ملفات وتقارير

تعليق مثير لمسؤول سابق في (CIA) على الاعتقالات بالسعودية

الملك سلمان السعودية - (واس)

اتسع الاثنين نطاق حملة اعتقالات جماعية، شملت أفرادا من العائلة الحاكمة السعودية، ووزراء، ورجال أعمال، بعد تردد أنباء عن اعتقال مؤسس واحدة من أكبر شركات السياحة في المملكة، وذلك في أكبر حملة تطهير لمكافحة الفساد في التاريخ السعودي الحديث.

والاعتقالات التي وصفها مسؤول بأنها مرحلة أولى في الحملة، هي الأحدث ضمن سلسلة خطوات كبرى اتخذها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان؛ لتعزيز نفوذ السعودية على الساحة الدولية، وزيادة سلطاته داخليا.

 

واندهش حلفاء وخصوم المملكة على السواء من سياسة حازمة -قد يصفها البعض بالمندفعة- في مملكة كانت يوما ما تؤثر الاستقرار.

وكتب بروس ريدل، وهو مسؤول سابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية: "المملكة في مفترق طرق؛ فاقتصادها يتأثر سلبا بأسعار النفط المنخفضة.. والحرب في اليمن مستنقع.. وحصار قطر فشل.. كما ينتشر النفوذ الإيراني في لبنان وسوريا والعراق.. ومسألة وراثة العرش عليها علامة استفهام كبيرة".

وأضاف: "إنها المرحلة الأكثر اضطرابا في التاريخ السعودي منذ أكثر من نصف قرن".

وتضاف الحملة أيضا إلى قائمة التحديات التي يواجهها الأمير، البالغ من العمر 32 عاما، منذ تولي والده الملك سلمان العرش في 2015، بما في ذلك الحرب في اليمن، وتصعيد المواجهة مع إيران، وإصلاح الاقتصاد؛ للحد من اعتماده على النفط.

ولم تتسبب حملة الاعتقالات في معارضة شعبية داخل المملكة، سواء في الشارع أو على وسائل التواصل الاجتماعي. وأثنى سعوديون كثيرون على الإجراءات.

لكن منتقدين من خارج المملكة يرون في التطهير مؤشرا آخر على عدم التساهل من قبل زعيم متعطش للسلطة، يحرص على منع معارضيه من الوقوف في وجه إصلاحاته الاقتصادية، أو تقويض توسيع نفوذه السياسي.

وفي مقالة بصحيفة واشنطن بوست، أثنى الكاتب السعودي الكبير، جمال خاشقجي، على حملة مكافحة الكسب غير المشروع، لكنه قال إن ولي العهد يفرض عدالة انتقائية للغاية.

وأضاف أن شن حملة حتى على الانتقادات البناءة يظل تحديا جديا لرغبة ولي العهد في الظهور في صورة زعيم عصري مستنير.

تجميد حسابات

وهبط مؤشر البورصة السعودية 1.5 بالمئة في التعاملات المبكرة، لكنه أغلق مستقرا.

ونزل سهم مجموعة الطيار للسفر السعودية عشرة بالمئة، بعد دقائق من بدء التداول، إذ نقلت الشركة عن تقارير إعلامية قولها إن السلطات أوقفت ناصر بن عقيل الطيار، عضو مجلس إدارة الشركة.

وفي بيانين منفصلين، قالت شركة عسير للتجارة والسياحة والصناعة وشركة البحر الأحمر العالمية، إنهما تعملان بصورة طبيعية، بعدما أفادت أنباء بأن أعضاء في مجلسي إدارتيهما محتجزون، وهم عبد الله صالح كامل، وخالد الملحم، وعمرو الدباغ.

وقالت مصادر لرويترز إن بنوكا سعودية بدأت تجميد حسابات مشتبه بهم.

واعتقل عشرات الأشخاص في إطار الحملة، التي تعزز قبضة الأمير محمد على السلطة، في حين تثير قلق الكثير من مؤسسات الأعمال التقليدية. وقال مسؤولون في مطلع الأسبوع إن الملياردير الأمير الوليد بن طلال، أحد أبرز رجال الأعمال السعوديين المعروفين دوليا، ضمن المقبوض عليهم.

وقال النائب العام السعودي سعود المعجب، أمس الاثنين، إن المحتجزين خضعوا للاستجواب، وإن السلطات جمعت الكثير من الأدلة.

وأضاف أن الاعتقالات، التي جرت الأحد، لا تمثل البداية، بل جاءت استكمالا للمرحلة الأولى من مسعى لمكافحة الفساد.

وأشار إلى أن التحقيقات جرت في سرية؛ حرصا على سلامة الإجراءات القانونية، ولضمان عدم الإفلات من العدالة.

وقال خالد بن عبد المحسن المحيسن، وهو عضو في لجنة مكافحة الكسب غير المشروع، إن المحققين يجمعون الأدلة منذ ثلاث سنوات، وسيواصلون تحديد الجناة، وإصدار مذكرات الاعتقال والمنع من السفر، وتقديم المخالفين للعدالة.

