كتب

مستقبل القضية الفلسطينية في ظل الاستيطان الإسرائيلي.. قراءة في كتاب

اعتمدت الحركة الصهيونية في تنفيذ مشروعها الاستيطاني على دعم الأحزاب الإسرائيلية الدينية أو العلمانية، وذلك بعدما ربطت الاستيطان بنصوص وشعارات توراتية محرفة ومبتدعة..
اعتمدت الحركة الصهيونية في تنفيذ مشروعها الاستيطاني على دعم الأحزاب الإسرائيلية الدينية أو العلمانية، وذلك بعدما ربطت الاستيطان بنصوص وشعارات توراتية محرفة ومبتدعة..
الكتاب: مستقبل القضية الفلسطينية في ظل الاستيطان الإسرائيلي .
الكاتب: وائل عبد الحكيم محمد ربيع .
الناشر: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عام 2023م
عدد الصفحات: 288 صفحة .


تطور المشروع الاستيطان الصهيوني في فلسطين على مر العقود الماضية، وتركز الاستيطان اليوم على الضفة الغربية، ومدينة القدس، مع عزل قطاع غزة، وأسرلة مدن الداخل الفلسطيني وفق برامج اليمين الإسرائيلي المتطرف؛ الذي يعمل كل ما بوسعه لاقتلاع الشعب الفلسطيني، وإحداث انقلاب ديمغرافي في الضفة الغربية ومدينة القدس وإيجاد أغلبية يهودية على الأرض الفلسطينية.

وفق سياسة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، مثل بناء المستوطنات أكثر المعايير الإسرائيلية وضوحاً؛ كونها تعبر عن المخطط الإسرائيلي لبقائها على الأراضي الفلسطينية، فالمشروع الاستيطاني مشروع بقاء للاحتلال، والمستوطنات وجدت لتبقى ضمن سياسة الأمر الواقع، التي تعمل على خلق واقع ديمغرافي يصعب من خلاله إقامة أقل من دولة فلسطينية وفق المنظور الدولي، وهذا يبدو واضحاً في الضفة الغربية، التي حولت إلى ما يشبه الكنتونات المحاصرة بالمستوطنات، وأخذت في الآونة الأخيرة طابع الاستيطان الصناعي، والجدار العازل، والطرق الالتفافية التي التهمت نحو"800" كم من الأرض الفلسطينية، والحواجز العسكرية البالغ عددها أكثر من" 500 "حاجز عسكري ما بين الثابت والمتحرك.

أما عن هدف هذه الدراسة يقول ربيع: "دراسة الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، ومدى تأثيره على الحياة الفلسطينية، والوقوف على أهم المعوقات التي يضعها الاستيطان أمام قيام دولة فلسطينية مستقلة، ومواقف الأحزاب والحركات السياسية في إسرائيل من تلك المخططات"، لذلك شملت محورين أساسيين هما: سياسات الاستيطان الإسرائيلية خلال الفترة ما بين عام 2000- 2020م، مدعمة بالبيانات والإحصاءات لتؤكد أن جميع الحكومات الإسرائيلية باختلاف توجهاتها تنفذ مخططات استيطانية تهدف إلى الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وطرد الفلسطينيين منها، وعزل القدس والاستيلاء عليها مع حصار وعزل المدن والقرى الفلسطينية بما يستحيل معه إقامة دولة فلسطينية مستقبلاً خلال أي تفاوض، والمحور الثاني: رصد فيه الكاتب أثر الاستيطان على مجمل الحياة الفلسطينية، وفيه أثبت الكاتب عدم جدية إسرائيل في تحقيق تسوية سياسية تستجيب للحد الأدنى لمطالب الشعب الفلسطيني، بل أن المخططات والممارسات الإسرائيلية في الضفة والقدس عكست الحرص على هدم مقومات قيام الدولة الفلسطينية بالتأثير على الأرض والسكان اجتماعياً وتعليمياً وصحيا وأيضا تدمير بنية الاقتصاد الفلسطيني، كما اتبعت كافة الأساليب الملتوية لإحداث توزان ديموغرافي لصالح اليهود خاصة في القدس.

