قضايا وآراء

ماذا تستفيد حماس من عودة العلاقة مع نظام بشار الأسد؟

1300x600
سمعت لأول مرة منذ شهور قليلة ومع انتقال عضو المكتب السياسي لحماس ومسؤولها العسكري والتنظيمي البارز صالح العاروري إلى بيروت والضاحية الجنوبية تحديداً، بمساعي حزب الله لترتيب العلاقة بين القيادة الجديدة لحركة حماس ونظام أو بقايا نظام بشار الأسد، وبالأحرى عصابة أو بقايا عصابة المحرقة بالشام...

منذ فترة قريبة ومن أسابيع قليلة تأكدت من الخبر عبر مصادر موثوقة ومطلعة جيداً على ما يجري داخل حماس والساحة الفلسطينية بشكل عام. ومن هنا بإمكاني تأكيد ما نشره موقع "بلومبيرغ" الأمريكي ونقلته مواقع فلسطينية وعربية عدة – السبت 23 أيلول - عن تلك المساعي التي تقودها إيران بشكل عام، مع دور مركزي ورئيسي طبعاً لذراعها الإقليمي التنفيذي أي الحشد الشعبي اللبناني.

للتذكير فإن المساعي تتركز على فكرة إعادة فتح حماس لمكتب لها في دمشق مع عودة بعض قادتها وكوادرها الميدانيين والعسكريين، واعتبار ذلك موقفا سياسيا واضحا من الحركة تجاه النظام الذي ما زال يتمنّع، كونه يفهم أن القرار الصارم والحاسم والنهائي لم يأت بعد من طهران أو الضاحية الجنوبية، وأن عملية ابتزاز أو عصر حماس وقيادتها الجديدة لم تصل إلى نهايتها بعد، وفق ذهنية البازار التقليدية الإيرانية.

هنا يبدو السؤال منطقياً وواقعياً عمّا ستسفيده حركة حماس من ترتيب العلاقة مع نظام مجرم ساقط، بات فاقد الحيلة ومجرد أداة في يد من منعوا سقوطه بالمعنى المادي للكلمة، وليس المعنوي والأخلاقي، وربما وللدقة من أجّلوا أو أخّروا سقوطه الحتمي على أي حال.

المطلب بلا شك مطلب إيراني، وهو يتعلق بتأكيد أو فبركة دليل إضافي من وجهة نظرهم على انتصار بقايا العصابة بالشام، وعودة الأمور إلى ما كانت عليه، وبغض النظر عن أي سياقات فلسطينية وإقليمية سيتم اعتبار الحدث دليل على تعافي وانتصار النظام واستغلاله إلى أقصى درجة في الحرب الدعائية الجوبلزية للحشد الشعبي الإعلامي المدار بالكامل من عاصمته المركزية بيروت.

في السياق الفلسطيني وجه غياب حماس عن محور المقاومة المزعوم محور إمبرارطورية الدم والوهم الفارسية ضربة قاسية لادعائه أن فلسطين بمثابة قضية مركزية له، ورغم بقاء الجهاد الإسلامي وتنظيمات وفصائل فلسطينية صغرى، وحتى قومية مشابهة ضمن المحور، إلا أن طهران فهمت دوماً أن حماس وحدها قادرة على توفير الغطاء أو الدليل على عدائهم لإسرائيل وسعيهم لدعم الفلسطينيين لمواجهتها من أجل تحرير أرضهم ونيل حقوقهم المشروعة، كما لفت للانتباه عن المعادلة الدموية التي اتبعوها من سنوات وجعلت طريق القدس يمر بالحواضر والمدن العربية المدمرة من القصير إلى الزبداني مضايا وحلب، وحتى بيجى ومارب والجوف.

عودة حماس ستكون مهمة كذلك لإضفاء الصدقية على الرواية الإيرانية تجاه الثورة السورية، كما المستجدات في العراق اليمن لبنان والمنطقة بشكل عام، والتأكيد على أن ما فعلته وتفعله لم يكن لإقامة الإمبراطورية  الفارسية التي عاصمتها بغداد، كما قال مستشار الرئيس روحاني أو حتى لإغراق المنطقة بالدم استعجالاً لظهور المهدي المنتظر، كما قال أحد مشايخهم المهووسين، وإنما من أجل مواجهة المشروع الغربي الأمريكي، رغم أنهم  قاتلوا تحت رايته في العراق وسورية على حد سواء، والتزموا محدداته وخطوطه الحمر أيا كان واضعها أوباما ترامب أو حتى بوتين.

عودة حماس إلى محور الإمبراطورية الفارسية تمثل هدفاً، كذلك من أجل نفي الطابع المذهبي الطائفي المقيت عن هذا المحور الذي يحتل أربع عواصم عربية بأذرع ميليشاوية طائفية ومذهبية، وفقط حماس قادرة على إخفاء أو تجميل الوجه البشع لهذا المحور بعدما عجزت الجهاد وفصائل أخرى إسلامية ويسارية فلسطينية وعربية عن القيام بالمهمة، أو تحقيق إنجاز جدي في الشارع العربي الإسلامي الغاضب من إيران وسياساتها الدموية الطائفية.

