قضايا وآراء

المقاومة: هذا أنا.. ولن أكون إلا أنا

هشام الحمامي
يتساءل الكاتب: "لماذا يكذب نتنياهو بهذا الشكل الفاضح؟ هل لإنقاذ نفسه من المحاكمة؟"- إكس
يتساءل الكاتب: "لماذا يكذب نتنياهو بهذا الشكل الفاضح؟ هل لإنقاذ نفسه من المحاكمة؟"- إكس
سيتوقف التاريخ طويلا عند اختيار وصف "الطوفان" ليوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر، ليس فقط لارتباطه في الوعي الإيماني والإنساني بطوفان النبي نوح عليه السلام.. ولكن من كونه حالة يختلف ما قبلها عما بعدها اختلافا كليا، ومن تحويل المياه الراكدة حول قضية القضايا (الأقصى) إلى موج متلاطم وصل إلى آخر الأرض.. وليكتشف العالم بعده أن هناك قضية "عنف تاريخي" ضد الإنسانية يحدث في "مكان ما" على تلك الأرض.. اسمه "فلسطين".

* * *

وهذا ما جعل دولة من أقصى المكان (جنوب أفريقيا) تأخذ خطوتها الأكثر جرأة وشجاعة وكرامة في هذا القرن، بالذهاب إلى لاهاي/ محكمة العدل الدولية، والحديث عن تلك "الإبادة الوحشية" التي طالما ذاقت مثلها في غابر التاريخ ويلات وويلات..

وما أكرم النفس التي تهب لتنصر مظلوما، وترفع عنه ظلما، ذاقت مرارته وغصته طويلا طويلا من قبل..

ستتميز هذه المعركة الفاصلة في تاريخنا، بتصريحات تخرج من قيادات العدو تعبر تعبيرا كاملا عن واقع الحال، وبما يضفي على المشهد كله جميع أبعاده ومكوناته التاريخية والحضارية والاستراتيجية
وسنرى ألوان الظلم والطغيان والشراسة تحل على وزير الدفاع الإسرائيلي غالانت، يوم 8 تشرين الأول/ أكتوبر وهو يقول مخاطبا "حماس": "هل جننتم؟!.."، ويضيف: "إن رد إسرائيل في قطاع غزة، سيظل في الأذهان طوال السنوات الخمسين المقبلة، وسيغير الواقع لأجيال".

ستتميز هذه المعركة الفاصلة في تاريخنا، بتصريحات تخرج من قيادات العدو تعبر تعبيرا كاملا عن واقع الحال، وبما يضفي على المشهد كله جميع أبعاده ومكوناته التاريخية والحضارية والاستراتيجية، سمعنا نتنياهو وهو يقول عن طوفان الأقصى هذه "حرب النور مع الظلام".. وكان صادقا تماما، والأتم هو شعوره الداخلي الخفي بمن يمثل النور ومن يمثل الظلام..

وها هو غالانت يتحدث عن تغيير الواقع لأجيال، وهذا صحيح، وليس فقط لأجيال.. بل لكل الأجيال.

* * *

هذه المفارقة الكاشفة التي تتجلى في تصريحاتهم، لا يشابهها إلا تكرار قتل جنود الجيش الإسرائيلي (الذي لا يٌقهر) لبعضهم بعضا!

لكننا سنتذكر دائما أن هناك ما لا نعلمه عن بواعث الأقوال والأعمال، "وسع ربنا كل شيء علما" كما جاء في سورة الأعراف، والقاتل الأول الذي احتار في مصير جثة أخيه، القتيل الأول، لم يكن يعلم أن الغراب الذي كشف له عجزه كان "مبعوثا".. ولم يكن يبحث في الأرض عبثا.

غرور العقل فقط وقصوره، هو ما يجعل كل ما لا يدركه ويعقله "عبثا"؛ عبثا يشبه تكرار نتنياهو لكلامه في لجاجة فكاهية لا نظير لها والمتكرر عدو نفسه كما يقولون.. فالتقارير الميدانية الموثقة صوتا وصورة تقول حقائق تزاحم حقائق، وهو يخرج كل يوم ليقول أكاذيب تزاحم أكاذيب!!

لماذا يكذب بهذا الشكل الفاضح؟ هل لإنقاذ نفسه من المحاكمة كما يقولون؟ كلا.. فمهما تأجلت سيأتي يومها، ولكنه حرفيا ما زال هو وزملاؤه في سكرات الذهول مما حدث، ومما سيحدث، ومما سينتج من كل ما حدث وسيحدث.