أثر السياسات الاستيطانية على مستقبل القضية الفلسطينية:

منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، تحول الاستيطان إلى قسمين، الأول: استعمار استيطاني، والثاني: استعمار استغلالي، يعمل من خلاله المستوطن السيطرة على الأرض، واخلاء سكانها منها، أو دمجهم ضمن مجتمع المستعمر، ويقوم ببناء دولة حديثة على الأرض المستولى عليها طبقاً لرؤيته، وهو ما نوه إليه الكاتب بالاستعمار في استراليا والولايات المتحدة، والمستعمر الاستيطاني لا يرتبط ببلده الأم التي أتى منها، ويرتبط بدول تحقق له الحماية والنفوذ إلى أن يقيم دولته، ويضيف أن المستعمر في حالة الاستعمار الاستغلالي، لا يسعى للاستيلاء على الأرض لأنه لا يريد الاستقرار بها، وإنما العودة إلى بلده الأصلي، ويقوم باستغلال ثروات الدولة المستعمرة، ويستغل السكان الأصليين في العمل لديهم، وتكون السيطرة عليه من البلد الأم التي تستفيد من ثروات البلد المستعمرة كالاستعمار البريطاني في الهند.

تم عزل القدس الشرقية بأطواق من المستوطنات، أخطرها الطوق الخارجي على الإطلاق؛ لأنه سيجعل الوصول الفلسطيني إلى القدس من باقي أنحاء الضفة الغربية شبه مستحيل،
لكن في الحالة الفلسطينية تماذج الاستعمار الاستيطاني والاستعمار الاستغلالي، ليشكل نوع ثالث من الاستعمار، حيث يريد المستعمر الصهيوني الأرض خالية من سكانها الأصليين، لإقامة مشروعه الجديد، في نفس الوقت هو في حاجة للسكان الأصليين لتوفير أيد عاملة رخيصة، واستحالة استيعاب أو دمج السكان الأصليين ضمن مجتمع المستوطنين الصهاينة؛ فالفرق بين المستعمرين لا تقوم على العرق أو اللون، وإنما على الديانة، وهو العنصر الحاكم في الحالة الفلسطينية.

أوضح الكاتب أن العلاقة بين المستوطن والفلسطيني الأصلي، تم تعريفها في خطاب ديني يهودي- عربي على أن العلاقة بينهما هي علاقة وجودية تتمحور حول الأرض، لكن العلاقة بين اليهودي الأشكنازي الأوروبي واليهودي الشرقي تم تعريفها وفق خطاب استعلائي، وليس اقصائي يقوم على التفوق الحضاري في حالة يهود اليمن أو العرقي في حالة اليهود الإثيوبيين.

تم اختيار مواقع المستوطنات وحجمها والطرق التي تخدمها طبقا لتخطيط وإدارة مركزية من قبل قيادة واحدة في وزارة التعمير الإسرائيلية بالتنسيق مع وزارة الدفاع، تستهدف حصار المدن العربية، كثيفة السكان وعزلها عن بعضها، وعزل التجمعات السكانية العربية في كنتونات منفصلة، مع توفير الاتصالات والحماية المتبادلة فيما بين المستوطنات بعضها ببعض، ولمزيد من السيطرة على الضفة الغربية تم تقسيمها لثلاث مناطق رئيسية الأولى منطقة أمنية شرقية على امتداد الأغوار، تفصل 22% من الضفة الغربية، والثانية المنطقة الأمنية الغربية، تفصل ما نسبته 23% من الضفة الغربية، والثالثة منطقة الوسط الفلسطيني أي منطقة المدن والتجمعات الفلسطينية الكبرى، وتبلغ مساحتها ما يقارب 55% من مساحة الضفة الغربية.

أما مدينة القدس فقد تم عزلها بالكامل عن محيطها العربي في الضفة الغربية، ومنع الفلسطيني من الوصول إليها تحت ذرائع أمنية، وطوقت المدينة من كل ناحية حتى أن المدينة المقدسة فقدت ما يقارب 90% من أراضيها لصالح مشاريع الاستيطان .

اعتمدت الحركة الصهيونية في تنفيذ مشروعها الاستيطاني على دعم الأحزاب الإسرائيلية الدينية أو العلمانية، وذلك بعدما ربطت الاستيطان بنصوص وشعارات توراتية محرفة ومبتدعة لجلب أكبر عدد من اليهود لاستيطان الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومن هنا تعددت الحجج والتفسيرات الصهيونية للاستيطان، وكل الحجج استهدفت تأمين الاستيلاء على مناطق واسعة من الأراضي المحتلة، واحكام السيطرة عليها وضمها إلى إسرائيل.