إقليمياً؛ تعتبر طهران أن عودة حماس لمحورها يمثل إنجاز معنوي وسياسي مهم في معركتها المتأججة مع الرياض، وهي ستستغل الأمر لدحض وطمس الاتهامات - الصحيحة والواقعية لها باتباعها سياسة طائفية واحتلالها، أو بالأحرى لتدميرها لحواضر ومدن عربية، وزيف ادعائها برغبتها الصادقة في دعم القضية الفلسطينية والقضايا العربية العادلة والمحقة.

إذا كان هذا ما ستستفيده طهران وذراعها الإقليمي، فما الذي ستستفيده حماس من إعادة فتح مكتبها في الشام  المحتلة وتبييض صفحة النظام العصابة، كما شركائه في كل جرائمه ضد الشعب السوري، ناهيك عن جرائم المحور المتنقلة في العواصم والحواضر العربية الأخرى.

حماس أو بالأحرى قيادتها الجديدة المتنفذة ممثلة بالسيد يحيى السنوار تعرف أنها هذا مطلب إيراني بامتياز، وهي تعتقد أنها سترضي طهران بما يكفل إعادة الدعم المادي لها إلى مستواه قبل اندلاع الثورات العربية، وتحديداً في السياق العسكري أو للجناح العسكري للحركة، الذي يحتل الأولوية في فكر وذهنية القيادة الحالية، خاصة مع السعي للتتحرر من السلطة والتزاماتها، مع العلم أن المساهمات الإيرانية المدنية بالمعنى المجازي والدقيق للكلمة ومن أجل تحسين أحوال الناس الكارثية في غزة كانت وما زالت ضئيلة وغير مؤثرة.

قيادة حماس تعتقد كذلك أن تجميع قيادة الخارج في مكان واحد هو أمر مهم وحيوي تنظيمياً، خاصة في بعدها العسكري، وأن الشام ستكون آمنة مع حرية حركة كاملة، كما كان الأمر قبل العام 2011 بدلاً من التشتت بين الدول والمدن أو العمل من الضاحية الجنوبية لبيروت ضمن تقييدات في الحركة والتنقل على المستوى الشخصي والمهني.

في السياق الشخصي أو الفكري السياسي تحديداً، قال القيادي الفتحاوي المفصول محمد دحلان ذات مرة- موقع عربى 21 فى 23 تموز - أنه شعر بالكيمياء وبتوافق فكري مع قائد حماس الجديد، هذا صحيح إلى حد ما، فالسنوار لا ينتمي إلى الخط التقليدي للإخوان بالمعنى الفكري للكلمة، فقد انخرط باكراً في العمل الميداني والأمني وموقفه من الثورات ملتبس، أو على الأقل فهو يعتقد كما الجناح العسكري الذي كان وما زال متنفذاً فيه أن لا داعي لقطع العلاقات مع طهران والضاحية من أجل استمرار الدعم العسكري والتسليحي للحركة، ومع تعثر مسيرة الثورات بات الصوت أعلى، وكما جهات كثيرة في الطبقة السياسية الفلسطينية يعتقد السنوار وفئات متنفذة أخرى داخل حماس غزة أن الثورات أضرت بالقضية الفلسطينية وإزاحتها عن جدول الاهتمام الإقليمي والدولي، رغم أن هذه مغالطة أو حتى خطيئة أخلاقية وسياسية كبيرة، فلا يمكن للشعب الفلسطيني أن يتنكر للشعوب العربية التي ضحت وتحملت من أجل القضية ولمطالبها المشروعة بالحرية الكرامة والعدالة والاجتماعية، وفقط مقارنة بسيطة بين الحربين الأخيرتين ضد غزة عامي 2012 و2014 تظهر الفرق الكبير لصالح الفلسطينيين عندما كانت عربة الثورة على السكة الدستورية السياسية الصحيحة، بينما انعكس الأمر بعد تمكن الفلول والثورة المضادة من القاهرة وعواصم أخرى مهمة وهم أنفسهم، الآن من وضعوا أنفسهم في خدمة ترامب ونتن ياهو وخططهم –العربى الجديد 24 أيلول -من أجل صفقة المنتهى السيئة بكل المقاييس.

تبدو حماس الجديدة للأسف أقرب فكرياً وسياسياً الى محور الفلول والثورات المضادة وعواصمه المركزية القاهرة وطهران، وهو المحور الذي ارتكب الجرائم، وما زال بحق الشعوب التي طالبت وتطالب بما يطالب به الفلسطينيون أنفسهم من حرية استقلال وتقرير المصير.

عموماً، وفي الأخير أعتقد أننا مرة أخرى أمام اجتهادات جد خاطئة وحسابات مغلوطة للقيادة الجديدة لحماس، التي يجب أن تفهم بالحد الأدنى أن طهران بحاجة إليها قدر حاجتها هي، إلى طهران وأن إعادة العلاقة ممكنة دون الوصل إلى حد تبييض صفحة النظام - العصابة في الشام أو مجاراة أمبراطورية الدم والوهم الفارسية في انتصاراتها الدموية المزعومة. فإيران بحاجة إلى غطاء سنّي لتغطية وجهها المذهبي الطائفي البشع والبغيض، وحماس هي حصرياً من يوفر هذا الغطاء، وطهران مستعدة حتماً لدفع الثمن المطلوب، ولكنها تتصرف كهادتها بذهنية البازار التقليدية للوصول إلى أفضل صفقة ممكنة.

• باحث وإعلامي فلسطيني