قضايا وآراء

متى تعود السياسة إلى الحياة؟.. (ذكرى رحيله)

هشام الحمامي
جمال عبد الناصر "الزعيم الذي اختطف السياسة والسلطة من الناس"- جيتي
جمال عبد الناصر "الزعيم الذي اختطف السياسة والسلطة من الناس"- جيتي
من اليوم الأول لقيام الدولة القومية الحديثة، دولة ما بعد الاستقلال، والتي تولت السلطة فيها النخبُ العسكرية كما حدث في أغلب بلدان المنطقة، ودائما ما أتوقف مدهوشا سائلا ببراءة: كيف تقبّل المفكرون والمثقفون والإصلاحيون فكرة حكم الجيوش واستساغوها بكل هذه السهولة، وعلى هذا النحو المريع الذي تلوّن به وجه الحياة العامة في البلاد العربية، طوال النصف الثاني من القرن العشرين؟

على الرغم من أن السياسة كانت حاضرة بقوة في المجال العام قبل تلك الانقلابات، وصحيح أن جهدها الأكبر كان لفكرة الاستقلال وإخراج الاحتلال، لكن أنت في النهاية أمام "عقل يبحث عن المستقبل الأفضل" لبلاده وشعبه، وإخراج الاحتلال ليس هو كل المستقبل بطبيعة الحال.. بما يعني وجود كوادر وكفاءات قوية وذات حضور فاعل في المجال السياسي، لكي تتولى معضلة "اقتسام السلطة"، والتي هي ضرورة من ضرورات الحكم الراشد.. صونا لها وتوازنا بها.

* * *
على الرغم من أن السياسة كانت حاضرة بقوة في المجال العام قبل تلك الانقلابات، وصحيح أن جهدها الأكبر كان لفكرة الاستقلال وإخراج الاحتلال، لكن أنت في النهاية أمام "عقل يبحث عن المستقبل الأفضل" لبلاده وشعبه، وإخراج الاحتلال ليس هو كل المستقبل بطبيعة الحال.. بما يعني وجود كوادر وكفاءات قوية وذات حضور فاعل في المجال السياسي

في مصر، لم تكن التجربة الحزبية، ما قبل حركة الضباط سنة 1952م ثرية بالمعنى المتكامل للوصف المتعارف عليه لفكرة الحزب، لكنها كانت قابلة للبناء عليها، كانت هذه الأحزاب قد تأسست في الأصل حول الصحف الكبيرة التي كانت تصدر في تلك الفترة: "المؤيد" التي صدرت عام 1889 م وظهر منها حزب "الإصلاح على المبادئ الدستورية"، ثم "اللواء" عام1900م وخرج انبثق منها "الحزب الوطني"، ثم "الجريدة" التي صدرت عام 1907م و انبثق منها حزب "الأمة".

كانت تلك سنوات "ما بعد" ثورة عرابي 1882م، و"ما قبل" ثورة 1919م، الفترة التي تميزت باضطراب شديد وتوتر متصاعد.. فقد كانت مصر تحت الحماية البريطانية، وظلت كذلك طوال سنوات الحرب العالمية الأولى التي انتهت في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1918م.. وهي الفترة سيقدم المصريون فيها تضحيات كبيرة وغالية، وكان ذلك في حد ذاته "حرثاً للأرض السياسية" تمهيداً لظهور أحزاب، ودافعاً للناس للمشاركة في تقرير مصيرهم، ومصير أوطانهم.

* * *

في الفترة من 1919م-1953م كان "حزب الوفد" هو أكبر الأحزاب وأكثرها ارتباطاً بثورة 1919م بحكم نشأته في سياقها، والاسم نفسه إشارة للوفد المصري الذي تألف في تشرين الثاني/ نوفمبر 1918م عن طريق الوكالة الشعبية للمطالبة بالاستقلال، ورأسه سعد زغلول (ت: 1927م) بهدف السعي بالطرق المشروعة لاستقلال مصر استقلالاً تاماً.

وعلى هذا النحو نشأ الوفد كتجمع شعبي ووطني عام أكثر منه كحزب سياسي.. تحوله إلى حزب استغرق أكثر من خمس سنوات.. ثم ما لبث الوفد أن شهد انشقاقاته الشهيرة، وتصدعاته وانحرافاته واختراقاته.

كانت هناك أيضاً أحزاب "أقلية" بعضها مرتبطة بالملك والقصر، مثل حزب الاتحاد وحزب الشعب.. لكن كان هناك الحزب الوطني الذي استمر من التجربة الأولى (ما قبل ثورة 1919م) وكان أقرب الأحزاب لتيار الجامعة الإسلامية.. والذي سيتكون منه في بداية الثلاثينيات تيار سياسي وشعبي كبير يستند إلى "الفكرة الدينية" في التكوين والحركة (جماعة الإخوان المسلمين).

