمقراطي من انتقادات مست بنيته الداخلية وهو في مراحل ألقه وإلهامه للشعوب الأخرى، فقد توجهت إلى تجاربه انتقادات كثيرة، وكان نصيب التجربة الأمريكية من هذه الانتقادات مرتفعا، بحكم اشتباكه مع نموذج آخر اقتصادي رأسمالي محكوم بالتنافس وحرية السوق، فظهرت العيوب الثلاثة لهذا النموذج (المال، الإعلام، هيمنة الأٌقلية)، فواقع التجربة الأمريكية على الخصوص، أظهر قدرة نخبة الأقلية على صناعة الرأي العام والتحكم فيه، وتحريف مفهوم التمثيلية والشرعية، عبر الاستخدام الكثيف للمال  والإعلام، وبدا الحزبان الجمهوري والديمقراطي على السواء، رهينين لنخبة الأقلية التي صارت تتحكم في اللعبة وتدير قواعدها.

في التجربة الفرنسية، توجه النقد لضيق النسق وانسداده، بسبب الحرص على إضفاء صبغة ثقافية وهوياتية على النموذج العلماني، جعلته يعتبر الزي (الحجاب) وجملة من الطقوس والممارسات التعبدية خاصة منها الإسلامية، بمثابة تحديات تهدد النموذج، فخاض معارك ثقافية وهوياتية باسم حماية العلمانية الفرنسية، وهو اليوم يوسع هذه المعارك، بمسميات أخرى مثل محاربة التطرف الإسلامي العنيف، ويثير إشكال مفهوم الهوية العلمانية، أو مفهوم القيم العلمانية، ويغطي على أزمة رفض الانفتاح على دور الدين في المجال العام، ولذلك، تعكس الأحداث المختلفة التي يصطدم فيها البراديغم العلماني الفرنسي بهذا الإشكال، ميل هذا النموذج لخيار واحد هو اعتماد المقاربة الأمنية ذي الخلفية القانونية من أجل تحقيق تماسك موهوم لنموذج فقد القدرة على الجواب عن تطور المجتمع الفرنسي المتعدد.

على أن هذا النقد الكثيف الذي طال النموذجين الديمقراطيين الأمريكي والفرنسي، لم يكن يعني بالضرورة الحكم عليهما باستنفاذ الغرض وبداية النهاية، فالنقد الذي وجه للنموذج الأمريكي، كان يواجه دائما، بأن الوصول للثروة أو التأثير في وسائل الإعلام وتوظيفها، أو تشكل أقلية مؤثرة على صناع القرار، كل ذلك، ذلك لا يتم خارج القواعد الديمقراطية، بل يتم أساسا ضمن منظومة الحرية والمبادرة الحرة، كما أن النقد الموجه للنموذج الفرنسي، كان  يواجه دائما بضرورة التمييز بين الإسلام وبين التطرف الإسلامي العنيف، وبين الإسلام المتنور المتوافق مع قيم الجمهورية وبين الإسلام  الأصولي الذي ينازع قيم الجمهورية والعلمانية.

اليوم، يبدو الأمر مختلفا، فالنموذج الديمقراطي الأمريكي، يعيش أزمة من نوع آخر، تجاوزت قوى وآليات التأثير (الأقلية المهيمنة، المال، الإعلام)، وارتبطت أكثر بالبنية الداخلية، أي عجز النسق الديمقراطي الطبيعي عن الاشتغال (تغيير قواعد إدارة الصراع السياسي)، واللجوء إلى القضاء كآلية استثنائية يراهن عليها باسم حماية النموذج الديمقراطي من الفوضوية، فيما النموذج الفرنسي يعرف أزمة أخرى، بعيدة عن الحساسية الإسلامية ولوازمها المختلفة، إذ مست هذه المرة البنية الداخلية للنسق الديمقراطي، من خلال تمرير قانون إصلاح التقاعد خارج المؤسسة البرلمانية، تفعيلا لمبدأ الصلاحية الدستورية غير الشعبية.

