مقالات مختارة

نزف الذاكرة الفلسطينية

أسعد عبد الرحمن
1300x600
1300x600
عشت في كنف «حبيبتي بيروت» سنوات طوال من عمري توليت فيها مسؤولية جسيمة إبان «انتفاضة المخيمات» في عام 1969، غير أنني لم أشهد فترة «الحرب الأهلية» حيث كنت أخوض غمار «حرب أكاديمية» للحصول على الدكتوراه في كندا؛ ولذلك، كم استمتعت وأنا أقرأ مذكرات كل من فتحي البس «انثيال الذاكرة: هذا ما حصل»، ود. شفيق الغبرا «حياة غير آمنة -جيل الأحلام والإخفاقات». والكتابان، بتتابعهما الزمني، يشكلان مرجعين مهمين عن تلك الفترة، وخاصة بشأن مواقف القيادة الفلسطينية من تلك الحرب، وكيف دُفِعت لها دفعاً، سواء عبر مواجهة جيش الاحتلال الإسرائيلي، أو المواجهة مع سوريا، أو الاقتتال مع جهات لبنانية عديدة.

الكتابان، شهادتان مباشرتان من شاهدي عيان على سنوات العمل الفدائي الفلسطيني في بداية السبعينيات، وعلى الأخص تجربة مناضلي «السرية الطلابية» التي تحولت فيما بعد إلى «كتيبة الجرمق» وهي بحق محاولة يحمدان عليها في سبيل توثيق تاريخي، ورسم الرواية الفلسطينية على لسان أصحابها، الذين انخرطوا في ميادين المعارك. فقد أبرز الكاتبان أهمية «الكتيبة» في التاريخ النضالي الفلسطيني لحركة «فتح»، بعد أن كانت تروى على الألسن دون توثيق. وهي بحق تجربة رائدة كنت شاهداً مباشراً على بعض جوانبها (في بداياتها 1969/1970) وعلى من أصبحوا قادة في «السرية» الطلابية حتى أصبحت «كتيبة» لاحقاً، وأيضاً شاهداً على جوانب (في نهاياتها 1982/1983) عندما كنت أمين سر لجنة الوفاق الوطني برئاسة الراحل الكبير إبراهيم بكر، فزرنا دمشق مراراً في محاولة لرتق الفتق في داخل «فتح» عندما وقع الانشقاق في 1983، حيث كان بعض هؤلاء ممن لهم علاقة بـ«السرية»- «الكتيبة».

«السريّة الطلابية» التي تحولت إلى «كتيبة الجرمق» (نسبة إلى جبل الجرمق وهو أعلى قمة في فلسطين، باعتباره يرمز لتحرير كامل التراب الفلسطيني)، كان لها دور مميز في التطورات التي شهدها لبنان بين مطلع سبعينيات القرن الماضي حتى «الخروج» من لبنان 1982، وكانت أكثر من تجربة عسكرية، بل كانت مساحة لسجال الأفكار وتفاعلها من اليسار إلى اليمين، وأكثر من تجربة فلسطينية إذ كان فيها لبنانيون من الطوائف جميعها، ومن جنسيات عربية وغير عربية، سادت بينهم روح قيل إنها طوباوية مثالية إيثارية، تجلت في المعارك التي خاضتها.

نعم، كان فيها قدر كبير من الطوباوية والمثالية والإيثارية، ولكنها «علامات صحة» إذا ما قورنت بما تلاها من واقعية مبتذلة، وتجاوزات ضربت فقرات أساسية في «العمود الفقري» لكل عمل كفاحي، ناهيك عن انتشار نقيض «الإيثار» متجسداً في خليط من الانتهازية والمصلحية على الصعيدين العام والخاص.

ما تزال قصة «كتيبة الجرمق» في حركة «فتح» تنعش ذاكرة جيل بكامله، وتستدعي حكايات شائقة عن مجموعة من المناضلين الرواد الذين قدموا تضحيات كبرى، وطبعاً متفاوتة، في سبيل فلسطين، وضربوا أروع الأمثلة في البطولة والتجرد والالتزام. ولذا، أراني أحض قائد «الكتيبة» معين طاهر، على كتابة تاريخ هذه «الكتيبة»، لأنه شاهد على تجربة الانشقاق كلها، وبهذا يكتمل هذا المثلث مع كتابي فتحي البس وشفيق الغبرا. وأكاد أجزم بأن تجربة معين هي الأهم، وكذلك شهادته. وننتظر... لنرى.

وميزة الكاتبين أنهما، نسبياً، من جيل الشباب. كانت في حوزتهما أمانة (تجربتهما) وأوفيا بها للأجيال القادمة. ولكن المفارقة أن فتحي البس هو ابن مخيم ذاق شظف العيش، فيما شفيق الغبرا من أسرة ثرية. ولكنها حكاية جيل عانى وكابد وتحدى مما جعل الوطنية الفلسطينية فوق الواقع الطبقي. إن تسجيل تجربتهما يجعلني أكثر إصراراً على استمرار مناشداتي القديمة- الجديدة إذ انبرى لساني حاضاً كبار السن من السياسيين الفلسطينيين والشخصيات العامة على كتابة مذكراتهم، ولكن بكل أسف، فإن النزر اليسير فقط فعلوا ذلك. فليكتبوا حتى لو لم تكن مذكرات شاملة، بل مذكرات جزئية تتناول حدثاً ما دون غيره، ففي ذلك مصلحة للأجيال القادمة.

الكتابان سلسان يقرأهما القارئ بشوق كبير، وخاصة كتاب فتحي البس الذي لم «يعتذر» عن الخوض في «غراميات» له ولغيره. وتبقى لي ملاحظة بسيطة تتعلق بعنوان الكتاب، حيث أرى أن يجعل العنوان الفرعي «هذا ما حصل» عنواناً رئيسياً (في الطبعات اللاحقة)، ذلك أن عنوانه الرئيسي «انثيال الذاكرة» غير مفهوم إلا للضليعين في اللغة وقد فحصت العنوان في أوساط مواطنين متعلمين كثر.. ولم يفهموا المقصود!

وبيت القصيد في تجربة «كتيبة الجرمق» أنها جاءت لتؤكد أن العمل الفدائي والعمل الحزبي نوعان: نوع مبني على التبرع والعمل الطوعي، وآخر عمل يتحول فيه الفرد إلى موظف! وهذا النوع الثاني هو ما أصبح سائداً -مع الأسف الشديد- منذ منتصف الثمانينيات، حتى رحيل أغلب العمل الفدائي الفلسطيني من لبنان على قاعدة غير ملائمة كانت تقول في البدء «مال الثورة للثوار»، فوصلت في حالات كثيرة حد الارتزاق من الثورة! وحقاً، من الناس من «يعيش للثورة»، ومنهم من «يعيش على الثورة»!



( نقلاً عن صحيفة الاتحاد الإماراتية)
التعليقات (0)