مقالات مختارة

إسكتلندا وجدلية التهميش المقلوب

عبد الوهاب الأفندي
1300x600
1300x600
(1) 

في الشهر الماضي، قمت برحلتي السنوية إلى جامعة إدنبرة للمشاركة في اجتماعات مجلس أمناء أحد مراكزها. ولأن هذه أول زيارة لي إلى حاضرة إسكتلندا بعد الأحداث التي هزت ذلك الإقليم ومعه بريطانيا العظمى خلال استفتاء العام الماضي وانتخابات هذا العام، حرصت على استقصاء كل آراء من التقيت بهم حول تلك الأحداث الجسام وتوابعها.

(2)

بدأت بسائق التاكسي الذي نقلني من المطار، فسألته إن كان صوت للانفصال عن بريطانيا، فأجاب بغير تردد بأنه صوت للوحدة. فسر موقفه بالقول بعدم ثقته بأن دعاة الانفصال قدروا التكلفة المالية حق قدرها. فالأرجح عنده أن اقتصاد الإقليم كان سيتأثر سلباً بالاستقلال. وختم قائلاً: في اعتقادي أن هذا المقترح جاء متأخراً أكثر من مئتي عام.

(3)

المعروف أن سكان إسكتلندا هم حوالي 8.4 بالمئة من جملة سكان بريطانيا (5.3 مليون)، ومع ذلك فإن النفوذ الاسكتلندي في الشأن البريطاني في تعاظم. ففي العقد الماضي، كان رئيس الوزراء ووزير المالية كلاهما من إسكتلندا، وكذلك رؤساء معظم الأحزاب الكبرى، وعدد غير قليل من كبار رجال المال ومديري المصارف ورجال الإعلام، والنخبة البريطانية عموماً. 

وقد بلغ الأمر حداً أن الإنكليز الذين يمثلون الأغلبية الساحقة من سكان المملكة المتحدة أخذوا يطالبون بـ «الحكم الذاتي»، إما عن طريق برلمان مستقل أو حصر التصويت على القضايا التي تمس إنكلترا وحدها على نوابها دون غيرهم. فلماذا يشكو الإسكتلنديون إذن من التهميش ويطالبون بالاستقلال؟

(4)

المفارقة هي أن النزعة الانفصالية في إسكتلندا ظلت حتى وقت قريب هامشية لا تدعمها سوى أقلية. ويعود هذا إلى الدور المتقدم الذي لعبه الاسكتلنديون في بناء الإمبراطورية البريطانية، حيث جاء ثلث حكام المستعمرات وقطاعات معتبرة من الجيش البريطاني من الإقليم، ونعمت إسكتلندا بالثروات التي جلبتها المستعمرات. وقد كان قطاع كبير من فلاسفة ومفكري عصر التنوير ورواد الاقتصاد في بريطانيا من إسكتلندا.

(5)

لهذا لم تكن مصادفة أن بروز النزعة القومية في إسكتلندا تزامنت مع انحسار الإمبراطورية وغروب شمسها في الستينات، وهو ما تصادف أيضاً مع اكتشاف النفط في بحر الشمال، وشكوى الإسكتلنديين من أن نصيبهم في عوائده لم يكن عادلاً. 

ولكن العامل الحاسم في صعود التيار القومي كان سياسات حزب المحافظين النيوليبرالية تحت مارغريت ثاتشر، وما سببته من انهيار للقطاع الصناعي في إسكتلندا، وارتفاع البطالة والفقر. وقد انحسر الدعم للمحافظين من نصف النواب في عام 1955 إلى نائب واحد في التسعينات، حتى أصبح البعض يتندر بأن عدد حيوانات الباندا في حديقة الحيوان الاسكتلندية أكثر من نواب المحافظين منها. وثار التساؤل: كيف تحكم إسكتلندا من قبل حزب لم تصوت له؟ وأي ديمقراطية في هذا؟

(6)

بعد مجيء حزب العمال للسلطة في عام 1997، اجتهد في الاستجابة لمطالب الاسكتلنديين، فأقر الحكم الذاتي وقيام برلمان منفصل. ولكن هذه التطورات عززت النزعة القومية ولم تضعفها. ويعود هذا أولاً للأداء المتميز لنواب الحزب القومي الاسكتلندي، في وقت اتبعت فيه قيادة حزب العمال توجهات يمينية متزايدة. 

كما أن سياسات توني بلير المولية للمحافظين الجدد ومغامراته في العراق لم تجد القبول في إسكتلندا. ومع ذلك احتفظ حزب العمال بغالبية نواب اسكتلنديا (41 من 59) حتى انتخابات أيار/مايو المنصرم، كما لعب رئيس الوزراء العمالي الأسبق غوردون براون ووزير ماليته دوراً حاسماً في إنجاح الحملة الرافضة لانفصال اسكتلنديا.

(7)

من هذا المنطلق، لا ينبغي فهم النصر الكاسح الذي حققه الحزب القومي في الانتخابات الأخيرة (حيث حصل على 56 مقعداً من 59، ولم يبق لحزب العمال سوى مقعد واحد) على أنه انتصار للنزعة القومية الانفصالية. بل بالعكس، تشير الاستطلاعات إلى تراجع في النزعة القومية، وهبوط نسبة من يقولون بأنهم إسكتلنديون فقط من الثلث إلى الربع خلال الفترة الأخيرة. ولكن ما حدث هو ظهور ما يمكن وصفه بأنه قومية «ما بعد حداثية»، تتمحور حول الإعجاب بشخصية زعيمة الحزب الجديدة نيكولا ستيرجيون، وأطروحاتها اليسارية في وقت انتكس فيه حزب العمال إلى مواقف يمينية أو يسارية خجولة.

(8)

ولكن المفارقة (التي أشار إليها أول محدث في إدنبرة) هي أن «اشتراكية» إسكتلندا، وسياساتها الاجتماعية السخية (مثل التعليم الجامعي المجاني) تمول من عائدات رأسمالية بريطانيا «المتوحشة». وبريطانيا هي التي تولت إنقاذ بنك إسكتلندا. فلو أن الإقليم استقل لربما يصبح في وضع مثل اليونان اليوم التي تحكمها حكومة يسارية متطرفة تتسول العطاء من معاقل الرأسمالية وقلاعها. 

ويذكر هنا أن إسكتلندا توحدت مع إنكلترا طواعية عام 1706، وقبل حل برلمانها والدخول تحت التاج البريطاني تحديداً لأن اقتصادها كان على شفا الانهيار، ولم تقبل إنكلترا مد يد العون إلا بشرط الوحدة.

(9)

يمكن إذن الحديث عن «تهميش مقلوب» في الحالة الاسكتلندية. فالاسكتلنديون كانوا ولا يزالون أصحاب نفوذ كبير في تشكيل بريطانيا فكرياً وسياسياً واقتصادياً. ولكن يبدو أن النخبة الاسكتلندية قد انفصلت نوعاً ما عن بقية طوائف الشعب، وخاصة الشرائح الأفقر، وأهم من ذلك، فئة الشباب. فكسبت هذه النخبة بريطانيا وخسرت إسكتلندا. وفي هذا عبرة لآخرين ممن يتحدثون باسم فئات تعاني التهميش، ولكنهم يفسرون التهميش بعدم حصولهم هم شخصياً على المناصب ومشاركتهم في المنافع.



(نقلا عن صحيفة القدس العربي)
التعليقات (0)