كتاب عربي 21

السفاح "بيريز" وبواكيه

سيف الدين عبد الفتاح
1300x600
1300x600
يعدّ الكيان الصهيوني والفكرة الصهيونية من أخطر الأفكار التي وردت على البشرية كفكرة عنصرية تقوم على قاعدة التوسع والاستيطان، ولهذه الفكرة سدنتها منذ هذا المؤتمر التأسيسي الذي قام عليه هيرتزل، مؤسسا لهذه الفكرة الصهيونية، وممهدا لنشأة الكيان الصهيوني. ومن الخطير حقا أن نجد على مرّ التاريخ تمكينا لمقولة خطيرة في ذلك الصراع المصيري الممتد مع ذلك الكيان، مفادها "كيف صارت مستحيلات الكيان الصهيوني ممكنة؟ وكيف صارت ممكنات العرب مستحيلة؟ !!.
  
هذا الإشكال إنما يقدم في الحقيقة أخطر معنى في الصراع العربي الصهيوني، لكنه في كل يوم يجد الإجابة الحقيقية حول التساؤل الخطير، آخر تلك الشواهد ما رأيناه من تهافت المتهافتين وهرولة المطبعين إلى جنازة شمعون بيريز، هذا التسارع إن دل على شيء فإنما يدل عن انطباع في الأذهان كيف أن هذا السفاح بيريز عند موته هو محل تقدير -للأسف الشديد- عند دول عربية من المفترض أن تقود الصراع ضد الكيان الصهيوني، فإذا بها للأسف تهرول للمشاركة في جنازته رغم علمها عن تاريخه الدموي وملفه الأسود في خدمة الكيان الصهيوني وأفكاره العنصرية.
  
هذا الملف يحمل منذ البداية مشاركته في فرق الهاجاناه التي قامت بالقتل والترويع، وأيضا مشاركته كمساعد لأول رئيس وزراء للكيان الصهيوني ليفي أشكول، كذلك توليه رئاسة الوزراء مرتين التي خاض فيها حروبا عدة وارتكب مذبحة قانا، وكان مؤسسا لمفاعل ديمونة ومنشئا لأول مستوطنة، مهندسا لسياسة الاستيطان الصهيونية الإسرائيلية في العام 1969، وتابع مسيرته في خدمة هذا الكيان وهذه الفكرة العنصرية طيلة حياته حتى تعدى عمره التسعين، ملف أسود تحمله سيرته وتؤكد ضلوعه ليس فقط في تأسيس هذا الكيان ولكن في ارتكابه معظم جرائمه الكبرى في تاريخ هذا الكيان الصهيوني الذي قام بيريز بكل ما من شأنه توطيد أركانه وتثبيت بنيانه.
  
تتوارد الأنباء حول إعلانات هنا أو هناك لقيام السيسي بنفسه في المشاركة في الجنازة، أعلنت ذلك الإذاعة الإسرائيلية وأكدته، لا ندري أي أسباب منعت المنقلب أن يذهب بنفسه رغم أنه شكل بسياساته الخطيرة أكبر خدمة للكيان الصهيوني، سواء بالتأثير على منطقة سيناء، ومحاربة أهلها بالقيام بعمليات خطيرة، أدت إلى تفجير مساكنهم، وإخلائها، وتهجير أهلها تهجيرا قسريا، كل ذلك تحت دعوة تأمين إسرائيل، وبغطاء لمحاربة الإرهاب، كما يدعي أو كما يقول، كل تلك الحالات إنما تشكل سياسات الانبطاح الاستراتيجي التي يمكن أن نصدق معها أن يهرول ذلك المنقلب إلى الكيان الصهيوني عزاء في سفاح العنصرية الصهيونية.
  
إلا أنه لأسباب أو أخرى لم يذهب وأرسل وزير خارجيته وقد ارتسمت على وجهه علامات الحزن الشديد إبان مشاركته في جنازة هذا السفاح، وحضرت في ذلك دول أخرى، وآخرون من دونهم أرسلوا البرقيات متمنين له أن يرقد بسلام بعد أن قتل من أبنائنا مقدما إياهم قربانا لدولة الصهاينة، ذهب شكري وزير خارجية الانقلاب المتصهين الذي قدم فروض طاعة وولاء أكثر من مرة، واختفى هؤلاء الذين أثاروا الضجة بافتعال وبلا حجة حول "عزيزي بيريز" ورغم أن تلك الرسالة قد دست بعمد من أهل الانقلاب الذين زرعوا في القصر الجمهوري آنذاك، ثم خططوا مخابراتيا وإعلاميا جولات من العويل، ها قد قام منقلبهم بإرسال وزير خارجيته إلى جنازة بيريز، وقد هم أن يحضر بنفسه.
  
إلا أنه كانت أخطر تلك المشاركات ما قام به رئيس السلطة الفلسطينية تهافتا وتفاهة للمشاركة بنفسه في هذه الجنازة، وقد أبدى ما أبدى من شديد انبطاحه بأشكال ومشاهد خطيرة تؤكد مدى هذا الهوان الذي يمارسه عباس وتواطؤه، ومن سخريات القدر حقا أن يجد من المدافعين من جوقته مبررا أنه بذلك يسهم في تأكيد أن لإسرائيل شريكا في عملية السلام، ومن المخجل حقا أن تأتي التبريرات والتزويرات في هذا المقام لتشكل أخطر مشاهد يمر بها الصراع العربي الصهيوني بما شكل متوالية الوهن والانبطاح في مواجهة الكيان الصهيوني، ومن الأسى أن ترد الأنباء عن تهافت عباس وراء المتراس، ليرجو الكيان أن يسمح له بحضور الجنازة.
  
