قضايا وآراء

الاصطفاف الثوري.. حقائق وأوهام

قطب العربي
1300x600
1300x600
هل أصبح مفهوم الاصطفاف الثوري سيئ السمعة إلى حد وصفه بـ"الإسفاف الثوري" كما حلا للبعض؟ وهل يرى هذا البعض -الذين نحسن الظن بهم- أن الأوضاع الحالية للثورة في أفضل حالاتها، ولا تحتاج إلى رفاهية الاصطفاف؟ وهل يرون أن بإمكان الحراك الحالي حسم الأمر وكسر الانقلاب منفردا دونما حاجة للتعاون والشراكة مع أطراف أخرى؟ وهل هذه الأطراف الأخرى جاهزة لهذا التعاون فعلا أم أنها لاتزال هي الأخرى تعيش في وهم العمل المنفرد؟ وهل الاصطفاف يعني كما يروج البعض الدخول في تسوية سياسية مهينة مع النظام والتنازل عن الثوابت أم أنه يستهدف تقوية الصف الثوري للتعجيل بإسقاط الانقلاب؟!

هذه الأسئلة وغيرها تدور حاليا بسبب الهجوم المتصاعد الذي يتعرض له الداعون للاصطفاف الثوري في كل الجبهات، من المؤكد أن المرارات في النفوس لاتزال كثيرة بين رفاق الميدان الذين يتهمون بعضهم بعضا بالتخلي عن الثورة والتعاون مع العسكر، ولكن هذه المرارات لا تساوي شيئا أمام أنهار الدم التي تتدفق من المصريين على يد عصابة الانقلاب، وهي لا تساوي شيئا أيضا أمام السجون المكتظة بعشرات الآلاف من خيرة رجال ونساء وشباب مصر أبناء ثورة يناير سواء كانوا إسلاميين أو ليبراليين او يساريين، ولا تساوي شيئا أمام انهيار الوطن بأكمله على يد عصابة الانقلاب.

لنكن صريحين مع أنفسنا ومع الآخرين فالاصطفاف ليس ترفا ثوريا بل هو ضرورة ملحة للتقدم بالثورة إلى الأمام على طريق الإجهاز السريع على الحكم العسكري، ولنكن صرحاء أن القوى الإسلامية وفي القلب منها جماعة الإخوان لن تستطيع بمفردها حسم الأمر سريعا، قد تستطيع ذلك ولكن على مدى زمني أطول وبتضحيات أكثر، ووفقا لتوافر عناصر قوة جديدة تستطيع بها مواجهة الآلة العسكرية والأمنية الحالية للنظام، كما أن القوى الثورية الأخرى -ليبرالية أو يسارية- لا تقوى منفردة على مواجهة هذا النظام ولن تستطيع إسقاطه بدون مشاركة الإخوان وغيرهم من الإسلاميين، ولنعترف جميعا أيضا أنه رغم حالة الضعف التي يمر بها النظام إلا أن الصف الثوري لايزال أضعف منه مع كل التحية والتقدير للثوار الذين لم يتوقفوا عن مظاهراتهم وتحركاتهم الميدانية على مدى أكثر من عامين.

الاصطفاف ليس فعلا فاضحا نستحي منه، بل هو ضرورة الضرورات، وهو ليس انبطاحا كما يحاول البعض تشويهه، ولكنه قوة جديدة تضخ في الجسد الثوري فتمكنه من الإجهاز على الثورة المضادة، خاصة إذا بني على أسس واضحة، وهي لا تخرج عن مبادئ ثورة يناير ومكتسباتها، هنا يقفز إلى الأذهان مباشرة الشرعيات الثلاث (دستور 2012، والبرلمان والرئيس الشرعي المنتخب) أما الدستور فقد كان محلا للنقاش حول التعديلات المطلوبة فيه والتي ذكرها الرئيس مرسي في خطته التي أعلنها في آخر خطاب له، وأما البرلمان وتحديدا مجلس الشعب فقد أقر الرئيس مرسي بنفسه حله في نهاية المطاف، تبقى النقطة الأخيرة وهي شرعية الرئيس مرسي نفسه، وفي اعتقادي أن هذه النقطة ينبغي النأي بها عن أي حديث للاصطفاف، وليتم التركيز على المشتركات الأخرى وهي كثيرة، ولنتعاون فيما اتفقنا فيه وليعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه وربما كان هذا هو جوهر بعض الوقائع التي تستهدف تجميع الفرقاء على الحدود الدنيا من المشتركات مع ترك الأمور الخلافية للحوار.

