كتاب عربي 21

المصالحة الفلسطينية: من الحلم إلى الوهم!

1300x600

عبر أكثر من عقدٍ من الزمان البائس؛ والشعب الفلسطيني يعيش هذا الحلم! لأنّ الحلم الأسمى لكل شعب أن يعيش في ظل وحدة مجتمعية وسلام داخلي، فكيف بشعب يرزح تحت أسوأ احتلال في التاريخ؟

من هنا كان سعي الخيّرين من أبناء شعبنا لتحقيق المصالحة الوطنية بين أكبر فصيلين على الساحة الفلسطينية (فتح وحماس)، إلاّ انّ جولات الحوار الكثيرة في أكثر من بلد، وعبر أكثر من عشر سنوات، لم تحقّق تقدّماً يُذكَر.

كنّا دوماً على قناعةٍ راسخةٍ (للأسف) بعدم إمكانيّة تحقيق هذه المصالحة فكرياً وسياسياً - وبعيداً عن الرغبة - في سياق التناقض الشديد بين برامج وفكر ومسار طرفي المصالحة؛ إذ لا يمكن بحال أن يتصالح برنامج ومشروع مقاومة الاحتلال مع سلطة ومشروع التنسيق الأمني ضدّ المقاومة مع هذا الاحتلال! إلاّ إذا تماهى أحدهما مع الآخر؛ ففي هذه الحالة لا التقاء في منتصف الطريق؛ لأنّ المسارات متعاكسة تماماً!

 

لا يمكن بحال أن يتصالح برنامج ومشروع مقاومة الاحتلال مع سلطة ومشروع التنسيق الأمني ضدّ المقاومة مع هذا الاحتلال! إلاّ إذا تماهى أحدهما مع الآخر


إلاّ أنّ أمل الشعب المكلوم بهذا الانقسام وتداعياته على المشروع الوطني ككلّ؛ ظلّ هو المسيطر والغالب، وفي كلّ مفصل ومنعطف - وما أكثر ما يمرّ الشعب والقضيّة في منعطفات - كان يزداد الأمل بتحقيق هذا الحلم.

ولقد كان قرار ترامب، بالاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني ونقل السفارة الأمريكية للقدس، وما رافقه من تداعيات، هو آخر هذه المنعطفات الكبرى، والتي كان من المؤمّل أن يشكّل فرصة تاريخية للالتفاف الوطني حول راية القدس، والخروج من دوّامة الانقسام. فماذا يحتاج الفُرقاء أسمى من القدس رايةً للتوحّد حولها؟!

نعم! كانت هناك بقيّة أمل "حلم" عند أبناء الشعب الفلسطيني أنْ يكون التهديد الذي تتعرّض له القدس دافعاً ليس لتحقيق المصالحة فحسب، بل للخروج من دهاليز تفاصيلها "الشيطانيّة" التي أرهقت الوطن والشعب والقضيّة، إلى آفاق الوحدة الوطنيّة الشاملة؛ نحو مشروع وطنيّ يتعامل مع الاحتلال كاحتلال غاصبٍ للأرض وقاتل للإنسان، وليس شريكاً في سراب عمليّة سلام!

بيْد أنّ وقائع كلّ يوم تؤكّد أنّنا ما زلنا في "وهمِ" متاهةٍ وعبثٍ يضيّع وقت وموارد الشعب هدراً. وكلُّ سياقات الأمور على الأرض أكّدت قناعتنا الفكرية الراسخة باستحالة تحقيق هذه المصالحة، الأمر الذي يفرض علينا جميعاً أن نخرج من حالة الإنكار وخداع الذات، ونعترف بأنّ هذا "الحلم" ما هو إلا وهمٌ وخيال.

 

وقائع كلّ يوم تؤكّد أنّنا ما زلنا في "وهمِ" متاهةٍ وعبثٍ يضيّع وقت وموارد الشعب هدراً. وكلُّ سياقات الأمور على الأرض أكّدت قناعتنا الفكرية الراسخة باستحالة تحقيق هذه المصالحة


وحتى نتخيّل حجم هذا العبث والتيه ووهم التفاصيل "الشيطانيّة" الذي استمرّ أكثر من عشر سنوات؛ نأخذ ما جرى من أحداث خلال الأسبوع الماضي فقط، طرفها الرئيس سلطة التنسيق الأمني:

على معبر رفح - مثلاً - الذي سلّمته حماس للحرس الرئاسي؛ عراك بالأيدي بين الشرطة الفلسطينية التابعة لرام الله وموظف الجمارك التابعة لهيئة المعابر والحدود، التي يترأسها نظمي مهنا (حماس)، لقيام موظف الجمارك بتفتيش إحدى الحقائب بعد الاشتباه بها، إلا أنّ عناصر من الشرطة منعوا تفتيشها كونها تعود لأحد قادتهم الذي يعمل برتبة عقيد في الشرطة!

وهذا واصل أبو يوسف، عضو اللجنة التنفيذيّة لمنظمة التحرير، يقول (رغم ما يحدث للقدس) إن القيادة لن تيأس في السير تجاه عملية السلام مهما كلف الثمن، وأنّ خيار السلام والتفاوض لا يمكن أنْ تتخلّى القيادة عنه، ويؤكّد أنّ اتفاقية أوسلو أثبتت قدرتها على إمكانية تحقيق السلام بين الجانبين (للتوضيح: "الجانبين" ليس فتح وحماس، وإنّما السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني!).

