قضايا وآراء

نحو تأريخ منطقي حديث لمصر "1 من 2"

سيد أمين
1300x600
1300x600
أحيانا يقف الواحد منا حائرا وهو يفكر في المنحنيات الكبرى لتاريخنا العربي لاسيما الحديث منه، ويصل جراء ذلك إلى نتائج مرعبة نأمل أن تكون خاطئة، خاصة أن التاريخ كما هو معروف يكتبه المنتصرون، حيث صبغ تاريخنا بنكهة صناعه وهم فيما يبدو مدلسون، فلو كانت نخبة حكمنا تنتصر دوما لإرادتنا كشعب، ما صار حالنا هكذا.

فبريطانيا الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، فجأة ودون سابق إنذار تخلي مستعمراتها في الشرق وخاصة في وطننا العربي على وقع أنفلونزا انقلابات تأخذ شكل ثورات هزلية – على غرار ربيعنا العربي الآن والهزلي أيضا - لطالما مرت بها بريطانيا طوال تاريخها الاستعماري، وسحقنها باستخدام القوة المفرطة المعروفة بها، والسؤال لماذا لم تستخدم قبضتها الحديدية المعتادة لسحق تلك الثورات بضربة واحدة كما كانت تفعل من قبل؟ ولماذا ظلت تلك المستعمرات وفية لبريطانيا وربيبتها أمريكا وتدين لهما بالولاء حتى الآن؟

وهل لتطبيقات النموذج الثالث من نماذج مكيافيللي في الاستعمار شأن فيما حدث ولا زلنا نتجرع كأسه المر حتى الآن حينما نصح مكيافيللي أميره بأنه لو أراد غزو بلد ما وضمان دوام السيطرة عليه فيجب بعد احتلاله تنصيب حكاما تواليه من أهل هذا البلد يختارهم دون إرادة الأغلبية من أقليتهم بل من أحقر الناس فيهم ثم يرحل حيث سيظل هؤلاء الحكام الجدد يحتمون به من شعبهم ويسلبونه ليعطوه.

ففي مصر، ماذا كان المانع من أن يقوم الجيش البريطاني الذي يستولي على كل مقدرات البلاد، وكان يتحكم في القرار السياسي للملك، من اعتقال أو قتل كل "الضباط الأحرار" البالغ عددهم قرابة المائة ضابط؟ وهو يدرك جيدا أن تسليحهم يكاد يكون بدائيا بالنسبة للسلاح الذي يمتلكه، وكانت كتيبة واحدة من كتائبه تكفي لإنجاز هذا الأمر، أم إن الإنجليز كانت لديهم رغبة في التخلص من هذا الملك الذي كان يتوق لانتصار الألمان في الحرب العالمية الثانية لدرجة أنهم حاصروا قصره بالدبابات في نوفمبر 1942 من أجل تمكين حزب الوفد الخاسر في الانتخابات والموالي لبريطانيا من تشكيل الحكومة والبرلمان بالقوة من أجل تأمين ظهرهم في مواجهة قوات القائد الألماني روميل بليبيا.

أم أن أمر تشكيل تنظيم "الضباط الأحرار" جاء في إطار التجهيز للنظام الجديد الذي تعتزم أمريكا إنشاءه في مصر بعد جلاء الإنجليز منها دون طلقة نار واحدة عام1954، في إطار اتفاقية أبرمت عام 1951 بين بريطانيا وأمريكا تتنازل فيها بريطانيا عن مستعمراتها القديمة لأمريكا حيث ابتكرت الأخيرة استعمارا حديثا يتماشى مع طبيعتها ومع روح عصر التقنية المتطورة خاصة في الاتصالات والمعلومات يقوم على الاحتلال من خلال التصنيع والتجهيز والتحكم الدقيق في النخب العسكرية النافذة، كعوض عن الاستعمار التقليدي؟.

وما يعد قرينة تدعم هذا الزعم، أن مصر بعد 23 يوليو 1952 كانت تتجه سياسيا نحو أمريكا وظل الأمر كذلك حتى مطلع الستينيات حيث توجه عبد الناصر بمصر شرقا نحو الاتحاد السوفيتي بعد "أزمة تمويل السد العالي" فيما قد يفسر بـأنه انقلاب حميد قاده عبد الناصر ضد الراعي الأمريكي ودفع حياته ثمنا له بعد ذلك.