مراحل الاستيطان في الضفة الغربية:

1 ـ المرحلة الأولى (1967 ـ 1977م): تولى تنفيذها حزب المعراخ، متبعا استراتيجية  الاستيطان في مناطق أطلق عليها المناطق الأمنية، التي اختيرت بعناية وفق خطة "ألون"، التي استندت على توفير حدود أمنة عبر إقامة أحزمة استيطانية على امتداد تلك الحدود وفي الأماكن الاستراتيجية المسيطرة.

2 ـ المرحلة الثانية (1976 ـ 1993م): ازدادت فيها وتيرة إقامة المستوطنات التي قادها حزب" الليكود"، ونفذت عدة مشاريع استيطانية كبيرة شاركت فيها كافة الجهات التي تعمل في مجال الاستيطان، أبرزها ما أطلق عليه مشروع العمود الفقري المزدوج الذي وضعه أرئيل شارون، وفقاً لهذا المشروع ستكون إسرائيل بمثابة جسر يتكون من عمودين فقريين الأول: هو القائم الآن على امتداد السهل الساحلي، والثاني: هو الذي سيقام على امتداد نهر الأردن؛ بذلك ستكون المدن والقرى الفلسطينية محاصرة وسط الضفة الغربية بين هذين العموديين المكون من المستوطنات، ثم تبنت حركة غوش أمونيم مشروعها بزرع المستوطنات بين المدن والقرى العربية؛ بغية تفتيت التجمعات السكانية العربية، ولعل هذا ما يشير إلى سياسة تبادل الأدوار التي تمارسها الحركات والأحزاب والجهات القائمة على الاستيطان.

3 ـ المرحلة الثانية (1994 ـ 2018م): لم يتوقف فيها المشروع الاستيطاني، ولكن بأسلوب جديد ومرحلي، تمثل بتوسيع المستوطنات القائمة تحت مسمى احتياجات الزيادة الطبيعية للسكان، وتكثيف أعداد المستوطنين وزيادتهم دون إقامة مستوطنات جديدة إلى جانب تكثيف الاستيطان في القدس الشرقية.

بنهاية عام 2018م، وصل عدد المستوطنات إلى" 150 "مستوطنة، ونحو"128"بؤرة استيطانية،" 93" موقع عسكري، و"41" موقع خدماتي، وصناعي، وسياحي استيطاني يقيم فيها" 671.007 "ألف مستوطن بالضفة الغربية منهم"311.462" ألف مستوطن بالقدس، وهو ما عكس تسارع عمليات الاستيطان، وتحويل الميزان الديمغرافية لصالح اليهود مما قلل من فرص قيام دولة فلسطينية، يضيف الكاتب" بدأ إقامة البؤر الاستيطانية في حكومة أولمرت عام 2009م، ضمن المخططات الهيكلية للمستوطنات القائمة، وأصبح يطلق عليها اسم أحياء استيطانية، بهدف تضليل المجتمع الدولي والالتفاف على الضغوط الدولية للحد من توسيع المستوطنات "؛ إلا أن ظاهرة البؤر الاستيطانية تضاهي بخطورتها المستوطنات القائمة حيث سيطرة المستوطنون على مساحات شاسعة من أراضي الضفة الغربية، ومن ثم عملت حكومة نتنياهو عام 2018م؛ لتقنين أوضاع البؤر وتحويلها إلى مستوطنات شرعية، الأمر بدا يمثل نهج للحكومات الإسرائيلية لإبراز الوحدة الجغرافية للمستوطنات في الضفة الغربية، ولتوسيع الإقبال على السكن في المستوطنات قامت الحكومة الإسرائيلية بمنح تلك البؤر صفة مستوطنات ذات أفضلية قومية، وتوفير دعم غير مسبوق على كافة المستويات ومنح بلغت نحو30% من قيمة المشاريع، وتسهيل القروض بنسبة 40% من قيمة الاستثمارات، وانتهاءً بالإعفاءات الضريبية، وامتيازات متعددة في مجالات التعليم والإسكان، والصناعة، والزراعة، والسياحة.