غرور العقل فقط وقصوره، هو ما يجعل كل ما لا يدركه ويعقله "عبثا"؛ عبثا يشبه تكرار نتنياهو لكلامه في لجاجة فكاهية لا نظير لها والمتكرر عدو نفسه كما يقولون.. فالتقارير الميدانية الموثقة صوت وصورة تقول حقائق تزاحم حقائق، وهو يخرج كل يوم ليقول أكاذيب تزاحم أكاذيب!! لماذا يكذب بهذا الشكل الفاضح؟ هل لإنقاذ نفسه من المحاكمة كما يقولون؟ كلا.. فمهما تأجلت سيأتي يومها، ولكنه حرفيا لا زال هو وزملاؤه في سكرات الذهول مما حدث
* * *

وغالانت حين قال بكل صلافة وبلادة "لن يمكننا العيش في الشرق الأوسط إن لم ننتصر على حماس".. كان فعليا يستبق النتائج التي لاحت في الأفق القريب بوادرها.. وهو باعتبارات تاريخه ومركزه ومؤهلات وجوده في هذا المنصب يدرك الحقيقة التي هي الطبيعة التامة لما هو حقيقي وحتمي..

إذ إن "لعنة الثمانين" التي تحدث عنها نتنياهو وإيهود باراك من تلقاء نفسيهما، ودون أية ضغوط، وقبل "الطوفان"..!! ترفرف على رؤوسهم جميعا، فما بالك بعد أكثر من 100 يوم من الخيبات المتتالية للجيش الـ18 عالميا، وعلى يد عدة آلاف من المقاتلين وفي أرض محاصرة من 17 سنة، جيش تسنده أعتى قوة عالمية، وتمده بكل ما يريد ماليا وعسكريا ومخابراتيا وإعلاميا، ثم لا يملك القدرة على تحقيق أي هدف من أهداف حربه المعلنة..

قد يطاق الفشل مرة أو مرتين.. أما كل هذا الفشل.. فكيف يطاق؟

* * *

ليس هذا فقط، بل ستقول صحيفة "يديعوت أحرونوت"، إن تقديرات الجيش الإسرائيلي تشير إلى أن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في قطاع غزة لم تخسر قادتها، وإن أغلبية مقاتليها لا يزالون على قيد الحياة بعد 100 يوم من الحرب.

الجيش الذي "لا يٌقهر" يزعم كذبا أنه قتل 9 آلاف مقاتل في قطاع غزة، من بينهم نحو 50 من قادة كتائب القسام. وفي 14 كانون الثاني/ يناير أكد أبو عبيدة، المتحدث باسم المقاومة، أن ما يعلنه العدو من إنجازات عسكرية مزعومة خلال عدوانه على غزة هي أمور مثيرة للسخرية بالنسبة لنا.. وقال إن جيش الاحتلال تكبد خسائر باهظة تفوق تكلفتها ما تكبده في 7 تشرين الأول/ أكتوبر، وهو ما أكده موقع "ميدل إيست آي" من أن الإحصاءات الإسرائيلية بهذا الصدد "محض هراء".

* * *

لكن تبقى هنا نقطتان على قدر كبير من الأهمية الاستراتيجية وتتصل بألف صلة وصلة بهذا الصراع الكبير:

الأولى: أن موقف النظام العربي الرسمي الآن هو ما كان من قبل، بل كان أكثر ألما، إذ ستكشف لنا وثائق الخارجية البريطانية، أن عام 1993م شهد اعترافا بريطانيا بتأثير حماس في الساحة الفلسطينية، وتُرجم ذلك إلى حوار معها، وهو ما أثار غضبا وتحريضا من كل من إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية بزعامة الراحل ياسر عرفات!!

وفي ذاك العام نشب خلاف بين إدارة "التنسيق الأمني" الفلسطينية، وقسم الشرق الأوسط في إدارة البحوث والتحليل في وزارة الخارجية البريطانية بشأن توصيف حماس. وليس هناك "أوثق" من وثائق تخرج من الخارجية البريطانية بعد مرور 30 عاما على حظر نشرها.

والثانية: أن المقاومة في غزة صدقت مع نفسها، ومع تاريخ أمتها، حين قالت إنها "إسلامية".. إنه التاريخ الذي لا معنى آخر له سوى نفسه.. فماذا كانت تعني "حطين" صلاح الدين إلا القدس والأقصى؟.. وماذا كانت تعني "عين جالوت" قطز إلا وا إسلاماه؟

وهكذا أنا.. ولن أكون إلا أنا.. بل، ولسنا إلا كل شيء يجب أن يكون هنا.

twitter.com/helhamamy
التعليقات (0)