ومن القرائن أيضا، أنه في إطار إعداد "السادات" بالتاريخ النضالي المشرف ليكون حاكما لمصر – حسب اعتقادي الشخصي - تم توجيه السادات لقتل الورقة البريطانية المحروقة "أمين عثمان" ولم يتم القبض عليه حتى قيام الثورة المزعومة، لا من الإنجليز ولا الشرطة المصرية الموالية لهم، وظل يتنقل هنا وهناك دون خوف أو وجل، بل إن هذا الرجل "المطارد" راح يتعرف على جميلة الجميلات جيهان السادات ذات الأصول البريطانية ويتزوج بها رغم أنه من المفترض أنه هارب من الشرطة ومن الإنجليز، ورغم أنه فقير، ورغم أنه معاد للأغنياء وللإنجليز والباشاوات، ورغم أنه أصلا متزوج ولديه أطفال، ورغم أنه ليس بالفتى الوسيم الذي يمكن أن يكون حلما لفتاة أرسطوقراطية كجيهان السادات.

ثم حينما ينقلب عبد الناصر على الإرادة الأمريكية يجري تصعيد السادات بشكل متسارع بين رفقائه من الضباط الأحرار حتى يصبح نائبا للرئيس عبد الناصر، وهنا يسقط عبد الناصر ميتا ويتولى السادات حكم مصر وبدلا من أن تتحرر سيناء بعد حرب 6 أكتوبر نجده سلم مصر كلها لإسرائيل في كامب ديفيد وما تلاها وارتبط بها من التزامات حددها المفكر القومي محمد سيف الدولة في "الكتالوج الأمريكي الذي يحكم مصر" والذي يتضمن جعل سيناء رهينة دائمة لإسرائيل - وبيع القطاع لضمان عدم الإنفاق على الجيش، وإنشاء نظام اقتصادي موالي لأمريكا وإسرائيل من خلال المعونة التجارية الأمريكية وبرنامج صناعة الجواسيس، وصناعة مناخ سياسي يشترط في لاعبيه الاعتراف كامب ديفيد، وعزل مصر من محيطها العربي!!

ومن اللافت، أننا نجد لجيهان السادات ومن بعدها سوزان مبارك جذور نسب بريطانية، فضلا عما يشاع - ولا ندري مدى صحته - بأن للرئيس عبد الناصر جدة يهودية وأنه تربى في حارة اليهود بالجمالية قبيل سفر الأسرة للإسكندرية، ومن المعلوم أيضا أن قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي تربي أيضا في نفس الحارة وكان يسكن بجوار البيت الذي كان يسكنه شيمون بيريز رئيس وزراء إسرائيل الأسبق؟

والحقيقة أن المرء الغيور على جيش بلاده الوطني قد يجد نفسه مستاء من أن هذا الجيش الذي لم يحقق أي انتصار حقيقي يذكر في كل معاركه، ففي حرب فلسطين عام 1948 وجد جنودنا البواسل أنفسهم يحملون أسلحة تنفجر فيهم عند إطلاقها وكان قادة الجيش في مصر سواء أو الأردن والعراق متواطئون من أجل تحقيق النكبة وقيام دولة إسرائيل وليس العكس، وفي العدوان الثلاثي عام 1956 لم يجد المصريون في مدن خط القناة لجيش بلادهم أي وجود يذكر، حيث تركوا نهبا للعدوان الثلاثي، لولا المقاومة الشعبية التي شكلوها هناك والموقف الروسي لسحقوا سحقا.

وفي 1967 انتكس جيش مصر نكسة ما كانت تليق بتاريخها خاصة أنها تأتي من جيش دويلة عمرها 19عاما فقط، وفي أكتوبر 1973 حقق المصريون نصرا تاريخيا - بسبب كثرة الهزائم التي تعرض لها - سرعان ما سلب منهم قبيل انتهاء شهر أكتوبر ذاته، وبعد أن سلب هذا النصر حدثت عملية تسليم مصر لإسرائيل في كامب ديفيد، وهزيمة مصر في نهاية حرب أكتوبر هو ما قاله حرفيا المشير سعد الدين الشاذلي بطل هذه الحرب وغيره الكثيرون وهو ما قاله من الناحية الأخرى الكثيرون وكان آخرهم رئيس الأركان الحالي، بيني غانتس، الذي كان رئيس الأركان الأول بعد عام 1973 حيث لم يشترك بهذه الحرب، فقد كان في المرحلة الإعدادية من دراسته أثناء نشوب الحرب.