"تطوق الأعناق"

تحدت صحيفة عكاظ السعودية في صفحتها الأولى، الاثنين، رجال الأعمال أن يكشفوا عن مصادر أصولهم، قائلة في عنوان باللون الأحمر "من أين لك هذا؟"

وحذر عنوان آخر نشرته صحيفة الحياة التي يملكها سعوديون يقول: "’من أين لك هذا؟’ تطوق الأعناق... بعد تفعيل ‘كائنا من كان’."

 

وذكرت صحيفة الشرق الأوسط أنه تم إعداد قائمة بأسماء الممنوعين من السفر، وأن قوات الأمن في بعض مطارات المملكة تمنع الطائرات الخاصة من الإقلاع دون تصريح.

وقال مسؤولون سعوديون إن من بين المعتقلين 11 أميرا وأربعة وزراء حاليين وعشرات الوزراء السابقين.

وقال مسؤول سعودي لرويترز إن من بين الاتهامات الموجهة لهم؛ غسل الأموال، وتقديم رشى، وابتزاز بعض المسؤولين، واستغلال النفوذ لتحقيق مصالح شخصية. ولم يتسن التحقق بشكل مستقل من هذه الاتهامات أو الاتصال بأسر المقبوض عليهم.

وأفاد أمر ملكي صدر يوم السبت بأن الحملة تأتي "نظرا لما لاحظناه ولمسناه من استغلال من قبل بعض ضعاف النفوس، الذين غلبوا مصالحهم الخاصة على المصلحة العامة... مستغلين نفوذهم والسلطة التي اؤتمنوا عليها في التطاول على المال العام، وإساءة استخدامه واختلاسه، متخذين طرائق شتى لإخفاء أعمالهم المشينة".

ومن سلطات اللجنة الجديدة لمكافحة الفساد مصادرة الأصول في الداخل والخارج قبل صدور نتائج التحقيقات. ويخشى المستثمرون أن تسفر الحملة في نهاية الأمر عن بيع إجباري لأصول، لكن لم يتضح إلى أي مدى تصل نوايا السلطات.

"إجراء مبالغ فيه"

وتم احتجاز الأمير متعب بن عبد الله وزير الحرس الوطني، أحد مراكز القوى الرئيسية التي تضرب بجذورها في قبائل المملكة، بعد إعفائه من منصبه، وحل محله الأمير خالد بن عياف.

وأعاد ذلك للأذهان قرارا اتخذه الملك سلمان في حزيران/ يونيو، بتعيين ابنه الأمير محمد وليا للعهد بدلا من ابن عمه الأمير محمد بن نايف، الذي أعفي أيضا من منصب وزير الداخلية.

وتعزز الخطوة سيطرة الأمير محمد على الأمن الداخلي والمؤسسات العسكرية في المملكة، التي تسيطر عليها منذ زمن بعيد أفرع مختلفة من العائلة الحاكمة.

لكن العديد من المحللين حيرهم استهداف مسؤولين، مثل وزير الاقتصاد السابق عادل فقيه، ورجال أعمال بارزين تعول المملكة عليهم في إنعاش القطاع الخاص، وتنويع موارد الاقتصاد، بحيث لا يعتمد على قطاع النفط وحده.

وقال جريج جوز، الخبير في شؤون منطقة الخليج بجامعة تكساس إيه آند إم: "يتعارض ذلك فيما يبدو مع الهدف طويل الأمد للاستثمار الأجنبي، والمزيد من الاستثمار المحلي، وتقوية القطاع الخاص".

وأضاف: "إذا كان هدفك فعلا هو مكافحة الفساد، فإنك ترفع بعض القضايا، لا أن تقبض على مجموعة من علية القوم، ما يؤكد أن حكم القانون ليس حقيقة ما يوجه أفعالك. إن هذا يتعارض تماما مع ما علق الكثير من خطته العامة عليه".

وخلال العام المنصرم، أصبح الأمير محمد صاحب القرار النهائي في شؤون الجيش والسياسات الخارجية والاقتصادية والاجتماعية، وقاد الترويج لخطته "رؤية المملكة 2030"، التي تشمل خفض الدعم، وزيادة الضرائب، وبيع بعض أصول الدولة، وتعزيز كفاءة الحكومة، وبذل الجهود لجذب الاستثمار الأجنبي.

وحظيت الإصلاحات بتأييد كبير بين العدد الكبير من السكان الشباب في المملكة، لكنها تواجه مقاومة من بعض أفراد الحرس القديم، منهم بعض أفراد الأسرة الحاكمة، الذين أحبطهم الصعود الصاروخي للأمير محمد.

وقال جوز "إنها (إجراءات) مبالغ فيها، بدرجة تجعل من الصعب تحقيق أهدافه بعيدة المدى".

وقاد الأمير السعودية إلى حرب مستمرة منذ عامين في اليمن، حيث تقول الحكومة إنها تقاتل فصائل موالية لإيران، وإلى خلاف مع قطر المجاورة، التي تتهمها المملكة بمساندة الإرهاب. وتنفي الدوحة ذلك. ويقول منتقدو الأمير إن كلا من هاتين الخطوتين تمثل مغامرة خطيرة.

وقال تحالف عسكري تقوده السعودية، أمس الاثنين، إنها ستغلق مؤقتا جميع المنافذ الجوية والبرية والبحرية المؤدية إلى اليمن؛ لوقف تدفق السلاح من إيران إلى جماعة الحوثي، بعد اعتراض صاروخ أطلق على الرياض في مطلع الأسبوع.