* * *

ورغم أن الحزب كان قائما وقت تأسيس الجماعة سنة 1928م، ورغم تاريخه المشهود والثابت في ارتباطه بـ"الفكرة الدينية"، إلا أن الجماعة ستحتاج 20 عاما لكي تنتبه إلى أهمية حضور هذا الحزب فيها، وحضورها في هذا الحزب، فكريا وتنظيميا وسياسيا..

جاءت حركة الضباط 1952م والتي سيساعدها التيار الإصلاحي، وسيفسح المجال واسعا أمام "الدبابة" لتشارك، ثم تنفرد بطبيعة الحال، بالسلطة التنفيذية. وسيكون هذا التيار هو أكثر من سيدفع الأثمان الباهظة جراء هذا "الخلل التاريخي" المريع، في وضع الأشياء في مكانها الصحيح، لتقوم بالدور الصحيح الذي يتطلب المكان، وفاء بحقه وقياما بأمانت
وسيكون الوقت قد مضى.. وستنزلق من كل الأيادي أهم وأخطر فرصة تاريخية، لتأكيد وتطبيق فكرة "العمل الإصلاحي" واسع المجال واسع الاختصاص، حيث التكامل والتخصص: إرشاد ديني وتربوي.. بناء فكرى وتعليمي.. تحرك سياسي وحزبي.. استثمار اقتصادي وتنمية.. في تعاون وتنسيق، بعيدا عن التداخل والتضييق.

* * *

جاءت حركة الضباط 1952م والتي سيساعدها التيار الإصلاحي، وسيفسح المجال واسعا أمام "الدبابة" لتشارك، ثم تنفرد بطبيعة الحال، بالسلطة التنفيذية. وسيكون هذا التيار هو أكثر من سيدفع الأثمان الباهظة جراء هذا "الخلل التاريخي" المريع، في وضع الأشياء في مكانها الصحيح، لتقوم بالدور الصحيح الذي يتطلب المكان، وفاء بحقه وقياما بأمانته..

سيتم حل الأحزاب السياسية "الثيران البيضاء!" ومصادرة أموالها لصالح الشعب، كما ذكر بيان الحل.. ولتدخل البلاد بعدها طويلا فيما سيعرف بــ"الحقبة اللئيمة".. لماذا هي لئيمة؟ لأننا لن نعرف أبدا "الحقيقة الصادقة" التي ستكون خلف الأحداث والأشخاص.. لن يكون هناك إلا اللؤم واللئام، يتحركون كثيرا، ويثرثرون كثيرا، ويكسبون كثيرا، ويفسدون كثيرا.

* * *

ستشهد هذه الفترة (مطلع الخمسينيات) التأسيس الأول لـ"الدولة العميقة" في كل قطاعات الدولة والمجتمع وسنسمع اسم "الصاغ زكريا محيى الدين" (ت: 2012م) يتردد بكثرة وتكرار، والذي سيرأس كل الأجهزة التي مكّنت "الحكم الفردي المطلق" تمكينا تاما وعنيفا.. الطريف أنه كان قبل ذلك، ومن فرط ولائه للنظام الملكي، قد نال وسام "محمد علي" الذهبي.. ولا تناقض فهذا هو دوره الذي اختاره لنفسه من اليوم الأول لخروجه للحياة العامة: أن يكون في "خدمة السيد".

نموذج "خدمة السيد" سيسود طويلا وكثيراً وغزيراً وبقوة بعد 1952 م، وستتكون لدينا طبقة سياسية صلبة اسمها "خدّام الأسياد" ستخدم كل الرؤساء بحيادية شديدة، في التعامل مع عهد كل سيد.. فالسيد هو السيد..

وسيكون لهذه الطبقة دورا رئيسا وخطيرا في إفشال الحياة السياسية ونزعها من المجال العام.. وتفجير أي تجمع وطني يتخذ مساراً سياسياً للمطالبة بحقه الطبيعي في المشاركة في الحكم والقرار ومصالح المستقبل.

لن تعود السياسة إلى الحياة إلا بعودة الحياة إلى الإنسان وعودة الإنسان إلى السياسة! وهو ما لن يتحقق إلا بــ"إصلاح" الاضطراب الشديد الذي أصاب "الشخصية المصرية" في سويدائها، من بعد تكوين "جمهورية 1952م"
بعد ثورة 25 يناير 2011م سيتم تأسيس ما يقرب من خمسين حزباً سياسياً.. ولا علاقة لها البتة لا بالحالة الحزبية (فكرا وتكوينا)، ولا بالحالة السياسة (ثقافة وممارسة).

