كتاب عربي 21

ما الذي يحدث في دماج؟ .. حوثيون وسلفيون وقبائل (1)

1300x600
1300x600
يلخص ما حدث في منطقة "دماج" التابعة لمحافظة صعدة اليمنية النتائج الكارثية لقطع مسار الثورات في العالم العربي، ويبرهن على مصداق نبوءة سان جوست الثاقبة "أولئك الذين يقومون بنصف ثورة يحفرون قبورهم بأيديهم".

فمنذ انطلاق فعاليات الثورة اليمنية السلمية في 11 فبراير/شباط 2011 باتت منطقة دماج بمحافظة صعدة شمال اليمن ساحة للقتال بين مجاميع سلفية وأخرى حوثية، وعقب حصار خانق للبلدة نفذه الحوثيون منذ عدة أشهر، وبعد حرب المائة يوم الطائفية، تمكنت جماعة الحوثي من  السيطرة التامة على محافظة صعدة اليمنية، وباتت المنطقة مطهرة مكانيا وفق منطق ومصطلحات الحروب الهوياتية الجديدة.

الناطق الرسمي لأبناء دماج سرور الوادعي يصف المشهد وطبيعة التواطؤ الكارثي بقوله: "استمرت الحرب والحصار على أبناء دماج ما يقارب مائة يوم من قبل مليشيات الحوثي المدعومة من بعض الوحدات الجيش اليمني التي قامت بمنع دخول المواطنين والمواد الغذائية والطبية إلى دماج "، 

وبحسب الوادعي "بعد ذلك تدخلت الدولة ممثلة باللجنة الرئاسية ووضعت علينا شروط، حيث طلبوا منا تفويض الرئيس هادي ففوضناها بإرادتنا.. وعندما وافقنا طلبوا منا إما أن يغادر مشايخ وطلاب دار الحديث في دماج أو الحصار والموت، واضطررنا أن نستجيب للحكومة وفوضونا الأمر لله وخرجنا من منطقة دماج". 

أسفرت حرب المائة يوم الطائفية في دماج التي يبلغ عدد سكانها نحو 15 ألف، ويعيش حوالى أربعة آلاف منهم في المركز العلمي وغالبيتهم من الأجانب، وينتمون إلى نمط السلفية العلمية التقليدية التي لا تتدخل في السياسة، رغم أنّ المواجهات المسلحة في المنطقة دفعت العديد منهم إلى التدرب على حمل السلاح والمشاركة في القتال، عن تطهير مكاني مثالي، كلف سقوط 211 قتيل، وإصابة أكثر من 650 جريح، وهدمت 3 مستشفيات و8 مساجد، ومدرستان، ودمرت 361منزلا، وأدت لتهجير أكثر من 15 ألف شخص من أبناء المنطقة، ومن الطلبة في دار الحديث، وأصبحت محافظة صعدة نقيّة طائفيا لصالح الطائفة الحوثية وخالية من التعددية المذهبية التاريخية.

ما حدث في دماج لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة طبيعية لقطع مسار الثورة اليمنية التي خرجت في 11 فبراير/شباط 2011 للمطالبة بالتخلص من منظومة الحكم السياسية والاقتصادية والاجتماعية البائسة التي قادت البلاد إلى حافة الهاوية وأدخلته في حدود الفشل التام بزعامة علي عبدالله صالح، واستبدالها بنظام تعددي ديمقراطي يحقق العدالة والكرامة والمساواة، وبهذا جاءت المبادرة الخليجية  في 3 نيسان/ أبريل 2011 المدعومة ومقرة أمميا للالتفاف على مشروع الثورة، عن طريق ترتيب انتقال سلطات رئاسة علي صالح قانونا إلى نائبه عبد ربه منصور هادي في غضون 30 يوما، وتقام الإنتخابات رسميا في 21 شباط/ فبراير 2012، مقابل منح صالح وأسرته الحصانة من الملاحقة القضائية.