في النموذج الإسرائيلي، تبدو الأزمة قريبة من النقد التقليدي الذي باشره تشومسكي على النموذج الديمقراطي، حين حذر من خطورة التيار الفاشي على القواعد الديمقراطية، إذ أضحت أزمة النموذج الديمقراطي الإسرائيلي بوجهين مخيفين، تهديد الوحدة الداخلية، وخلق حالة إحراج غير مسبوق للحلفاء، يضطرهم إلى ممارسة أشكال من الضغط والتدخل في السياسة الداخلية الإسرائيلية، بما ينقذ النموذج الديمقراطي والتماسك المجتمعي من جهة، وبما يحافظ على التحالفات التقليدية لاسيما بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.

سياق الدمقرطة.. سؤال التمثيلية والمدخل نحو الشرعية

ليس ثمة شك أن هناك اختلافا كبيرا بين النموذج الديمقراطي الأوروبي، والنموذج الديمقراطي الأمريكي، مع أنهما محكومان بمنطق واحد، هو جعل الديمقراطية آلية لتدبير الصراع، والتمكين للشرعية من خلال اعتماد مبدأ التصويت والتمثيلية كمعيار للحكم، مع اعتماد مبدأ التداول السلمي على السلطة.

تختلف التجربة الأوروبية عن نظيرتها الأمريكية، في طابعها الاجتماعي، ولجوئها في سياق تدبير الصراع مع المعسكر الشيوعي إلى إدخال منظومة الحماية الاجتماعية ضمن نسق هذا النموذج، حتى أضحت الدولة الأوروبية، دولة رعاية اجتماعية بامتياز مع تسجيل اختلاف بين تجاربها المختلفة.

في التجربة الأمريكية، لم يكن تحدي انتشار المد الشيوعي داخلها جديا، وفي المقابل، لعبت حرية السوق وتشجيع المبادرة وإرساء قوانين التنافس، دورا أساسيا في توفير فرص الشغل، وخلق عمالة مختلفة المستويات الطبقية، مكنها من التجاوز المؤقت لعطب الحرمان من الحماية الاجتماعية.

تختلف التجربة الأوروبية عن نظيرتها الأمريكية، في طابعها الاجتماعي، ولجوئها في سياق تدبير الصراع مع المعسكر الشيوعي إلى إدخال منظومة الحماية الاجتماعية ضمن نسق هذا النموذج، حتى أضحت الدولة الأوروبية، دولة رعاية اجتماعية بامتياز مع تسجيل اختلاف بين تجاربها المختلفة.
التوازن الذي اكتسبه النموذج الديمقراطي الأمريكي والأوروبي على السواء، لم يكن يأتي ضرورة من الداخل، بل كان رفاه المواطن (ارتفاع مستوى الدخل) مرتبطا بعائدات السياسات الخارجية لهذه الدول، أو بعبارة أدق، بالنموذج الامبريالي، المهيمن على مقدرات الشعوب في دول العالم الثالث.

وهكذا، امتلك النموذج الديمقراطي في أوروبا توازنه، من قواعد إدارة الصراع السياسي (حل مشكلة الشرعية)، ومن استثمار مقدرات الشعوب في العالم الثالث، بم مكن المواطن الأوربي من دخل مرتفع ومن منظومة رعاية اجتماعية، وهو ما ترتب عنه أن أصبح هذا المواطن محور العملية الديمقراطية وأداتها.

أما النموذج الأمريكي، فقد أدار تماسك نسقه الداخلي بثلاث محددات أساسية، اعتماد قواعد إدارة الصراع السياسي (صناعة الشرعية)، واستثمار عائدات السياسة الخارجية (الهيمنة على مقدرات الشعوب) لتشجيع قيام استثمارات ضخمة تساهم في رفع الدخل الفردي، واعتماد حرية السوق وروح المبادرة وقواعد التنافس، لتمكين المواطن من فرص الارتقاء الاجتماعي التي تعوضه عن الحماية الاجتماعية التي تكلفت بها الدولة في التجربة الأوروبية.

