مقالات مختارة

فتوى: تكاليف العمرة تقدم لميزانية الأونروا

1300x600

عام 1993، التقيت المرحوم الدكتور حيدر عبد الشافي في بيت السفير الفلسطيني السابق الدكتور ناصر القدوة في نيويورك، وكان عائدا من جولة مفاوضات جديدة مع الإسرائيليين في واشنطن تحت المظلة الأمريكية. 

سألناه عن سير المفاوضات، فقال لم يحدث أي تقدم على الإطلاق، بل ما زلنا في المربع الأول. ولماذا؟ سألناه. فقال مواقفنا متباعدة تماما، نحن نصر على إقرار أن المستوطنات غير شرعية، ويجب أن تتوقف تماما، وهم يرفضون ذلك. ونحن نصر على تثبيت حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وهم لا يقبلون ذلك نهائيا. ونحن نصر على أن القدس الشرقية أرض محتلة ينطبق عليها ما ينطبق على بقية الأراضي التي احتلت عام 1967 وهم يرفضون ويصرون على أن القدس عاصمتهم الموحدة والأبدية. ونحن نصر على أن حدود دولتنا الفلسطينية يجب أن تكون خاضعة للسلطة الفلسطينية لتثبيت معنى السيادة وهم يرفضون. 

وقال تلك هي الخطوط الحمر التي لن أوقع على أي اتفاقية بدون تثبيتها. قلت له يومها مازحا «أخشى يا أبا خالد أن تطعن في الظهر ويتم الالتفاف عليكم. يستغلونكم ثم يتخلون عنكم». وهو ما حدث بالضبط بعد شهرين أو ثلاثة من ذلك اللقاء. قام فريق المفاوضات السري في أوسلو بتأجيل الحديث عما سمي «قضايا الوضع النهائي»، وتحدثوا عن السلطة والمعابر وأنواع البطاقات والتنسيق الأمني ووقعوا اتفاقية مذلة، ما زال الشعب الفلسطيني بكامله يدفع ثمنها.

إذن ضم القدس وإلغاء حق العودة حلم إسرائيل الدائم. وبما أن القانون الدولي كان واضحا في النقطتين، فقد عملت إسرائيل بطريقة بطيئة ومحكمة وواضحة على تهويد القدس، وتوسيع النشاط الاستيطاني، خاصة في القدس الشرقية والعمل على إلغاء حق العودة تماما.

وأذكر أن إيهود باراك قال أثناء المفاوضات «لن أسمح لفلسطيني واحد أن يرجع في إطار تطبيق حق العودة. قد أسمح لعدد من الفلسطينيين أن يرجعوا لأسباب إنسانية، كجمع شمل العائلات مثلا، ولكن ليس تحت يافطة حق العودة». الآن جاء ترامب وفريقه الذين لا يقيمون أي وزن للقانون الدولي، فاعترفوا بشكل أرعن بأن القدس عاصمة إسرائيل.

ولكي يكتمل تنفيذ خطة اليمين الإسرائيلي المتطرف في تدمير أركان القضية الفلسطينية قرر ترامب أن يقطع المساعدات الإنسانية عن اللاجئين، والعمل على تدمير وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، المكلفة بالعناية بخمسة ملايين ونصف المليون لاجئ حسب قرار 302 الصادر عن الجمعية العامة بتاريخ 8 ديسمبر 1949.

حرب على الشعب الفلسطيني


بقرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وقطع المعونات عن الأونروا، تكون إدارة دونالد ترامب الأمريكية المتصهينة قد أعلنت الحرب على الشعب الفلسطيني بكافة تشكيلاته – لا فرق بين سلطة أو حزب، فصيل أو منظمة، مجتمع مدني أو لاجئين، مدنيين أو رجال أمن، نساء أو شيوخ. هذه الإدارة الأكثر تطرفا في دعم الكيان منذ الرئيس ترومان، يقف على رأسها الثنائي ترامب وبنس، ويساندهما إحدى عشرة شخصية من غلاة الصهاينة لا يقلون تطرفا عنهما. من بين الدائرة الأقرب إلى الرئيس، إضافة إلى ابنته إيفانكا وزوجها جاريد كوشنير المتطرف دينيا والداعم للمستوطنات، ديفيد فريدمان، سفير هذا التجمع في إسرائيل الذي يرفض أن يستخدم مصطلح «الأرض المحتلة» وجاسن غرينبلات الوسيط الدولي، الذي وضع اللمسات الأخيرة على صفقة العصر أو صفعة العصر. 

ومنهم ستيفن ميللر (32 سنة) كبير مستشاريه وأحد المتطرفين الصهاينة، ومنهم ستيفن منوحين، مسؤول الحقيبة المالية، ومنهم مارل إيكان، مستشار للقضايا التنظيمية، ومنهم غاري موهين، رئيس المجلس الاقتصادي، ومنهم بوريس إيبشتاين (34 سنة)، مساعد خاص لترامب مسؤول الاتصالات، ومنهم ستيفن مونخن الذي أشرف على جمع ملايين الدولارات لحملة ترامب الانتخابية، وغيرهم الكثير. 

على الفلسطينيين والعرب الشرفاء أن يعرفوا أنهم يتعاملون مع رئيس ووزارة مفصلة على مقاس غلاة الصهاينة والمستوطنين والجماعات الأكثر تطرفا في كراهية العرب والمسلمين في التاريخ المعاصر. 