المبادرة الخليجية لم تكن أفضل الخيارات لتحقيق أهداف الثورة، بل حلا براغماتيا لإعادة انتاج السلطوية في اليمن تفتق عنه عقل الثورة المضادة محليا وإقليميا ودوليا وبمشاركة أطراف وطنية اقتنعت بالمبادرة كسبيل وحيد لإخراج البلاد من حالة الفشل، وتجاوز خيار الحرب الأهلية، وتجنب حالة الانهيار الشامل من النواحي الأمنية والاقتصادية، وقطع الطريق أمام المشاريع الفرعية داخل الثورة، التي تحاول استغلال حالة الانسداد والانزلاق نحو الحرب لخدمة مصالح جهوية وفئوية وقبلية ومذهبية خاصة كالمشروع الانفصالي في الجنوب، والمشروع الحوثي في صعدة، ومشروع القاعدة المتنامي أبين وشبوة وعدن والبيضاء ومأرب.
لا يمكن الفصل بين ما حدث في منطقة دماج بمحافظة صعدة من قيام جماعة الحوثي الزيدية الشيعية بتطهير المكان من السكان السنة  الذين يتبعون الاتجاه السلفي عن المشهد السياسي المحلي اليمني والإقليمي والدولي الذي يشهد ديناميكية تحولات بنيوية عقب ثورات الربيع العربي.

فالحوثيون بتطهيرهم دماج من السلفيين يفرضون أجندتهم على مخرجات الحوار الوطني، عبر فرض سياسة الأمر الواقع بالقوة المسلحة، ويعيد إنتاج الواقع محليا تمهيدا لأي تسوية سياسية قادمة تتعلق بتقسيم الأقاليم في الاتحاد الفيدرالي المزمع تطبيقه وفق مقررات الحوار الوطني.
وعلى الصعيد الإقليمي فإن التقارب الحوثي السعودي يؤشر على استراتجية جديدة تقوم على اشغال اليمن في حالة من الفوضى المنظمة، لتفادي دومينو الثورات وإعادة بناء الصراعات على أسس طائفية وإرهابوية، ويبدو هذا السيناريو هو الذي بات مفضلا  دوليا كما هو الحال في سوريا عقب صفقة جنيف بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران حول الملف النووي.

لقد شهدت صعدة قبل الثورة وبعدها ستتة جولات من الحروب مع الدولة المركزية في اليمن لأسباب متعددة، انطلقت الأولى في 20 حزيران/ يونيو 2004، وأسفرت عن مقتل مؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي في 10 سبتمبر/أيلول 2004 على يد القوات الحكومية والثانية في 19 آذرار/ مارس 2005، والثالثة في 12 تموز/ يوليو2005، والرابعة في 27 كانون ثاني/ يناير 2007، والخامسة في 10 أيار/ مايو  2008، والسادسة في 11 آب/ أغسطس2009، وهي الأطول والأعنف والأوسع، فقد استمرت حتى شباط/ فبراير 2010، واشتركت فيها السعودية إلى جانب الحكومة اليمنية بعد اقتحام الحوثيين جبل الدخان ومنطقة الجابر السعوديتين.

وجاءت هذه الجولة  عقب فشل اتفاقية الدوحة بين الدولة اليمنية والحوثيين المبرمة في 2008 شباط/ فبراير، وقد ساهمت الموجة السادسة من الحرب في تنامي قوة الحوثيين وزيادة نفوذهم، على حساب سيادة الدولة المركزية، الأمر الذي شجعهم على بسط سيطرتهم على المحافظة وفرض نظامهم الخاص في إدارة صعدة، وتمت إعادة تعيين كافة كوادر أجهزتهم بدءا  من المحافظ حتى صغار الموظفين.

المجتمع الدولي وفي مقدمته الولايات المتحدة وحلفائها المحليين والإقليميين باتوا ينظرون إلى اليمن عموما وما جرى في منطقة دماج بمحافظة صعدة خصوصا  من خلال منظور "سياسات الحرب على الإرهاب" من جهة، ومواجهة الثورات الحقيقية عن طريق استراتيجية "الثورة المضادة"  التي تعمل على إعادة بناء الدولة السلطوية لضمان الاستقرار النسبي وخلق حالة من الفوضى الخلاقة المنظمة وفق الوصفة الاستعمارية التقليدية التي يعاد انتاجها بتأجيج النزاعات على أسس هوياتية طائفية وأسس سياسية إرهابوية.

فعقب فشل السياسات المحلية اليمنية والإقليمية الخليجية والدولية الأمريكية في الحرب على "الإرهاب" الممثل بتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، يجري التعامل مع الحوثيين  كإرهابيين محتملين باعتبارهم مجموعة فرعية في الحرب على الإرهاب.
التعليقات (0)