تم عزل القدس الشرقية بأطواق من المستوطنات، أخطرها الطوق الخارجي على الإطلاق؛ لأنه سيجعل الوصول الفلسطيني إلى القدس من باقي أنحاء الضفة الغربية شبه مستحيل، فقد أحاطها من الشمال بكتلة بنيامين الاستيطانية جنوب رام الله، ومن الشرق كتلة معاليه أدوميم، ويعد مخطط الطوق الشرقي " E1" بمثابة سرطان استيطاني مستفحل يهدف إلى ملء الفراغ المتبقي في المنطقة الشرقية بين كتلة معاليه أدوميم والقدس الشرقية، ومن الجنوب سلسلة مستوطنات كتلة عتسيون بمنطقة بيت لحم.

المعركة القادمة بين الإسرائيليين والفلسطينيين يمكن تسميتها معركة خفية فيما يخص المياه الفلسطينية في الضفة الغربية، مما ينذر بمستقبل سيئ على الفلسطينيين إذ أن معظم المستوطنات أقيمت على خزانات المياه الجوفية في الضفة الغربية، بحيث يهيمن الاستيطان على 80% من المياه الفلسطينية
بدا واضحاً من خلال الدراسة تأثير الاستيطان على كافة مقومات التنمية في الضفة الغربية عبر السيطرة على موارد الأرض والمياه وباقي الموارد الفلسطينية الأساسية، التي من شأنها أن تعزز صمود الشعب الفلسطيني على أرضه، ومقاومة سياسة الاستيطان، وتقطيع أوصال الضفة الغربية وشرذمة المجتمع الفلسطيني في حين عملت السياسة الإسرائيلية على ربط المستوطنات بعضها ببعض من خلال الطرق الالتفافية.

يؤكد الكاتب أن المعركة القادمة بين الإسرائيليين والفلسطينيين يمكن تسميتها معركة خفية فيما يخص المياه الفلسطينية في الضفة الغربية، مما ينذر بمستقبل سيئ على الفلسطينيين إذ أن معظم المستوطنات أقيمت على خزانات المياه الجوفية في الضفة الغربية، بحيث يهيمن الاستيطان على 80% من المياه الفلسطينية، وهذا ألحق الضرر بمخزون المياه الجوفية أولاً، ثم أدى إلى حرمان القرى والمدن الفلسطينية من مخزون المياه، وهذا أثر سلباً على الحياة العامة الفلسطينية وبالذات في المجال الزراعي.

أثبت ربيع أن قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية أمر ممكن، فمساحة الأرض التي تقام عليها المستوطنات في الضفة الغربية تساوي ( 1.6%)، إلا ان المجال الحيوي للاستيطان بكافة أشكاله يؤثر على ما نسبته من( 45-85%) من مساحة الضفة الغربية، كما أن الجدار في غالبيته العظمى قد أقيم على أراضي الضفة الغربية، ويضيف أن الاستيطان أثر على مجمل حياة الفلسطينيين، وبالتالي فإن آثار الاستيطان تفوق بكثير حجمه على الأرض، فالخلايا الاستيطانية في الضفة الغربية تشبه الخلايا السرطانية التي لا تكمن خطورتها في حجمه، وإنما في الأثار التدميرية التي يلحقها بالجسم وكذلك الحال بالاستيطان في الضفة الغربية يلحق آثاره بمجمل الحقوق الفلسطينية ويقضي على مقومات الدولة الوطنية المنتظرة.

تمكن أهمية هذه الدراسة في ضمها لبيانات وتفاصيل دقيقة عما وصل إليه حال استيطان الضفة الغربية في السنوات الأخيرة، أوضحت مدى خطورة ما ينتظر القضية الفلسطينية خاصة مع تولى اليمين الإسرائيلي المتطرف مقاليد الحكم، وانزياح المجتمع الإسرائيلي بكامله نحو اليمين الديني المتطرف الذي يرى في كل فلسطين مشروع استيطاني، مما يعني إلغاء كامل للوجود والسيادة الفلسطينية في الضفة الغربية؛ لذلك هذه الدراسة من الدراسات النوعية التي لا غنى لأي باحث في الصراع العربي الإسرائيلي من الاطلاع عليها.
التعليقات (0)