كتاب عربي 21

تونس أو موسم الهروب الكبير

1300x600
لم يعد أمام الشباب في تونس اليوم من خيارات غير الموت حرقا أو الفناء غرقا، عائلات بكاملها وشباب في ريعان العمر يقامر من أجل مغادرة الجحيم الأرضي الذي يعيش فيه نحو المجهول، ليس في مصطلح "الجحيم الأرضي" أدنى مبالغة لأن من لم يجرب البطالة والتهميش واحتقار الدولة وعنف "قوات الأمن" لا يعرف عن واقع الشباب الفقير في تونس شيئا. 

أحياء بكاملها تغرق في الفقر وفي التهميش والانحراف حيث كل الآفاق مسدودة إلا آفاق الجريمة أو الإرهاب أو الانتحار، هذه الأحياء تكاد لا تنتمي إلى الدولة التونسية لأن في مقابلها أحياء أخرى كأنها من كوكب آخر حيث الترف وحيث البذخ وحيث تسكن عصابات نهب المال العام ممن تحولوا خلال عقود من الاستبداد إلى كيانات شبه مستقلة في عاداتها وتقاليدها ولغتها ونمط عيشها.

في تونس يمكنك أن تتجول من عالم مرفه إلى عالم يحيط به الموت من كل جانب كما يمكنك أن تسافر عبر البلاد فتخرج من الشمال الشرقي والساحل المرفه إلى الشمال الغربي البائس أو إلى الجنوب المعدم وكأنك خرجت من كوكب إلى كوكب آخر.

تفاوت جهوي خطير تراكم منذ ولاية الوكيل الاستعماري الأول "بورقيبة" والوكيل الاستعماري الثاني "بن علي" حيث التمايز في الخدمات وفي المرافق الصحية والتعليمية وفرص العمل ظاهر للعيان.
 
الشباب الفقير ليس ذلك الذي لم ينل حظا من الدراسة وغادرها باكرا بل هو مئات الآلاف من حملة الشهادات الجامعية والمتوسطة ممن يعانون البطالة منذ عقود في سياسة متعمدة من قبل دولة الفساد لقتلهم اجتماعيا وسدّ كل المنافذ أمامهم.

الفقر والتفقير في الدولة الاستبدادية الفاسدة هو استراتيجية مربحة للنظام السياسي لأن البطالة التي ستدفع بالآلاف إلى أوروبا ستعود على الدولة بالعملة الصعبة غدا وستقلل من عدد العاطلين وطالبي الشغل في الداخل، فالتخلص من العاطلين ومن الشباب المطالب بالتشغيل هي مطمح كل نظام استبدادي لأنها تحقق له هدفين أساسيين بضربة واحدة. 

اليوم تعيش تونس العميقة على وقع مأساة كبيرة تمثلت في موت أكثر من خمسين شابا غرقا في عرض البحر المتوسط وهم يحاولون اللحاق بالضفة الأوروبية.

الصدمة كانت قوية وهزت الساحة الشعبية بعنف لتكشف بشاعة الواقع الذي يعيشه الشباب هناك ووحشيته، ففي عرض البحر اصطدمت خافرة لبحر السواحل بزورق ينقل مهاجرين غير شرعيين من تونس حسب الرواية الرسمية، أما روية الشباب من شهود العيان والناجين فتقول إن خافرة جيش البحر قامت بإغراق المركب عمدا.

رويتان متضاربتان حتما لكن كل واحدة منهما تعكس مأساة أعمق من سابقها، لم يعد الأمر متعلقا "بموسم الهجرة إلى الشمال" كما عنون "الطيب صالح" روايته الأشهر بل صارت أقرب إلى حالة "الهروب الكبير من جحيم أكبر". 

ما الذي يدفع فتية في عنفوان شبابهم إلى المخاطرة بركوب البحر وأهواله وتعريض أرواحهم إلى خطر حقيقي بالموت غرقا ؟ لماذا يهرب الشباب من بلادهم ؟ هذا السؤال لا تجيب عنه نخب البؤس التونسية ولا دولة الثورة المضادة التي استعادت أو تكاد كامل مجالها الحيوي، اسم الاستفهام "لماذا" هو الأكثر إحراجا للجميع لأنه السؤال الوحيد الذي يعري الجريمة ويفضح المجرم. 

