قضايا وآراء

الزعيم اللئيم والصعلوك الكريم (10)

أحمد عبد العزيز
جمال عبد الناصر- الأناضول
جمال عبد الناصر- الأناضول
يكشف لنا المستشار حسن العشماوي، صاحب كتاب "الأيام الحاسمة وما بعدها"، في محضر الاجتماع الذي نطالعه في هذه الحلقة، عن معلومات شديدة الأهمية، من شأنها أن تعين الباحثين "العدول" على فهم شكل وطبيعة العلاقة (المتوترة، المشوبة بالحذر وضعف الثقة، منذ البداية) التي جمعت جمال عبد الناصر وبعض زملائه في تنظيم "الضباط الأحرار" من جانب، وبعض قيادات الإخوان المسلمين من جانب آخر؛ لمناقشة خطة الانقلاب على الملك فاروق، ثم مناقشة طريقة الحكم بعد نجاح الانقلاب عليه..

كما تُظهر لنا (هذه المعلومات) الجذور الحقيقية للخلاف بين الجانبين، وهي غير التي روَّج لها عبد الناصر من خلال إعلامه "الدعائي"، وأحكام قضائه "المسيَّس" التي لا تزال "عِلكة" تلوكها أبواق "دولة يوليو" حتى اليوم؛ في إطار حملة تستهدف الإخوان المسلمين، لم تتوقف منذ سبعين سنة!

من هذه المعلومات الهامة التي سجلها العشماوي:

- تمنّى عبد الناصر السيطرة على الشعب من خلال زِرَّيْن على مكتبه! إذا ضغط على الأول قام الشعب كله، وإذا ضغط على الآخر جلس الشعب كله، فهو لا يريد أن يرى عصاة بين الشعب!

- قال أنور السادات (في شبه همس) لعبد القادر (المُضيف): سأقول لك رأيا قررت أن أنتفع به، وأنصحكم أنتم أيضا بذلك.. لا تعادوا جمال، فإنه سيأكل الجميع.. لن يبقى إلا من "يلبد بين أسنانه".. إنه أسد الموقف.

- في هذا الاجتماع قال السادات لعبد القادر أيضا: هل تعلم أن الكثير من الإخوان يريد أن ينادي بعبد الناصر رئيسا لهم (مرشدا) بدلا من المستشار الهضيبي، ولكنه رفض؟

نفّذ عبد الناصر تهديده حين استخدم بعض أعضاء النظام الخاص (دون علم الهضيبي) في تنفيذ "مسرحية المنشية" في الإسكندرية، وكانت هذه بداية التنكيل بالإخوان المسلمين الذي استمر حتى مات في أيلول/ سبتمبر 1970، وقد كافأ عبد الناصر (لاحقا) عبد الرحمن السندي (رئيس النظام الخاص)، بتعيينه في وظيفة حكومية، لا يملك مؤهلاتها
ولا أدري إن كانت هذه معلومة صحيحة، أم أن السادات أراد (بخبثه) هز ثقة الإخوان في بعضهم بعضا! من جانبي، لا أستبعد صحة هذه المعلومة! فقد قامت "الثورة" ونجحت، وشاع بين الإخوان أن عبد الناصر "واحد منهم"، وكانوا يطلقون عليه "الأخ جمال"، فلِمَ لا يكون مرشدهم؟ لا سيما وأن كثرا من الإخوان ظلوا يقارنون بين المرشد الأول حسن البنا، الخطيب المفوَّه، ذي الشخصية الكاريزمية الآسرة، ومرشدهم الثاني (الهضيبي) قليل الكلام، كثير الصمت، ذي الشخصية الهادئة!

- طلب عبد الناصر إلى العشماوي أن يرافق الفضيل الورتلاني (يمني) في زيارة للكويت؛ للحصول على قرض بعشرين مليون جنيه إسترليني لصالح السلطة الجديدة، ولكن العشماوي ربط موافقته على السفر بموافقة الهضيبي، فغضب عبد الناصر.

- هدد عبد الناصر باستخدام النظام الخاص ضد المستشار حسن الهضيبي، لأن الهضيبي لم يكن يثق به، حسب اعتقاد عبد الناصر.. ففي هذا الاجتماع قال عبد الناصر للعشماوي: "أنا أستطيع أن أعصف به.. إني أسيطر على "النظام الخاص" الآن، وهو (الهضيبي) يحاول إلغاءه، أو تغيير قياداته.. لا أدري".