نقطة البدء هي وجود إرادة الاصطفاف والحرص عليه، واليقين بأنه ليس غاية في ذاته بل هو لطريق الأسرع لتحقيق الهدف، وحين تتوفر تلك الإرادة لدى الجميع يمكن البدء بالتعاون في مشتركات الثورة وهي كثيرة بدءا من مبادئها العامة (عيش – حرية - كرامة إنسانية - عدالة اجتماعية) وانتهاء بضرورة القصاص للشهداء، وعلى هذه القواعد ستتسع قاعدة الاصطفاف لتشمل كل من يؤمن بهذه المبادئ من إسلاميين ويساريين وليبراليين، وليعترف كل منا للآخر بتمايزاته الخاصة التي يعبر عنها منفردا، وحين تتوفر إرادة الاصطفاف أيضا فإن أشكال هذا الاصطفاف ستتنوع ولن تكون بالضورة شكلا واحدا يتمثل في التظاهرات المشتركة مثلا، وإن ظل هذا الأمر مستهدفا، لكن يمكن أن يكون هناك تعاون في ملفات بعينها مثل ملف المعتقلين، وملف الشباب والطلاب، ملف العمال وحقوقهم، ملف الاغتصاب في السجون، ملف العدالة الاجتماعية، ملف الإعلام، ملف التحركات الدولية لدعم الثورة وهكذا، وربما تكون نقطة الانطلاق لحالة الاصطفاف بالتهدئة المتبادلة بين شركاء الثورة، ووقف التلاسنات فيما بينهم، وتركيز هجوهم ونقدهم ضد سلطة الانقلاب، ومن ثم الدخول في مرحلة استعادة جسور الثقة، ولعل مناسبة ذكرى أحداث محمد محمود التي تحل خلال الأيام المقبلة تكون فرصة للتقدم خطوة قوية على طريق الاصطفاف.

الحقيقة أن مساعي الاصطفاف بدأت بعد وقت قليل من وقوع الانقلاب العسكري، خاصة مع اكتشاف بعض القوى الثورية للخديعة التي تعرضوا لها بمشاركتهم في التحضير لهذا الانقلاب أو حتى دعمه لاحقا، وتزايدت هذه المشاعر عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة والذين سالت خلالهما دماء المصريين أنهارا، والتي يمكن اعتبارها حدا فاصلا ، ومقياسا للتعامل على طريق الاصطفاف فمن أعلن رفضه لتلك الدماء فينبغي فتح الباب له، أما من برر ودافع عن تلك المجزرة ورقص على أشلاء الشهداء فلا مكان له في صفوف الثوار حتى وإن لدغته سلطة الانقلاب بعد ذلك وسعى للانتقام منها.

قد يقول قائل إنكم تلهثون خلف سراب ووهم الاصطفاف وهو لن يتحقق لأن من تسعون إلى الاصطفاف معهم لا يؤمنون بما تؤمنون به، وليسوا جاهزين للتضحية والعطاء، والحقيقة أن هذا الكلام يردد على الطرفين، وهو انعكاس لفقدان الثقة بين الجميع، ومالم يتحرك حراس الثورة الحقيقيون في كل التيارات فإن هذه الروح ستتسع، وستكون هي الفرجة التي ينفذ منها شيطان الثورة المضادة ، وعلى العموم فليبدأ كل طرف من ناحيته ولا ينتظر حتى يرى تقدما من الطرف الآخر، فخيرهما الذي يبدأ بالسلام والاصطفاف، وحتى إذا لم نجد استجابة من الأطراف الأخرى فنكون قد أبرأنا ذمتنا أمام الله وتجاه الثورة وشهدائها، وأمام التاريخ.

يبقى أنه على الأصوات الرافضة للاصطفاف أن تتوقف عن تخوينها لرفقاء الدرب، وإذا كان هؤلاء الأفاضل مقتنعون بأن بإمكانهم وحدهم حسم المعركة دون شراكة مع أية قوى أخرى فليمضوا في طريقهم، ولكن عليهم أيضا أن يتفهموا منطق الآخرين الساعين لتوحيد الصف الثوري، طالما أن ذلك التوحيد لن يكون انبطاحا بل ثورة ثورة حتى النصر.
التعليقات (0)