اقتصاد الندرة وتراجع عائدات السياسة الخارجية وتفجر أزمة النموذج الديمقراطي

تتزامن في الآونة الأخيرة ثلاث أزمات مختلفة، مست الأولى النموذج الديمقراطي الفرنسي، واستهدفت الثانية النموذج الديمقراطي الإسرائيلي، فيما ضربت الثالثة النموذج الديمقراطي الأمريكي.

ظهرت الأزمة في النموذج الديمقراطي بإصرار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على قانون إصلاح التقاعد، واضطراره إلى تمريره خارج المؤسسة البرلمانية، خوفا من فشله، لاسيما بعد أن أوشكت مبادرة سحب الثقة في حكومته أن تنجح لولا أنها احتاجت لبعض الأصوات.

وبرزت الأزمة في النموذج الإسرائيلي، بسبب إصرار الحكومة على تمرير قانون تعديلات القضاء، التي رفضها عدد من المكونات السياسية بالإضافة إلى بعض مؤسسات الدولة خاصة منها العسكرية، فكان من تداعياتها أن أصبح الوجود الاجتماعي الإسرائيلي مهددا، بسبب الانقسام الداخلي ومخاوف الانجرار إلى العنف والاقتتال الداخلي.

أما أزمة النموذج الديمقراطي الأمريكي، فقد بدأت مع أزمة الكابيتول، وما رمزت له من أزمة الشرعية، ووصلت ذروتها مؤخرا بتوجيه الاتهام إلى الرئيس ألأمريكي السابق دونالد ترامب وذلك في سابقة غير معهودة مع الرؤساء السابقين للولايات المتحدة ألأمريكية التي أثيرت حولهم فضائح مثيلة أو تفوق التي اتهم بها الرئيس السابق دونالد ترامب.

لا يهمنا التوقف عند حيثيات كل حدث على حدة، فالإضرابات العارمة التي انطلقت في إسرائيل وباريس على السواء، ولم تنته بعد، تبين جدية التهديد الذي يمس النموذج الديمقراطي، ويثبت جدية النموذج التفسيري الذي قدمناه في الفقرة السابقة.

بالنسبة إلى فرنسا تبدو القضية جد واضحة، فواقع الندرة، هو الذي دفع الرئيس الفرنسي، إلى التفكير في إصلاح التقاعد بالزيادة سنتين في سن الاستحقاق له، وذلك من 62 سنة إلى 64، وهي ندرة مبررة بتحديات مركبة، منها تداعيات أزمة كورونا، وتداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا، وتداعيات تواتر سحب القوات الفرنسية من عدد من الدول الإفريقية وتنامي التذمر الإفريقي من النفوذ الفرنسي، وأزمة الجفاف التي تعيشها فرنسا هذه السنة.

هذه التحديات المركبة، والتي اجتمعت في آونة وحيدة، تسببت في بداية انهيار أحد المحددات الأساسية التي يقتات عليها النموذج الديمقراطي الفرنسي، وهو استثمار عائدات السياسة الخارجية (الهيمنة على مقدرات الشعوب)، فكان من نتيجة ذلك، وبشكل مباشر الإجهاز على جزء من الامتيازات التي توفرها منظومة الحماية الاجتماعية، ولئن ذلك يتطلب ضرورة، تمريره ضمن قواعد إدارة الصراع السياسي والاجتماعي، فإن تعثر مسار هذه العملية الطبيعية (تمرير القانون برلمانيا) تطلب إعمال القواعد الدستورية غير الشعبية (صلاحيات قانونية خارج المؤسسة البرلمانية)، إذ قررت الحكومة الفرنسية اللجوء للمادة 49.3 من الدستور لتمرير المشروع دون عرضه على التصويت في الجمعية الوطنية، وهو ما فجر أزمة الشرعية، فوضع النموذج الديمقراطي الفرنسي أمام اختبار الشارع.

