قضايا وآراء

السعودية وحلم مواجهة التوسع الإيراني

1300x600

يثير انعقاد اجتماع وزراء الخارجية العرب بطلب سعودي وموافقة إمارتية بحرينية لمناقشة سبل التحرك للرد على إيران أسئلة عميقة حول قدرة الاجتماع في هذا السياق السياسي على إنتاج مخرجات جدية، ثم أثر  القرارات التي يمكن أن تتخذ في ردع السياسة الإيرانية في المنطقة.


بدءا، ينبغي الإشارة إلى  أن سياسة إيران الخارجية تستمد قوتها من عدد من المرتكزات، أولها قوة جبهتها الداخلية التي تختلف مكوناتها في كل شيء إلا ما يرتبط بالقضايا الاستراتيجية لإيران وأمنها  الإقليمي وملفها النووي.

 

 ثانيها، أن إيران تتمتع بنظام ديمقراطي تداولي على السلطة، يعكس في حراكه النقاشات التي تتمخض داخل المجتمع الإيراني،  ثالثها، أن طهران تمتلك وضوحا في الرؤية الاستراتيجية، يجعلها تدرك بشكل دقيق مساحات الإقدام والإحجام، والمزاوجة بين الضغط والمقاومة ولغة التفاوض السياسي، وتحقق بسبب ذلك نتائج مهمة على الأرض ولو في مديات زمنية ممتدة.


في العراق مثلا، تماهت إيران مع سياسات الولايات المتحدة الأمريكية وسانتدتها في إسقاط نظام صدام حسين والتخلص من تركته الأمنية والعسكرية، بل والتخلص أيضا من حلفائه  السنة الذين كان يعتمد عليهم في توازن الحكم في  بغداد.

 

لكن، في اللحظة التي تحركت فيها العملية الانتخابية على الأرض لصناعة نخبة الحكم، حركت طهران حلفاءها وانقضت على مراكز القرار السياسي والأمني والعسكري، هذا في الوقت الذي كانت فيه عدد من الدول العربية في مقدمتهم السعودية، تساير سياسة الولايات المتحدة الأمريكية، دون أن تقوم هي وحلفاؤها المتخوفين من نفوذ إيران بأي دور سياسي للتمكين للسنة  في مربع الحكم بالعراق.


في سوريا تصرفت إيران بنحو مختلف، إذ تحركت بشكل سريع لما أدركت أن مستقبل سوريا مفتوح على خيار إسقاط بشار الأسد وصعود الإسلاميين الأكثر معارضة لسياساتها في المنطقة، فتحركت لدعم بشار الأسد، واقنعت حزب الله للدخول في الجبهة، ووضعت كل بيضها من المنطقة وأقنعت روسيا بضرورة التحرك لمنع سيناريو سقوط نظام بشار الأسد الحليف لإيران في المنطقة، واستثمرت ملف الإرهاب بشكل ذكي لتضع  السعودية وبعض حلفائها في دائرة التهمة بتشجيع المقاتلين العربللدخول إلأى سوريا لتغذية الإرهاب وتنظيمه في الشام والعراق.


وحتى في لحظة الربيع العربي، حيث كان يسير الحراك الديمقراطي في عدد من الدول العربية على غير هوى إيران، تصرفت طهران بذكاء  كبير، إذ نأت بنفسها عن التدخل إلا في حالة البحرين، التي حاولت فيها توجيه مخرجات الحراك لصالح شيعة البحرين، وتحملت كلفة الكسب السياسي والاستراتيجي الذي حققته كل من تركيا وقطر من الربيع العربي، وكلفة صعود الإسلاميين في كل من مصر وتونس والمغرب وصعود نجم الإسلاميين في اليمن في مقابل تراجع نفوذ جماعة الحوثي.

 

وانتظرت إلى أن بدأ ثلاثي (السعودية والإمارات ومصر) في التحرك الإقليمي لإجهاض الربيع، لتستغل الفرصة في اليمن، وتقدم دعما لوجستيا وعسكريا غير مسبوق لجماعة الحوثي حتى تحولت بين ليلة وضحاها إلى قوة سياسية وعسكرية مهيمنة في صنعاء بسبب غباء سياسة الثلاثي في قص استئصال الإسلاميين من المنطقة.


والأخطر من ذلك كله، أن إيران استثمرت الاستنزاف الأمريكي، وباشرت عملية تفاوض شاق مع الولايات المتحدة الأمريكية من أجل التوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووي يتم بمقتضاه تخفيض نسبة تخصيب اليورانيوم مقابل رفع الحصار، وتسبب ذلك في تعميق الخلاف الأمريكي السعودي. 