وقد نفّذ عبد الناصر تهديده حين استخدم بعض أعضاء النظام الخاص (دون علم الهضيبي) في تنفيذ "مسرحية المنشية" في الإسكندرية، وكانت هذه بداية التنكيل بالإخوان المسلمين الذي استمر حتى مات في أيلول/ سبتمبر 1970، وقد كافأ عبد الناصر (لاحقا) عبد الرحمن السندي (رئيس النظام الخاص)، بتعيينه في وظيفة حكومية، لا يملك مؤهلاتها!

- وأخيرا وليس آخرا.. فِرية تواصل الإخوان مع الإنجليز، دون علم عبد الناصر، تلك الفرية التي صيغت في صورة اتهام، وجهته "محكمة الثورة" لعدد من الإخوان، رغم أن اتصال الإخوان بمستر إيفانز (مستشار السفارة البريطانية بالقاهرة لشئون الشرق) تم بإذن من عبد الناصر شخصيا، خلال هذا الاجتماع الذي ستطالع تفاصيله عزيزي القارئ.. فلنتابع..

اليوم الثاني

29 كانون الأول/ ديسمبر 1952

(بعد ظهر يوم 29 كانون الأول/ ديسمبر 1952، بعد الغداء، في منزل عبد القادر [إخوان].. ذات الغرفة التي شهدت الاجتماعات الأولى [بين ممثلي جماعة الإخوان المسلمين وممثلي تنظيم الضباط الأحرار] يجلس منير [الدلة - إخوان] وفريد [عبد الخالق- إخوان] وصالح [أبو رقيق- إخوان] وصلاح [شادي- ضابط شرطة إخوان] وحسن [العشماوي- إخوان - كاتب المحاضر] وعبد القادر [المضيف- إخوان]، وجمال [عبد الناصر- ضابط] وعبد الحكيم [عامر ضابط] وأنور السادات [ضابط]، وعبد اللطيف [البغدادي- ضابط] وصلاح سالم [ضابط] وكمال الدين حسين [ضابط]، موزعون في مجموعات.. يتحدث الجميع معا حينا، وتتحدث كل مجموعة وحدها حينا آخر..)

(جمال وفريد وصالح في ركن.. ومنير وصالح وسالم وعبد الحكيم في جانب آخر.. أنور وعبد القادر وحسن في جانب ثالث)

- جمال (بصوت مرتفع موجها كلامه إلى عبد القادر): أراكم تتحدثون حديث الفقراء وتأكلون طعام الأثرياء.

- عبد القادر: نحن لا نأكل أكثر مما تأكل في بيتك، كلانا من الفقراء، أو متوسطي الحال.

- جمال: ولكن الطهو كان ممتازا.

- عبد القادر: الفقراء يحسنون الطهو أحيانا.

فِرية تواصل الإخوان مع الإنجليز، دون علم عبد الناصر، تلك الفرية التي صيغت في صورة اتهام، وجهته "محكمة الثورة" لعدد من الإخوان، رغم أن اتصال الإخوان بمستر إيفانز (مستشار السفارة البريطانية بالقاهرة لشئون الشرق) تم بإذن من عبد الناصر شخصيا، خلال هذا الاجتماع
- حسن (متدخلا): كُف عن الرجل يا جمال.. فأنت تأكل ذات الأكل في بيتك.. وإن كان الطهو هنا أفضل.

(تنصرف كل مجموعة إلى حديثها الخاص.. الصوت مسموع في مجموعة أنور وعبد القادر وحسن)

- أنور: لن أنسى هذا البيت أبدا.

- عبد القادر (مغيرا الموضوع): قل لي يا أنور، إلى ماذا انتهيتم بشأن "إعلان الجمهورية"؟

- أنور: يَحسُن سؤال جمال في هذا.. أما أنا، فأنت تعرف رأيي.

- عبد القادر: وما حال المفاوضات؟

- أنور: فلننتظر حتى ينتهي جمال من حديثه مع فريد، ونسأله.