وفي الوقت الذي ينتظر موظفو السلطة في غزّة صرف رواتبهم المتأخرة كاستحقاق لاتفاق القاهرة، فإنّ وزارة المالية الفلسطينيّة تنفي صرف رواتب كاملة لموظفي السلطة في قطاع غزة؛ لأنّ موازنة السلطة الفلسطينية لا تزال تعاني من عجز كبير!

أمّا جبريل الرجوب، المحسوب على رئيس السلطة، فيردّ مهاجماً تصريحاً لمحمود العالول عن نهاية اتفاقيّة أوسلو، فيقول: نهاية "اتفاقية أوسلو" لا يقرّرها فرد! وأكد الرجوب على أن الرئيس محمود عباس لن يترك خيار السلام من أجل تحقيق حل الدولتين مهما كلّفه الثمن (وكأنّ عبّاس هو مؤسّسة الشعب الفلسطيني!!).

حسين الشيخ، أحد أهمّ أركان التنسيق الأمني، (متجاهلاً كلّ إجرام الصهاينة بحقّ شعبه) يتقدّم بالتهنئة للصهيوني "كميل أبو ركن"؛ بتعيينه منسقاً مدنياً لأعمال الحكومة الصهيونيّة في مناطق السلطة الفلسطينية، ويتمنّى تحقيق تعاونٍ أوسع وأشمل في القضايا المدنية والأمنية المشتركة بين الجانبين (للتوضيح مرّة أخرى "الجانبين" هما السلطة الفلسطينيّة والكيان الصهيوني). ويتمادى ويقول: إنّ التنسيق الأمني و المدني يجب أنْ يكون بمنأى عن التجاذبات السياسية (مثل قضيّة القدس مثلاً! وكأنّ ما بيننا وبين الصهاينة مجرّد تجاذب سياسي!).

أمّا المثال الذي يحسم حقيقة الأمور بصراحة؛ فهو قول القيادي في حركة فتح يحيى رباح، أن حركته بقيادة عباس قد حققت انتصارات كبيرة في الأمم المتحدة خلال السنوات القليلة الماضية. وأضاف أن المصالحة باتت لا تجدي نفعاً، وأن انتصارات الرئيس في المحافل الدولية تغنينا عن المصالحة مع حماس، ويرى أنّه من الخطأ رفع العقوبات في الوقت الحالي عن القطاع، بالرغم من تمكين الحكومة من المعابر والوزارات فيها.

هذا بالطبع عدا عن الخبر اليومي المؤسف للتصرّف المشين لهذه السلطة؛ باعتقال المعارضين السياسيين لها، في تعاون وفجّ وتبادل للأدوار بينها وبين سلطات الكيان الصهيوني!

هذه الأمثلة هي نتاج نَهْجٍ أصيل تعبّر عنه تصرّفات وسلوك سلطة التنسيق الأمني؛ تعمّق قناعتنا الراسخة بتناقض المسارين والمشروعين؛ وتؤكّد أنّ استمرار "الحلم" بتحقيق هذه المصالحة ما هو إلاّ خداعٌ للذات من جهة، وهدر لوقت وجهد وجهاد وموارد شعب تحت الاحتلال، الأوْلى أنْ تُدّخَر لمقاومة هذا الاحتلال الغاصب، من جهة أخرى.

 

الأمل معقود على حركة حماس أن تخرج من "وهم" هذه الحالة، وتصارح شعبها بحقائق الأمور؛ حرصاً على برنامجها المقاوِم للاحتلال

وبالتأكيد، فإنّ سلطة التنسيق الأمني ستبقى حريصة على الاستمرار في هذه "العمليّة"؛ لأنّ هذا يخدم برنامجها في علاقاتها مع الاحتلال. ومن هنا، فإنّ الأمل معقود على حركة حماس أن تخرج من "وهم" هذه الحالة، وتصارح شعبها بحقائق الأمور؛ حرصاً على برنامجها المقاوِم للاحتلال، خاصّة وأنّ الجميع بات على علمٍ بما قدّمته من تنازلات هائلة في هذا السياق.. وفي مقابل ذلك تستمرّ في بناء وحدةٍ وطنيّة مع جميع أطياف الشعب الفلسطيني وفصائله كافّة، والالتقاء معهم على كلّ القواسم المشتركة التي تبقي مقاومة الكيان الصهيوني حيّة ومستمرّة حتى دحر الاحتلال.

آخر الكلام لمجاهد ديرانية:

يقول الثوار والأحرار: إن الواقعية السياسية مبدأ صحيح في غير الثورات، صحيح في حالة التدافع السياسي السلمي ضمن منظومات سياسية آمنة عادلة مستقرة، أما في الثورة، فإن ما نحتاج إليه هو "الواقعية الثورية"، وهي لا تعني اختيار المسار الآمن، إنها تعني بكل بساطة: اختيار المسار الأقل كلفةً ومرارةً وخطورةً من بين مساراتٍ وخياراتٍ كلُّها مُرٌّ مُكلفٌ خطير.