طبعا ليس  المقصود بهذا التحليل إطراء السياسة الخارجية الإيرانية ولا  تبرير متجهاتها، وإنما القصد التأكيد على أن إيران تبني  سياستها الخارجية بمنطق  المصلحة القومية، وتستخذم أوراق قوتها وتحاول سحب أوراق القوة من خصومها، أو تحيدهم، وفي أسوأ الحالات تتحمل كلفة بعض الخسائر التكتيكية من أجل توفير شروط استعادة الموقف من جديد.


نأتي إلى المشكلة، فإذا كانت سياسة إيران الخارجية بهذا الشكل، فإنه من العبث أن تتم مواجهة نتائجها على مدى عقدين من الزمن أو أكثر، بإجراءات وقرارات  مزاجية انفعالية  ينتهي أثرها بانتهاء القصاصات الخبرية التي تخرج عن  البيان الختامي لاجتماع وزراء الخارجية العرب.


لا نريد هنا أن نطرح سؤال الدول العربية التي شاركت في هذا الاجتماع ومستوى تمثيلتيها، ولا نريد أيضا أن  نستحضر  المواقف الاستباقية لعدد من الدول العربية الحليفة للسعودية وفي مقدمتهم مصر التي صرح رئيسها بأنه يرفض الحرب على إيران ولبنان، ولا نريد أن نستحضر أيضا التحركات المكوكية لمسؤولي بعض الدول العربية من أجل المصالحة والعمل على منع حصول الكارثة في اجتماع وزراء الخارجية إذا ما أصرت السعودية على أن يتضمن البيان الختامي مفردات حربية! ولا نريد أن نستحضر أيضا ممانعات عربية متوقعة للتطلعات السعودية.


فقط ما ينبغي استحضاره في هذا السياق، أنه لا يمكن بحال مواجهة السياسة الخارجية الإيرانية في المنقطة والوضع العربي بهذا الترهل، ومجلس التعاون الخليجي يعيش مأزقا غير مسبوق بسبب الحصار على قطر من طرق السعودية والإمارات والبحرين، والدول العربية فقدت القدرة على التحرك الإقليمي للتوصل إلى حل سياسي في سوريا، ودول التحالف لاستعادة الشرعية باليمن لم تستطع أن تحول التحرك العسكري في اليمن إلى عائد سياسي يغير نتائج السياسة الإيرانية في صنعاءويعيد التوازن السياسي إليها.


نعم، لا يمكن وضع اليد على اليد والتفرج على السياسة الإيرانية في المنطقة العربية، لكن شروط التحرك تقتضي مصالحة عربية عربية، تبتدئ برفع الحصار الظالم عن قطر، وتقوية الجبهة الداخلية داخل الأقطار العربية، وكف السعودية والإمارات ومصر عن التدخل في شؤون عدد من البلدان العربية عبر التمكين لبعض النخب والعداء لنخب أخرى، وبناء موقف عقلاني اتجاه مخرجات السياسة الإيرانية،  والتمييز ضمنها بين ما يمس الأمن القومي العربي وما يمس المصالح الأمريكية، والامتناع عن اختلاق مبررات للصراع مع إيران بذريعة الحفاظ على الأمن القومي العربي في الوقت الذي يخاض الصراع في حقيقته خدمة لأجندات غير عربية.


والأكثر من هذا، أنه بالإمكان، في ظل وضع عربي متماسك، وجبهة داخلية قوية، أن يتم خلق شروط تفاوض سياسي مع إيران على قاعدة الكف عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، والامتناع عن دعم الشيعة في أي بلد عربي، والاتفاق على  حصر تحركات حزب الله في جبهة الصراع العربي الإسرائيلي فقط.


دون ذلك، سيكون اجتماع وزارء خارجية العرب مثل الاجتماعات السابقة، يبتدئ بفورة حماسية عند تشخيص الوضع،  وتحذيرشديد اللهجة عند البيان الختامي، وربما التحرك على صعيد أممي لتدويل مظلومية الدول العربية، لكن في المحصلة أمريكا تتفاوض دائما مع الدول القوية كما فعلت عندما انحازت للتفاوض مع إيران على خلفية الملف النووي ضدا عل نداءات وتطلعات المخالفين،  وأصبحت السعودية في حالة خلاف حاد مع أمريكا، وتتخوف من أن يأتي ضمن أجندة أمريكا القادمة تحريك ربيع عربي في الرياض.