- حسن: ما سبب الجفاء بين جمال ورشاد مهنا، في رأيك أنت؟

- أنور: الجفاء بينهما قديم، ولكن الأغلبية الآن مع جمال.

- حسن (موجها كلامه لأنور): حتى أنت؟

- أنور: نعم، حتى أنا.. إنه يُحسِن معاملتي.

- عبد القادر: تعني يحسن الاستفادة بك، وبماضيك في الحركات الوطنية؟

- أنور (في شبه همس): اسمع يا عبد القادر، سأقول لك رأيا في هذا الموضوع.. رأيا قررت أن أنتفع به، وأنصحكم أنتم أيضا بذلك.. لا تعادوا جمال، فإنه سيأكل الجميع.. لن يبقى إلا من "يلبد بين أسنانه".. إنه أسد الموقف.

- عبد القادر: أعلينا؟! لا نحسب ذلك، وخاصة المستشار [الهضيبي].

- أنور: هل تعلم أن الكثير من الإخوان يريد أن ينادي به رئيسا لهم بدلا من المستشار، ولكنه يرفض [يعني عبد الناصر].

- عبد القادر: خيرا فعل. [أثار هذا الرد استغرابي جدا، وكأن الأمر كان متداولا، أو عاديا].

- أنور: لماذا؟ إنه كسب لكم.

- عبد القادر: لا أعتقد.. وإن كنت أوافقك على أنه سيأكل كل من يقف في سبيله.

- أنور: وسنكون معه ضدكم.

- حسن: ولو بغير حق؟

- أنور: لم أقل ذلك، ولكنه ذكي، قوي، ثابت الجذور في الجيش، ثم هو مخلص لوطنه.

- عبد القادر: أو لنفسه..

- حسن: سينسف من حوله.. متى تفهم أن الإخوان لا يريدون عداءه؟

- أنور: واجبكم أن تثبتوا هذا.

(يرتفع صوت فريد حيث يجلس بجوار جمال)

- فريد: أسمعت ما يقول صديقك يا حسن؟ [يعني عبد الناصر]

- حسن: ماذا يقول؟

- فريد: يقول إنه يريد أن يكون على مكتبه زِرَّان، إذا ضغط على أحدهما قام الشعب كله، وإذا ضغط على الآخر جلس الشعب كله.. ولا يريد في البلد عصاة!

- حسن (موجها كلامه إلى جمال): إنك لا تريد شعبا إذن، بل ولا قطيع أغنام.. إن الأراكوزات وحدها التي يمكن التحكم فيها بالأزرار.

- جمال: لا.. بل هذا هو النظام في مفهومي.

- حسن: ألم أقل لك إنك تريد أن تكون مشروع دكتاتور فاشل؟ ستخسر البلد كثيرا بذلك.

- جمال (في غضب): لا تخاطبني هكذا.. تعال إلى جواري، وقل لي ما تشاء.. بيني وبينك.. أنا تحمّلتك لصداقتك فقط.. ولكنك تصر أن تكون من العصاة.

- حسن (وهو يقوم ليجلس إلى جوار جمال): بل أريد (وبحرص) أن نكون أحرارا.. هذا ما كنا نتحدث فيه.. نريد شعبا هو مجموع أحرار.

- جمال: الحرية الزائدة عصيان يعصف بالبلد ومصالحها.

- حسن: نجعل لها ضوابط قانونية واضحة، ولا نترك الضوابط لك.

- جمال: بلا شك الفوضى.

- حسن: دعك من هذا.. إن السيادة للقانون المعروف سلفا للناس.

- جمال: أي قانون تريد؟ كم أراك مولعا بمهنتك.

- حسن: القانون المستمد من الدين، المحقق لمصالح الناس.

- جمال: لا تتهمني بغير دليل.. ألم أخرج كل من كان لكم من السجون؟

- حسن: كان حقا عليك أن تفعل.

- جمال: حقا عليّ! لماذا؟!

- حسن: لأنك شريكهم!

- جمال: لا تقل هذا أمام الناس.. فإنه يضايقني.. لقد وعدتك ووفيت بوعدي.

- حسن: صحيح أنك فعلت.

- جمال: إذن.. هلا أديت لي خدمة؟

- حسن: وما هي؟

جمال: هيا بنا إلى ذلك الركن (يشير إلى ركن خال).

