قضايا وآراء

أنا مش زفت ميس

نيفين ملك
1300x600
1300x600
شاهدت كغيري فيديو زيارة السيدة القائمة بأعمال محافظ الإسكندرية بالإنابة لمدرسة الرحمانية الابتدائية التابعة لحي المنتزه ثان، والحوار الذي دار بينها وبين مدرسة الفصل المنتقبة.

وللتصحيح لم يكن حوارا، بل هو كان بمثابة أوامر ورسائل من أصحاب النظرية السلطوية والبيروقراطية التي تغلغلت في نفوس قطاعات كبيره من المصريين، لتمتزج تلك المفاهيم البيروقراطية العقيمة مع سلطوية متعمقة ونافذه في النفوس، وتفرز نموذج الكائن المصري المسؤول الكلاسيكي بشكله ونمطه المتعارف عليه منذ عقود.

غاب عن إدراك هذه المسؤولة أن مشكلة مدرسة الرحمانية هذه اعمق وأكبر من مجرد تصادم مع معلمين ومعلمات، سواء كانوا جيدين أو مقصرين. وما سر عصبية المسؤولة ولهجة صول القسم وهي ترد على المعلمة بعبارتها الشهيرة: "أنا مش زفت ميس"؟

هل كانت المشكلة هنا مشكلة التواصل فيما بين المسؤولة والمعلمة؟ أو في تصور المسؤولة عن مشكلة التواصل في الفصل ما بين الطالب والمدرس، ودرجات التواصل؟ وهل ارتداء المعلمة للنقاب كان السبب وراء عصبية المسؤولة؟ أم أن لديها تصورا بأن ارتداء النقاب في الفصل قد يكون حاجزا أمام تواصل الأطفال مع المعلم؟ وأيا كانت التفسيرات لهذه المبارزة اللفظية، فإنها تعكس مشكلة أخرى من مشكلات عدم انضباط آليات الجهاز الإداري ومفاهيمه في وجوب الاحترام المتبادل بين الرئيس والمرؤوس، بجانب آليات المحاسبة الحقيقية.

بعد خروج اليابان منهزمة من الحرب وجدت أن الملاذ الوحيد لبناء قوتها الحديثة في اعتماد نظرية إدارة الجودة الكلية للمنتجات والموظفين؛ لإعادة بناء الدولة والمجتمع. ومشكلة التعليم في بلادنا توازي كارثة اليابان وانهزامها في الحرب العالمية الثانية. هي مشكلة كارثية تفتك بالمجتمع كفتك الأسلحة النووية وأكثر؛ لأنها تحدث تلك التشوهات والتداعيات على الحاضر والمستقبل.

وظاهرة الأمية، سواء أمية القراءة والكتابة أو الأمية المعرفية والتكنولوجية، والتي تنتشر في عموم مدارسنا في جميع محافظات مصر، بل والجامعات، هي بلا شك ظاهرة لمرض عضال يعيق ملف التنمية المستدامة، ويهدر الاستثمار في أغلى وأعظم مورد للثروة الوطنية، وهو المورد البشري.. تلك الثروة الأغلى والأكثر قيمة على الإطلاق، والتي تحتاج للتأهيل والتعليم لبناء دولة حقيقية على ركائز الحداثة.

وفي الوقت الذي تعلن فيه لجنة حماية الصحفيين في نيويورك احتلال مصر للمركز الثاني للبلدان الأكثر حبسا للصحفيين، لتتصدر مصر القائمة في العام 2015، هذا يجعلنا أمام بيئة طاردة للمعلومة، بل المعلومة قد تم تأميمها.

في عام 2005 عزز إعلان الإسكندرية الحق في المعرفة الأساسية للمعلومات والإعلام، وجعلها أولوية وأساسا في صميم التعلم المستدام، ووضّح كيفية مساهمة هذه المعرفة في تمكين الناس في جميع مسارات الحياة، وأهمية إقرار الوصول للمعلومة بشفافية، وإطلاق العنان لوسائل الإعلام للقيام بدورها بجانب المؤسسات التعليمية لتحقيق الأهداف الاجتماعية والمهنية والتعليمية.

ويحتاج المجتمع لوسائل إعلام حرة بقدر حاجته لمؤسسات تعليمية صالحة للقيام بالمهمة التعليمية، فكلاهما طرق للبحث عن المعلومة ومصادر المعلومة، سواء كانت كتابا أو إعلاما أو إنترنت.. هي أدوات أساسية تساعد المواطنين، وتمكن المجتمعات من الحوار وفتح القنوات للتعلم المستدام. وفي الوقت الذي يطور العالم فيه من أدواته للوصول للمعلومة لتعزيز العملية التعليمية، تصير لدينا المعلومة محجوبة في ظل قوانين تعيق الوصول إليها وتوصم الباحث عنها بالإرهاب.

يتحدث العالم الآن عن مفاهيم التربية الإعلامية لتعزيز أساسيات المعلومات، والتي من شأنها تعزيز قدرة الإنسان على التمتع بحقوقه الأساسية الواردة في المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والتي تنص على "لكل فرد الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون تدخل، وفي التفتيش وتلقي ونقل المعلومات والأفكار عبر أي وسيلة ودون أي قيد بحدود جغرافية".

وواقعنا الآن يبعدنا مسافات عن تلك الحقوق الأساسية لانتكاسة حقيقية، وعودة مريرة لما قبل 2011، بل الأسوأ، لتكون مرآة الحقيقة كما أعلنتها لجنة حماية الصحفيين أن مصر تحبس أعدادا قياسية من الصحفيين، و تحل في المرتبة الثانية بعد الصين بوصفها البلد الذي يحبس أكبر عدد من الصحفيين في العالم عام 2015.

وكما قال بيل كوفاش وتوم روز نستيل: "أنتجت الحضارة فكرة واحدة أقوى من الأخرى. فكرة أن بإمكان الناس أن يحكموا أنفسهم، وخلقت نظرية للمعلومات غير مفصلية إلى حد كبير بهدف الحفاظ على هذه الفكرة وتسمى الصحافة. إن الفكرتين ترتفعان معا وتهويان معا".

وكذلك تجب الإشارة لمتلازمة فكرة التعليم كحق أساسي ومشروع وطني وكدعامة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، وفكرة الحق في الوصول للمعلومة لتحقيق الديمقراطية والحكم الرشيد.
التعليقات (1)
مواطن مصري
الثلاثاء، 29-12-2015 07:19 م
نفع الله بك وبأمثالك هذا الوطن وايدكم بجنده علي الفساد واهله...