البعض يتصور أن للنموذج الديمقراطي آلياته، وأن الصراع في الشارع سينتهي إلى أحد خيارين، إما أن يتعب المتظاهرون، ويتم الاستسلام للقواعد الدستورية، وإما أن يفرض ضغط الشارع على الحكومة وقصر الإليزيه الجلوس للطاولة وسحب القانون أو تعديله.
البعض يتصور أن للنموذج الديمقراطي آلياته، وأن الصراع في الشارع سينتهي إلى أحد خيارين، إما أن يتعب المتظاهرون، ويتم الاستسلام للقواعد الدستورية، وإما أن يفرض ضغط الشارع على الحكومة وقصر الإليزيه الجلوس للطاولة وسحب القانون أو تعديله.

الواقع، أن هذا التقدير أمر ممكن، لكنه ـ في حالة حصوله ـ سيجيب فقط عن مسألة واحدة (تتعلق بسن التقاعد)، لكن المشكلة تتعلق بمسار كامل، لن يتوقف عند المس بامتياز اجتماعي واحد، فواقع الندرة الاقتصادية، مع تداعيات تراجع الدور الخارجي الفرنسي، سيحكم على هذا المسار بالمضي في سياق تصاعدي، مما سيجعل النموذج الديمقراطي ورطة، لأن آلياته لن يكون قادرة على تقديم الجواب عبر الحوار والتفاوض.

في النموذج الأمريكي، يبدو الأمر بعيدا في الظاهر، لكنه في الجوهر متشابه مع سابقه، وإن كان البعد الاستراتيجي فيه هو المهيمن، فاللجوء إلى آلية القضاء لتصفية الحساب مع الرئيس السابق دونالد ترامب، ربما بخلفية منعه من الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة، يخفي القضية الجوهرية في هذه الحالة، وهي ما يتعلق بتراجع عائدات السياسة الخارجية، واحتمال التعرض إلى خسارة استراتيجية مكلفة بدأت مؤشراتها تبرز مع أزمة المصارف المالية.

الرئيس الأمريكي السابق، تحدث بلغة الواثق من نفسه، أنه بإمكانه أن يوقف الحرب الروسية على أوكرانيا في يوم واحد، وهو ما يعني مداعبة أحلام الأمريكيين، بإمكان إنهاء تداعيات هذه الحرب، وآثارها المكلفة على الاقتصاد، واستعادة النفوذ الأمريكي في دول الخليج التي تناور حاليا خارج الفلك الأمريكي، والتبشير بعودة الرساميل الكبرى إلى أمريكا، وما يعنيه ذلك من عودة الحيوية إلى محددات ووظائف النسق الداخلي للنموذج الديمقراطي (حرية السوق، وحركية المال، والمبادرة الحرة، ارتفاع الدخل،  التحكم في التضخم، وتراجع الأسعار، وعودة الرفاه الفردي).

البعض يعتقد أن مشكلة هذا النموذج هو التيار اليميني المتطرف الذي يمثله دونالد ترامب، والذي ينزع إلى الهيمنة على  المؤسسات، لكن الواقع، يؤكد شيئا مختلفا، فالأزمة الذي وصلت إلى حد توظيف القضاء في إدارة  الصراع السياسي،  تكشف في الجوهر، صراع رهانين استراتيجيين، رهان، يرى أن استمرار دعم الولايات المتحدة الأمريكية على الحرب على روسيا، سيقوض  جميع فوائد وثمرات النموذج الديمقراطي،  ويعطل حيوة نسقه الداخلي، ورهان، يرى أن الإبطاء في دعم  أوكرانيا في حربها ضد روسيا، يعني تقويض النفوذ الأمريكي، وبالتالي تقويض أحد المحددات الأساسية التي يقتات عليها النموذج الديمقراطي، ويحقق بها تماسكه وحيوية وظائفه، وما يفسر اللجوء إلى آليات خارج قواعد إدارة الصراع السياسي،  هو واقع الندرة،   وتنامي الأزمات الاقتصادية والمالية، والتهديد الذي أصبحت تشعر به الولايات المتحدة الأمريكية من جراء المنافسة الروسية والصينية لدوائر نفوذها الخارجي، إذ فقدت كثيرا من حلفائها، وفقدت بذلك القدرة حتى على إدارة التفاوض معهم.