(يقومان معا ويجلسان فيه)

- جمال (مواصلا حديثه): أنت تعلم حاجتنا إلى مال.. وقد أبلغني الفضيل الورتلاني [يمني- إخوان] أنه يمكن الحصول على قرض بعشرين مليون جنيه إسترليني من الكويت.. فما رأيك؟

- حسن: لا أعلم شيئا عن الكويت وإمكانية الاستدانة منها.. ولكن ماذا فعلتم في الأرصدة الإسترلينية المجمدة لنا في إنجلترا؟

- جمال: لم ننته منها بعد.. ولكن الفضيل يقول إنه يمكن الحصول على هذا القرض وبدون فوائد.

- حسن: لا أعلم.

- جمال: هل يمكنك السفر معه إلى هناك لتتولى الأمر؟

- حسن: ولماذا لا يسافر وحده؟

- جمال: أنت مصري ومحل ثقة، وسفرك معه يطمئننا.

- حسن: أسأل المستشار في ذلك؟

- جمال: وما دخل المستشار في هذا الموضوع؟

- حسن: قلت لك أني منهم [من الإخوان].. لن أقوم بعمل لكم إلا بموافقتهم.

- جمال: أنت وشأنك، ولكن أجبني برد، فالأمر عاجل، وحاول إقناع المستشار بالموافقة.

- حسن: لا أعتقد أنه يرفض.

- جمال: إنه لا يثق فيّ.

- حسن: وأنت السبب.

- جمال: كيف؟

- حسن: أنت تريد من يوافقك، لا من يخلص لك النصح.

- جمال: إنه يخالفنا في كل شيء.. ونحن أصحاب السلطة.

- حسن: هو ينصحكم.. وأنتم تفعلون ما شئتم.. اسمحوا للناس أن يقولوا لكم الحق.. لا تصدقوا من يوافقكم دائما.

- جمال: أنا أستطيع أن أعصف به [يقصد الهضيبي].. إني أسيطر على النظام الخاص الآن [التابع للإخوان] وهو يحاول إلغاءه، أو تغيير قياداته.. لا أدري.

- حسن: كلمه في هذا، وسيبذل لك الصدق؛ لأنه لا يكذب.. بالمناسبة، لقد طلب مستر "إيفانز" [تريفورا إيفانز] مقابلة بعض الإخوان؛ للتعرف على رأيهم في المفاوضات [مفاوضات حركة الضباط مع الإنجليز] وطلب مني المستشار أن أبلغك ذلك، وقد اختار لذلك منير وصالح.

- جمال: لا مانع من مقابلة مستر "إيفانز"، ونرى أن تكون أنت معهم.

- حسن: قلت لك إنه اختار فعلا.. ومن اختارهم أفضل مني.

- جمال: ولكن وجودك يطمئنني.

- حسن: أنا أطمئن إليهما أكثر من نفسي.

- جمال (بصوت مرتفع): عبد الحكيم! هلا جئت لحظة؟ (يقوم عبد الحكيم يحضر إليه).. لقد طلب مستر "إيفانز" مستشار السفارة البريطانية مقابلة بعض الإخوان، وأنا أفضل أن يكون حسن من بين من يقابلهم، هلّا أقنعته؟

- عبد الحكيم (مخاطبا حسن): لماذا لا تكون مع من سيقابلهم؟

- حسن: لأن المستشار اختار منير وصالح، وهما أفضل مني.. فلا داعي لأن أكون معهما.

- عبد الحكيم: جمال يثق فيك.

- حسن: وأنا أثق فيهما أكثر من ثقتي في نفسي.

- عبد الحكيم: اعرض الفكرة على المستشار إرضاءً لجمال.

- حسن: لا.. لا أفعل.

- جمال: وي.. لقد عاوده العناد.. هلا نقوم؟

(يسلمون وينصرفون)

(يُتبع)..

twitter.com/AAAzizMisr
aaaziz.com

التعليقات (1)
الشيء
الأربعاء، 26-07-2023 12:18 ص
لا شعبا ولا قطيع أغنام ما هو هذا الشيء الذي يترك و يصمت و يخنع و أصدقائه من المرضى و النساء و العجائز يموتون يوميا في السجون بإسم التنظيم !! حتى الماسونية لم تفعله