* * *

يقول الباحثون إن أحد أهم أسباب تعثر محاولات الإصلاح السياسي بعد ثورة يناير هو ضعف "التجربة الحزبية"، وغياب الثقافة السياسية والتاريخية عن "التيار الإصلاحي" الذي رأى فراغا سياسيا واسعا، فتقدم ببراءة شديدة، لملئه دون أي تقدير لمرحلة "ما بعد" الملء.. الباقي سيكون تاريخ حاضر، سيلتحق فورا بتاريخ ماضي، ليتواصل المستقبل على نفس إيقاعه القديم.

* * *

لن تعود السياسة إلى الحياة إلا بعودة الحياة إلى الإنسان وعودة الإنسان إلى السياسة! وهو ما لن يتحقق إلا بـ"إصلاح" الاضطراب الشديد الذي أصاب "الشخصية المصرية" في سويدائها، من بعد تكوين "جمهورية 1952م".

نذكر ذلك في "ذكرى رحيله" 28 أيلول/ سبتمبر 1970م!.. رحيل من؟ رحيل "الزعيم" الذي اختطف السياسة والسلطة من "الناس"، وهشّمها وسحقها تحت أقدام ديكتاتورية مريعة، بمباركة شعبية.

twitter.com/helhamamy
التعليقات (2)
واحد من الناس... 52 لم تكن ثورة
الأحد، 01-10-2023 07:43 م
و عليكم قراءة مذكرات ما يعرفون بالضبط الاحرار مثل حمروش و محمد نجيب و غيرهم لتعرفوا كيف قاموا بالانقلاب ..... أما موضوع الإصلاح الزراعي و الخمس فدادين فكان تفتيت للملكيات الزراعية الغرض منه استمالة صغار المزارعين على حساب كبار الملاك فبدلا من انشاء نقابة للمزارعين لتحمي حقوقهم او استصلاح أراضي جديدة توزع عليهم بالمجان اختار العسكر سلب ما لا يملكون لتوزيعه على من يريدون تأييده السريع فكان تفتيت الملكيات و كل واحد حر التصرف في أرضه فظهرت عمليات التبوير و النتيجة تقلص الاراضي الزراعية و ظهور العشوائيات العمرانية بعد ما عواد باع ارضه .... و بالمثل قوانين الإيجارات التي أعطت للساكن ملكية مطلقة لوحدته السكنية المؤجرة مع بخس المالك حقوقه في ملكه فعزف الاغنياء عن بناء المساكن و ظهر بعد ذلك نظام الخلو و نظام التمليك و ازمة السكن حتى الآن.... كل هذا بسبب ان 52 كانت انقلابا و ليست بثورة فبدلا من التخطيط للتنمية الحقيقية أرادوا استمالة فئات من الشعب ضد من سموهم بالاقطاعيين بينما اخذ العسكر أنفسهم مكان هؤلاء الاقطاعيين فنهبوا مساكنهم و قصورهم و كل ضابط سكن في فيلا و أصبح من أثرياء البلد و بالتدريج طفت فئة العسكر على كل الفئات حتى انها ملكت اقتصاد البلد ككل .... و ابن الجنايني أصبح باشا من بشوات الاقطاع العسكري ببركة عبد الناصر تربية اليهود بحارة اليهود .... و بلحة من حارة اليهود ايضا و ما خفي كان أعظم.
أبو خالد
الأحد، 01-10-2023 04:44 م
لا أدري إن كان كاتب المقال سليل أسرة إقطاعية ذهب التأميم بأملاكها، أو سياسية كانت في خدمة الملك لكنها بقيام الثورة فقدت مكاسبها، وفي مقاله يتجاهل ما حققته ثورة 52 من مكاسب للشعب المصري ومساعدة لحركات التحرير في آسيا وأفريقيا، ويتناسى أن شخصية عبد الناصر التي لن تتكرر بعد أجيال، قد حققت الحلم العربي في الوحدة وكان ناصر ما زال في سنه الأربعين، كما يتجاهل الكاتب تشكيل كتلة عدم الانحياز التي هددت المعسكرين الشرقي والغربي بكتلة ثالثة أثبتت وجودها على الساحة الدولية، ولا أدل على انزعاج جميع الرؤساء العرب، أنهم فرحوا جداً بوفاته مسموماً على يد العميل أنور السادات، الذي وضع له السم في فنجان القهوة قبل يوم من وفاته، حسب تلميح حسنين هيكل في شهادته على العصر. هنيئاً لهشام الحمامصي، فقد مات عبد الناصر.