هل ترون بعد ذلك إجابة حقيقية على مقولة الممكنات والمستحيلات بالنسبة للكيان الصهيوني وبالنسبة لقيادات العرب الذين من المفترض أن يواجهوا هذا المشروع الصهيوني الذي لا يهدف إلا إلى إضعاف كيانهم والإبقاء على وهنهم وهوانهم، تجد الإجابة سريعة في شواهد عدة وتجد هذا الانبطاح الذي يقلب الأوصاف لهذا السفاح فيدعوه برجل السلام وتاريخ ملفه الأسود يشهد على كل أفعاله عاتيا في إجرامه وفي مذابحه وفي خدمته للعنصرية الصهيونية، إلا أن هؤلاء استخفوا واستمرأوا القيام بذلك الانبطاح مرة تلو مرة في إطار سياسات مهينة أقل ما يقال عنها أنها في خدمة هذه العنصرية الصهيونية وتثبيت أركان الكيان الصهيوني.
  
قلنا أن هذا المشهد هو ضمن مشاهد أخرى للإعلان عن ظاهرة المتصهينة العرب الذين انتشروا في كل مكان، ويقوم بأدوار في عمليات التطبيع مع الكيان الصهيوني، مع بروز هذه الظاهرة التي تتعلق بمتصهينة العرب التي تجد لها في بلادنا أذرع ثقافية وفنية وإعلامية، بل وأكاديمية تحاول التبرير لهذا الاغتصاب الصهيوني والترويج لكل ما من شأنه التنازل وتضييع حقوق الشعب الفلسطيني، يسلم هؤلاء بهرولتهم إلى جنازة السفاح بيريز ليعلن هؤلاء هذه السياسة الخانعة في مواجهة الكيان الصهيوني، بل أكثر من ذلك انقلبت الآية للحديث عن حقوق الصهاينة وإسرائيل وليس عن حقوق صاحب الأرض الذي احتلت أرضه واغتصبت على مرأى من منظومة دولية متواطئة إن لم تكن داعمة بشكل مباشر لهذا الكيان.
  
في هذا المقام، أطلت علينا مشاهد تلك الجنازة، لتعبر عن ذلك الوهن العربي الشديد، وتعبر عن تثبيت هذا الكيان الصهيوني المصطنع، يسيرون في ركابه، ويروّجون لباطله، ويثبتون اغتصابه ولا يلقون بالا لشرف العروبة في مواجهة هذا العدو الذي دجّن كثير من هؤلاء في لعبة هذا الصراع، إلا أنه في ذلك المشهد الحالك السواد، تظل هذه القلة تؤكد مع حاضنتها الشعبية، أن العدو هو إسرائيل وأن سفاحيه وجلاديه لا يمكن أن يتحولوا إلى رجال سلام، هؤلاء الذين يشكلون حقيقة المقاومة القابضون على الجمر في مواجهة هذه الحالة الصهيونية والمتصهينة.
  
نظن أن خمائر هذه المقاومة واستمراريتها إنما يشكل في الحقيقة طاقة إيجابية تعلن كل يوم أنها على طريق مقاومة الفكرة والكيان الصهيونيين، سائرون ثائرون بلا هوادة وأن مواجهة هذا الكيان الصهيوني لا يكون في البداية إلا بمواجهة متصهينة العرب الذين يعيثون فسادا ويقطنون بيننا وقد هاجرت عقولهم وخطاباتهم وسياساتهم وسكنتها لغة العدو، خُدام وسدنة هذه الفكرة العنصرية وذلك الكيان.
  
نقول إن هذه المقاومة تستطيع أن تقول إن الحق لا يموت، وإن هؤلاء الذين يمثلون المسخ لا يمثلون معركة المصير مع العدو الصهيوني، وإن تلك المقولة التي تتعلق بالممكنات والمستحيلات ستظل قابلة للتعديل ما كان الحق وما كان أهله الذين يستمسكون به، ولا يفرطون فيه، ويفضحون هؤلاء السدنة الذين يخونون القضية مع العدو ويسيرون في ركابه، ونشهدهم مع كل مشهد في خندقه، ألا شاهت وجوه المتساقطين، ويسقط الساقطون مع إسرائيل، وظلت هامات المقاومة مرفوعة تصنع الكرامة، وتسطر صفحات الشرف والعزة.
التعليقات (1)
محمد الدمرداش
الأربعاء، 05-10-2016 01:47 م
لا سياسية و لا كياسة ............ أن السفاح بيريز الذى مهما تجمل أو جملوه و وصموه بخدعة أنه صانع سلام لن و لم يكون إلا عدو للإنسانية و مغتصب لحقوق الفلسطينيين و ركن من أركان الصهيونية العالمية المقيتة و الذين حضروا جنازته مهما برروا بأنها سياسية أو كياسة فأن ذلك لا يعدوا كونه جهل و جهالة و الجاهل دائماً عدو نفسه قبل أن يكون عدو للأخرين و علينا نحن العرب أن نتعلم و نأخذ بتلابيب العلم حتى نميز بين العدو الصديق و أتخاذ المواقف الصحيحة في كل حدث فلا نجد فينا خانع ذليل يجر لنا أذيال الخيبة و الذل و لا نجد بيننا خائن عميل مدسوس علينا من أبناء جلدتنا ليقلب موازين المنطقيات ليحول الحق إلى باطل و الباطل إلى حق و يجعل من العدو صديق و من الصديق عدو ؛ و على العموم فإن جنازة الهالك بيريز شأنها شأن أحداث كثيرة مرت تميز لنا بين الخبيث و الطيب و الرث و السمين لنخطو خطانا على نور و هدى نحو رفع ما بنا غم و هم و أثار عدوان طال أمده و آن له أن ينقشع .