ومن بقي يراوده شك في ذلك فليستمع مرة أخرى لخطاب العنصرية والتطرف والتدين الذي القاه نائب الرئيس، مايكل بنس، أمام الكنيست الإسرائيلي يوم الإثنين الماضي، ليعرف أن الذي كان يتكلم، مقتنع من ناحية عقائدية كأحد الإنجليكيتين، الذين يؤمنون بضرورة جمع اليهود في هذه البلاد وطرد غيرهم كي يعود المسيح. لقد كتبنا الكثير عن قرار الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان ودعني أسلط بعض الضوء على قرار تدمير الأونروا.

أهمية الأونروا ماديا ومعنويا


تكمن أهمية الأونروا ليس في كونها تقدم الخدمات الصحية والتعليمية للاجئين الفلسطينيين فحسب، بل لأنها تجسد الشاهد الأممي الحي على مأساة الشعب الفلسطيني، الذي اقتلع من أرضه ووطنه بغير حق، وتجسد حق العودة وتذكر العالم بأن مأساة اللاجئين ما زالت تنتظر الحل العادل. رئيس وزراء الكيان نتنياهو دعا إلى تفكيك الوكالة، لأن وجودها «يعزز الوهم لدى الفلسطينيين بحق العودة الذي لن يحدث أبدا». ودعا إلى ضم اللاجئين إلى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين لخلطهم مع ملايين آخرين، تقتصر قضاياهم على كمية الرز والطحين والخيم بانتظار عودة الهدوء إلى بلادهم لتصبح كل الطرق مفتوحة لعودتهم.

الأونروا تقدم الخدمات في 59 مخيما وتدير 700 مدرسة تحتضن 525000 طالب في غزة والضفة الغربية والأردن وسوريا ولبنان. كما تقدم الوكالة الخدمات الصحية من خلال 420 عيادة في دول اللجوء، وبعضها في مناطق مهمة جدا مثل حلب ودمشق وبيروت. كما تقدم الوكالة خدمات طوارئ لمليون ونصف مليون لاجئ، إضافة إلى الخدمات العادية لخمسة ملايين ونصف المليون لاجئ.

والوكالة تختلف عن بقية وكالات الأمم المتحدة، فهي أكثر وكالة إنسانية تشغيلية في منظومة الأمم المتحدة، حيث توظف نحو 30000 موظف 98% منهم من الفلسطينيين، من بينهم معلمون وأطباء وممرضون ويبلغ عدد الموظفين الدوليين نحو 200 موظف. والغريب أن ميزانيتها تقوم على التبرعات، وهو ترتيب خبيث من الدول التي كانت تسيطر على الجمعية العامة آنذاك، لتبقى الوكالة عرضة للضغوط متى شاء المتبرعون، خاصة الولايات المتحدة التي كانت أكثر الدول حماسة لإنشائها وصوتت هي وإسرائيل لصالح القرار 302 الذي يأتي على ذكر القرار 194 وحق العودة مرتين. 

إذن من المهم أن تستمر الوكالة في تقديم هذه الخدمات ومن المهم أيضا التعويض عن ملايين الدولارات التي أوقفتها الولايات المتحدة. ولهذا الغرض أطلق مؤخرا المفوض العام للأونروا، بيير كرينبول، حملة دولية للتبرعات تحت عنوان «كرامة اللاجئ لا تقدر بثمن». وهدف الحملة جمع مبلغ 500 مليون دولار، بداية من الفلسطينيين في الشتات والقطاع الخاص في دول استقبال اللاجئين الفلسطينيين وبقية الدول الأعضاء في الجمعية العامة، لحثهم على زيادة المساهمة كما فعلت مؤخرا بلجيكا والصين والبرازيل وروسيا.

لقد ازدادت أعباء الأونروا في الآونة الأخيرة؛ بسبب تفاقم حالات الصراع في المنطقة، خاصة في غزة وسوريا، ما أضاف أعباء على الوكالة، خاصة في ميدان حالات الطوارئ لتصل ميزانيتها كل سنتين إلى 1.2 مليار دولار. ما يضطر الأونروا لأن تطالب بزيادة في المساهمات للتعامل مع الحالات الطارئة. 

الفتوى مع أنني لست فقيها في علم الدين والفتاوى وشروطها، وإن كنت قارئا جيدا للإسلام وأدرس الإسلام من الناحية الفكرية والحضارية والتراثية، إلا أنني أستطيع أن أصدر هذه الفتوى من الناحية الإنسانية، حيث أرى مصلحة الجماعة ترتقي فوق مصلحة الفرد: هناك خمسة ملايين ونصف مليون لاجئ فلسطيني، تحاول إدارة ترامب أن تدمرهم وتذلهم وتبعثر حلم العودة لديهم، وتحولهم إلى متسولين أو متطرفين أو جهلة أميين.

لنقف معهم ونلتزم بسد الثغرات في ميزانية الأونروا. إنه نداء موجه للأغنياء الفلسطينيين والعرب، خاصة في الساحة الأمريكية، الذين يقدرون بالآلاف، بل إن بعضهم أصبحوا مليارديرات، ولذا أقول بنية صادقة: بدل تأدية سُنة العُمرة، التي هي من النوافل لدى معظم علماء المسلمين، (رغم بعض الاختلافات والاجتهادات) ليتبرع كل فلسطيني أو عربي أو مسلم بتكاليف العمرة لمرة واحدة لميزانية الأونروا، وإذا كان قادرا من الناحية المادية، ويود أداء العمرة فليقدم مبلغا مماثلا للأونروا، فخمسة آلاف دولار التي سيصرفها المعتمر تذهب لميزانية دولة تؤيد ضم إسرائيل للقدس وتتحالف معها، وعلى لسان بنس نفسه. فلتذهب بدل ذلك لدعم صمود اللاجئين، وصيانة كرامتهم وحقهم في الحياة الكريمة.


القدس العربي