وسيلتان صارتا طريقا للخلاص الوحيد في تونس. الموت حرقا كما فعل البوعزيزي شهيد الثورة أو الموت غرقا كما يفعل الشباب اليوم. ومن غرابة الصدف اللسانية هو أن الهجرة السرية في تونس تسمي "الحرقة" أيضا كناية عن الطريقة التي يتلف بها المهاجرون هوياتهم فيقومون بإحراق الوثائق الرسمية حتى لا يتعرف عليهم حرس الحدود في الدولة المصدر أو المعبر أو الوصول. 

النار حاضرة بقوة في التعبير وفي المعنى وفي الرمز بشكل يجعل منها طريق الخلاص الأخير لما استعصى حله فآخر الدواء الكي كما قالت العرب قديما. النار التي التهمت جسد البوعزيزي الثائر على وضعه الاجتماعي المزري وعلى احتقار الدولة له وعلى المعاملة الوحشية التي يعامل بها لا تزال حاضرة بقوة في الواقع التونسي والعربي بما هي الحل النهائي للورم المستعصي.

النار لا تقتصر على الحل بل تشمل الواقع الذي يعيشه اليوم شباب تونس من بطالة وفقر وتهميش وقمع وتعذيب واحتقار وازدراء هذا الواقع ليس إلا جحيما يوميا لا ينتهي سواء لمن تمكن من إنهاء تحصيله المعرفي أو لمن لم يتمكن منه. 

النار تلتهم الأسعار وتلتهم الشباب وتلتهم الثورة نفسها بشعاراتها وأحلامها بعد أن حوّلها السياسيون إلى مطية سهلة لبلوغ مناصب ما كانوا يحلمون بها زمن الطاغية بن علي الذين كان عليما بهم و بجشعهم.

إن ملايين الدولارات التي تحصلت عليها الدولة التونسية منذ الثورة قد تبخرت أو تكاد إذ استنزفتها أيادي العصابات التي تمسك باقتصاد البلد وبموارده الحية خاصة مع العودة المظفرة لرجال النظام القديم إلى المشهد بمباركة الاسلاميين شركائهم في السلطة.

هذا الأمر يدفع إلى تبين مستقبل الشباب هناك ومستقبل البلد برمته في ظل التفاوت الاجتماعي الهائل وفي ظل انهيار العملة المحلية وفي ظل تغول الفساد والتهاب أسعار المواد الأساسية.

إن هروب الشباب من تونس لا يمثل فقط مؤشرا على حجم الفساد وحجم الانهيار الاقتصادي بل يشكل خسارة كبرى ونزيفا للعنصر البشري الأهم بما هو عماد الجيل القادم وعماد نهضة البلاد.

لن تقتصر تداعيات هذا الهروب على التوازن الديمغرافي للمجتمع بين الذكور والاناث بل إنها ستتسبب مستقبلا في انهيار تام للدولة والمجتمع بسبب تغول الفساد وفقدان أبناء البلد ثقتهم في المستقبل وفي التعليم وفي الاستثمار وفي العمل نفسه.


الكارثة كبيرة وهي تنبئ على المدى المتوسط بانفجارات اجتماعية قد تكون كارثية على الجميع ما لم يتحمل كل طرف في الدولة مسؤوليته الأخلاقية والوطنية في إيقاف النزيف الكبير الناجم عن هروب الشباب من بلادهم.

الحل سهل وبسيط ولا يتمثل في غير محاربة الفساد والفاسدين وإيقاف نهب المال العام والحدّ من المحسوبية ومن تشغيل الأبناء والأقارب على حساب الذين هم أكثر كفاءة وقدرة على الانتاج.

إن تطبيق القانون على الجميع هو السبيل الوحيد لإنقاذ السفينة بمن فيها لأن غرق المركب لن يرحم أحدا هذه المرة كما أن النار لن تقتصر على الفقراء بل سيحرق لهيبها الجميع خاصة إذا لم يعد للمرء شيء يخسره.