الحاجيات الاستراتيجية الأمريكية الأوروبية تلح على ضرورة تحريك عملية السلام، وإقناع الدول العربية للانخراط في هذا المسار، والحكومة اليمينية المتطرفة التي يقودها نتنياهو، تسير في الاتجاه المعاكس، بل تجهز على كل ما تحقق من تراكم سابق في هذا المسار (صفقة القرن)
ويبقى للنموذج الديمقراطي الإسرائيلي خصوصيته، لأن عامله الخارجي متوقف على محددين اثنين، قمع الفلسطينيين وأسطورة الأمن الداخلي، وديمومة الدعم الأمريكي والأوروبي.

وإذا كانت الأزمة تظهر في عاملها الداخلي (عدم حصول التوافق على قانون تعديلات القضاء) بسبب الانقسام السياسي حوله ورغبة اليمين المتطرف فرض أطروحته، فإن الجوهري فيها شيئان اثنان، أولهما، الدينامية الانتفاضية التي كسرت أسطورة الأمن الداخلي، وثانيهما الافتقاد إلى الدعم الخارجي.

الحاجيات الاستراتيجية الأمريكية الأوروبية تلح على ضرورة تحريك عملية السلام، وإقناع الدول العربية للانخراط في هذا المسار، والحكومة اليمينية المتطرفة التي يقودها نتنياهو، تسير في الاتجاه المعاكس، بل تجهز على كل ما تحقق من تراكم سابق في هذا المسار (صفقة القرن)، ولذلك، توجد إسرائيل اليوم بين ثلاث كماشات خطيرة، الأمن المهدد بالدينامية الانتفاضية المتصاعدة، والافتقاد إلى الدعم الخارجي،  وهاجس الانقسام الداخلي، بسبب وجود تيار يميني فوضوي متطرف لا يكتفي فقط بالتغول على المؤسسات، بل يحاول أن يعزل إسرائيل عن محيطها، وبشكل خاص عن حلفائها الأساسيين (أمريكا وأوروبا).

خاتمة:

تكشف الحالات الثلاث عن أزمات تمس النسق الداخلي للنموذج الديمقراطي، وهي لا تعني ضرورة نهاية مسار الحلم الديمقراطي، ولا تعني عدم قدرة النموذج الديمقراطي على المناورة وتقديم أجوبة جزئية عن المعضلة، لكن مهما كانت فعالية هذا النموذج، وقدرته الجزئية عن احتواء بعض أزماته، فإن واقع اقتصاد الندرة، وتراجع عائدات السياسة الخارجية، فضلا عن محدودية قدرة الرهانات الاستراتيجية على تأمين حيوية وظائف هذا النموذج، ستدفع دفعا إلى التراجع عن جملة من الامتيازات الاجتماعية، وإلى تقوية الصراعات الاجتماعية والسياسية، وستجعل من الصعوبة بمكان الاستمرار في اعتماد  القواعد التقليدية في إدارة الصراع السياسي والاجتماعي، وستدفع نحو اعتماد القواعد اللاشعبية، أو توظيف مؤسسات التحكيم (القضاء) لحسم الصراع السياسي، مما سيؤجج الصراعات، ويجعل النموذج الديمقراطي أمام محك الشارع، بما يعيد النظر في مفهوم التمثيلية والشرعية، أي المدخل الرئيسي الذي بنى النموذج الديمقراطي قاعدته على أساسه. 
التعليقات (0)