مقالات مختارة

تحالف المطالبين بالإصلاح

سرمد الطائي
1300x600
1300x600
كتب سرمد الطائي: سياسي شيعي بارز يهمس في أذني: "الجميع يشعرون بحاجة لإصلاح وتغيير، لكن نجاح الأمر يتطلب تنازلات صعبة! وإذا حصل ذلك فسيكون الأمر ولادة سياسية جديدة للعراق، أمام أنفسنا، وأمام العالم كله".

تشكيل حكومة 2014 ليس مجرد تأليف وزارات وتوزيع مناصب وعطايا. ومشكلة انصار رئيس الحكومة المنتهية ولايته، انهم يفكرون حتى هذه اللحظة، بأن الخصوم يمكن شراء دعمهم بالعطايا ذاتها. لكن هذا لا يشمل مواقف الاطراف الكبرى التي خاضت اقوى المواجهات مع نهج الحاج ابي اسراء.

ان على طاولة رابع برلمان عراقي بعد سقوط صدام حسين (وانا هنا احتسب الجمعية الوطنية التي كتبت الدستور)، مجموعة تساؤلات مصيرية، ليس تشكيل الحكومة سوى اهون اجاباتها.

فأولا سنختبر بوضوح اكبر، حجم قدرات تحالف القوى المطالبة بالاصلاح، وهو تشكيل ظل متماسكا طيلة العامين الماضيين.

فحين التأم شمل هذه الاطراف في اربيل، قال كثيرون انه مجرد تجمع للناقمين على المالكي، وسرعان ما سينفرط عقده. لكن نحو 24 شهرا تمر على لقاء اربيل (اعتقد ان ذكراه الثانية تحل غدا 19 ايار)، تثبت مدى جدية تعبيره عن موقف احتجاجي عميق، عبر عشرات المناسبات داخل البرلمان وخارجه، وبات بوسعنا اليوم الحديث عن نحو 200 نائب منخرطين بشكل مباشر في قوى هذا التقارب السياسي العابر للطوائف، والمؤهلين لادارة اقوى المفاوضات في الداخل، ومع الخارج.

وثانيا، سيكون التعبير الصريح عن هذا التقارب والتكتل النيابي المطالب بالاصلاح، رسالة كبيرة تكشف لنا ان إحياء التسويات ومسار التهدئة، ليس وهماً رومنطيقياً، بل قناعة بجدوى السياسة في بلد اكلته حروب لا تحصى، وأثقلت كاهله هزائم لا تعد. اذ سيجتمع الفرقاء ليبرهنوا لنا ان في وسع ملايين العراقيين تخفيف انقسامهم، وتقليص اسباب الموت. وان العراقي ليس "فقاعة" نخضعها بسلاح من واشنطن او طهران. وان فن السياسة هدفه صوغ تنازلات صعبة محسوبة بدقة، لتهدئة الخواطر وتخفيف الازمات وتقليل الموت والفشل.

وسيعني هذا التقارب النيابي ثالثا، ان نظامنا السياسي مزود بضمانات لكبح اي مسار مجنون، ينحرف بالبلاد نحو اللاجدوى الدامية.. وان العودة للاستبداد حلم توقيته خاطئ، وان الديمقراطية قادرة على تصحيح زلاتها وتخفيف تداعياتها.

وفي هذا الاطار فان تصميم هذه الكتلة العابرة للطوائف، لمشروع تصحيح وانقاذ داخلي، سيوجه رسالة قوية، مفادها ان التنوع والتعدد السياسي، لن يبقى نقطة ضعف وفجوات وفراغ قوة، تتسلل عبره الارادات الاقليمية والدولية، للتلاعب بالمصائر. بل ان في وسع الاطراف الرئيسية ان تخلق من هذا التنوع، توحدا بالحد الادنى الضروري، يمثل موقفنا كجماعة بشرية تمتلك مصالح عليا مشتركة، وقادرة على تفاوض معمق مع الخارج، هدفه وضع حد لكوننا مجرد ميدان معركة، قد تشتهي ايران وخصومها في المنطقة وحسب الحاجة، استخدامه لتعديل موازين قوى، والتعامل معنا كطرف غير متماسك.

لقد تعودت احزاب كثيرة تقديم تنازلات للخارج، مقابل انتصار على الخصوم في الداخل. وكانت هذه وصفة خراب طيلة 11 عاما مضت. والجميع بما فيهم المالكي، ادركوا ان هذا المسار لن يؤدي بنا الى اي استقرار. ولذلك فان تشكيل الحكومة سيقول لنا الى اي حد سيمكن قلب المعادلة، عبر وثوق اكبر بمزايا الجغرافيا السياسية، واستعداد القوى المطالبة بالاصلاح، لتقديم تنازلات للداخل مقابل تقوية موقفنا التفاوضي مع الخارج، الذي لايزال يشتهي الاحتفاظ بنا كساحة لتصفية الحسابات الاقليمية.

سياسي شيعي بارز يهمس في اذني: "الجميع يشعرون بحاجة لاصلاح وانقاذ، لكن نجاح الامر يتطلب تنازلات صعبة! واذا حصل ذلك فسيكون الامر ولادة سياسية جديدة للعراق، امام انفسنا، وامام العالم كله".

اننا اذن لسنا امام توزيع للوزارات والعطايا، بل سنحدد ما اذا كنا ننتظر "ولادة الاصلاح" او موتاً مؤلما لمعنى السياسة، في منطقة لا تشبع من الموت.


(المدى العراقية)
التعليقات (0)