قضايا وآراء

كم جيلا سيدفع ثمن موقف أبو الفتوح مع السادات؟!

1300x600
منذ ما يقرب من أربعين عاما؛ قام أحد الشباب في اجتماع لطلبة الجامعات مع السادات، ودخل معه في صدام شهير ربما يعرفه جميع المهتمين بالعمل العام.. هذا الشاب هو الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، الذي كان محور الاهتمام قبيل وبعد اختطافه من السلطة الموجودة في مصر.

مرت أربعون عاما بها أحداث كثيرة؛ وواحدة منها أن أبو الفتوح أصبح أحد كبار الساسة في مصر، وكان مرشحا لرئاسة الجمهورية في الانتخابات الوحيدة الحقيقية التي جرت في بلادنا، ثم قام بجريمته الكبرى في 30 حزيران/ يونيو و3 تموز/ يوليو.

هذه الجريمة نتيجة لتراكم طويل لعلاقات معقدة لا نعرفها ولا نريد معرفتها بين قيادات فترة السبعينيات وما تلاها، وهذا الاستنتاج هو محاولة لإنقاذ أبو الفتوح من تهمة خيانة شعب مصر. فهو بالتأكيد ليس كغيره من المملوكين حصرا لقوى متصهينة وغيرها؛ تأبى إلا أن تسحق شعب مصر وتستعبده. نعم أبو الفتوح ليس كذلك، إلا أن هذه الأربعون عاما حملت من الأمور المعقدة في علاقاته مع أقرانه الكثير.

هناك مئة مليون مصري، منهم في أقصى التقديرات مليون موجودون داخل مساحة العمل السياسي الحزبي والعام، والتسعة والتسعون مليون مصري الآخرون ليسوا مسؤولين بأي شكل عن الصراعات والمشاكل والضغائن في مساحة المليون ناشط سياسي. ولا ينبغي أن تخدع الجماهير بشعارات كبيرة تحمل داخلها رغبات شخصية، ونقل المشكلة من مساحة المليون إلى مساحة التسعة والتسعين؛ هي جريمة كبرى أخرى تضاف إلى جريمة 30 حزيران/ يونيو و3 تموز/ يوليو.

لقد تحرك شعب مصر خلف قيادات السبعينيات مغمض العينين إلى حد كبير، ولمواقفهم (القيادات) الشهيرة أصبحوا نجوما كبارا في مجال العمل السياسي والعام. ولم يكن الشعب فقط هو من تحرك وراءهم، بل الكثير من النشطاء من كافة التيارات. وكان موقف الوقوف أمام السادات من حمدين صباحي وعبد المنعم أبو الفتوح هو الموقف الأشهر لهم، والذي بنى عليه الاثنان الكثير من نضالهم السياسي، ولكن الاثنين سقطوا سقوطا مروعا في اختبار حقيقي حول انتمائهم للشعب، وأصبحوا أدوات، سواء بوعي كامل (كحمدين صباحي) أو بوعي محمل بإنكار من عبد المنعم أبو الفتوح.

والآن يعود الاثنان للظهور مرة أخرى في رداء المناضل الذي قرر إغلاق زنزانته على نفسه ثم وقف في وسطها يسب سجانه (في محاولة لإعادة تموضع مشروع 30 حزيران/ يونيو) أي بطولة تلك؟! ربما بطولته القديمة أمام السادات.

كم جيلا سيبقى يدفع ثمن هذا الموقف؟ ماذا يمكنه أن يبطل تلك الحادثة بعد أن مر عليها أربعون عاما؟ كم من الانقلابات والجرائم التي ستمحو تلك البطولة؟ يدعونا كبار الساسة إلى نسيان الجرائم المعاصرة والتي يسمونها أخطاء (لا أعرف كيف)، وفي نفس الوقت يرجعونا إلى الخلف، حيث لم نكن وُلدنا لنتذكر بطولات أجيال السبعينيات (التي لا ننكرها)، ولكن مر عليها الكثير وانهالت عليها آلاف الجثث والحرائق والخيانات، فلم نعد نراها وكذلك لا نريد أن نراها.

هناك عبارة شهيرة تقول: "إن الأبطال الحقيقيين لا يعلمهم أحد"، فذلك الشاب الذي وقف أمام عربة الأمن المركزي وهي متجهة نحوه؛ بطل لا يعرفه أحد، وكذلك الشاب الذي فتح معطفه أمام الضابط وأطلق عليه الرصاص فأرداه شهيدا يوم 28 كانون الثاني/ يناير؛ لا يعرفه أحد ، والأبطال الذين طهروا أسطح المباني بميدان التحرير في يوم موقعة الجمل لا يعرفهم أحد، والشاب الذي يحتضن المصاب الذي لا يعرفه ويجلس في طريق الجرافة المتجهة نحوه يوم فض رابعة لا يعرفه أحد، وكثير جدا من الأبطال المجهولين لا يعلمهم أحد في كل شوارع وقرى مصر، ولكنهم لم يقفوا أمام السادات.

إننا لن نبقى أسرى أحداث قديمة أكدت الأحداث أنها لم تكن صادقة تماما، وحتى لو كانت صادقة في حينها، فقد انهالت عليها أطنان من العفن وأدتها تحتها، ولم يعد هناك متسع في عقولنا لاستدعاء أحداث من الماضي القديم، فأحداث الحاضر تملأ عقولنا، ولا تزال رائحة الحريق المنبعث منها في أنوفنا ولا تزال قطرات الدم المنساب منها عالق في أيدينا.

لن تبقى الأجيال التي عاشت أحداث العشر سنوات الأخيرة أسيرة لصراعات قديمة، وأحقاد ومشاكل شخصية أو تنظيمية بين أفراد أو جماعات لم يستطع أصحابها عزلها عن العمل العام، وأدت إلى انهيار كبير في مصر تحت شعارات كبيرة تخفى تحتها ما نعلم وما لا نعلم.

إن الأمل معقود على أبطال حقيقيين جدد من قلب الشارع وهم أكثر مما نظن، لم يقفوا أمام أحد ولم يرفعوا مشكلاتهم الشخصية والحزبية والتنظيمية فوق إرادة الشعب وفوق حريته، فضلا عن أنهم لم يخونوا ويصبحوا أدوات في يد الجميع، بل ناضلوا ويناضلون في صمت بعيد عن كاميرات صناعة البطولة وعن الجمل الركيكة التي تتحول إلى عبارات ثورية من نوع السجن في مصر أحب إلي من قصور لندن.

إن الحرية في قصور لندن أو شوارع القاهرة أو أزقة أفقر مكان في العالم لا تقارن بالسجن، فما بالك بسجون مصر؟ ولكن النخب المصرية حولت الهزيمة المتمثلة في السجن إلى نصر وبطولة، وجعلت السجن الناتج عن فعل مقاوم وثوري كعمر المختار مساويا لتسليم نفسك للعدو لكي تسجن. إن ثقافة السجن وحده كنوع من المقاومة هي أكبر كارثة أنتجتها النخب المصرية، ولا ينبغي أن نسمع لها بعد الآن، ويستخدم النظام ذلك لصناعة الأبطال وإنتاج الخونة والتاريخ المصري في آخر مئة عام مليء بذلك.

نحن في انتظار هؤلاء القادة الجدد من قلب الشارع، وهم الأمل في تحرير مصر، واستمرار انتظار مخلص من الماضي (كل الماضي) هو أشبه بانتظار المستحيل.