 في السنة القادمة، صرح غانتس بشكل قاطع فيما يتعلق بهذه الحرب، حيث قال: "إن حرب تشرين بدأت كوسيلة دفاعٍ لصد العدو، وتحولت، فيما بعد، إلى انتصار كبير للجنود". وهو بالتالي ما يلقي بظلال من الشك حول هذه الحرب ودور السادات فيها وفي الانتكاسات السياسية الرهيبة التي حدثت بعدها، وكذلك يطرح شكا كثيفا حول السبب الذي جعل قادة الجيش الجديد "جيش كامب ديفيد" يتخلصون من السادات وعما إذا كان هذا الفعل يأتي في إطار إنقاذ البلاد من التوغل في اتفاقية الاستسلام أم الدفع نحو مزيد من التوغل في تطبيق هذه الاتفاقية وتثبيت للمشهد على صورة كامب ديفيد لمدة ثلاثين عاما تالية؟

وفي الحقيقة التساؤلات لا تقتصر حول أركان النظام السياسي بعد 1952 فقط، ولكن تمتد أيضا لتشمل كل قادة تاريخنا المصري في مطلع القرن العشرين وما قبله بدءا من أحمد عرابي الذي اعتبره شخصيا الرمز المصري الوحيد الذي مجده التاريخ بما يستحق وإن كانت ثورته "الثورة العربية "خرجت في الأصل لمطالب فئوية خاصة بالجنود المصريين في الجيش وكانوا آنذاك قلة تمثل الطبقات الدنيا من الجيش إلا أن عرابي استطاع أن يأخذ منصب كبير بسبب كونه الجندي الوحيد الذي نجا من الموت في حرب غير مبررة أرسلهم الخديوي إليها في الحبشة، لكن تلك الغضبة تطورت لتكون ثورة للدفاع عن استقلال مصر، ثم خسرت القوى الوطنية المعركة، وسقطت مصر تحت نير الاحتلال بسبب خيانة الخديوي والبدو والأجانب فضلا عن الجهل المتفشي آنذاك بين المصريين.

فخذ مثلا سعد زغلول باشا تم ترسيمه بالزعامة ليقودوا من خلاله طوائف المصريين، فالرجل الذي فوضه الطلاب للحديث باسم مصر في طلب الاستقلال بعد الحرب العالمية الأولى بعدما رأوا نفوذه عند سلطة الاحتلال وتقديرهم له، وجدناه يذهب للمفاوضات ويعود خاوي الوفاض، ولما صعد الطلاب مطالبهم بدستور جديد بنص على الاستقلال التام لمصر، وجدنا دستور 1923 الذي يعلن استقلالا اسميا لمصر دون أن يترجم ذلك على أرض الواقع، وبدلا من تصاعد الحراك المنادي بتحقيق "الاستقلال التام أو الموت الزؤام" وجدنا الحراك الطلابي يكتفي بمعارك تشكيل الحكومات تحت نير الاحتلال.

كما أنني لا أفهم كيف يكون الواحد منا مناضلا بينما يكون شقيقه هو القاضي الذي لبى مطالب الاحتلال في إعدام فلاحي دنشواي، أليس هذا الرجل تربى معه في "بيت الأمة" حتى إن هذه التسمية لبيته كانت كما وردت في عدة مصادر شعار رفعه طالب تشاجر مع طلاب آخرين أثناء اجتماع طلابي أمام منزل سعد زغلول وحينما طالبهم زغلول بالانصراف، راح الفتى يتخلص من الحرج صائحا "هذا ليس بيتك ولكنه بيت الأمة" هنا التقط زغلول وأنصاره الخيط ليكرسوا الشعار لإتمام مراسم الزعامة.

وهناك أيضا مصطفى كامل باشا ومحمد فريد باشا حيث نجد كتب التاريخ تعج بإضفاء مراسم النضال عليهما دون أي مبرر لذلك فكلاهما مع سابقهما مترفون مقربون للسلطة الحاكمة في الداخل فتكرمت عليهم بالبشرية ومقربون للاحتلال فسافروا ليناضلوا في ضيافته، وأتيح لهم من النعيم ما لم يتح لملايين من المصريين الذين ناضلوا وعانوا وماتوا في صمت، دون أن يذكر التاريخ حرفا واحدا عنهم.
1
التعليقات (1)
محمد الأشول
الجمعة، 10-10-2014 04:15 م
سلمت يمينك

خبر عاجل