كتاب عربي 21

إنكار الواقع.. بين الإسلاميين والليبراليين

1300x600

الواقع - في رأي كاتب هذه السطور - هو مجموعة من الافتراضات التي يتصورها الذهن البشري، قد يكون بعضها أو جلها صحيحا، وقد يكون العكس.

الواقع ليس نقلا محايدا للأشياء، بل هو توصيف للأشياء مصبوغ بخبراتنا وتجاربنا المحدودة، وأهوائنا غير المحدودة.

نحن - بلا استثناء - نصف أشياء بأنها "مستحيلة"، وأخرى بأنها "ممكنة"، ونصف أشياء بالسهولة، وأخرى بالصعوبة، ونصف الأماكن بأنها قريبة أو بعيدة، والأشخاص بأنهم طيبون أو شريرون، أذكياء أو أغبياء... إلخ. وكل هذه الصفات أو كثير منها ليست صفات لازمة، بل هي آراء شخصية أو جماعية، مرتبطة بتجارب الإنسان في تفاعله مع الزمان والمكان.

من دلائل الحكمة عند الأفراد والجماعات القدرة على رؤية الواقع كما هو، أو توصيف الواقع بلا مبالغات، وبدون التأثر بضغوط اللحظة، وبعوامل الزمان والمكان، وهذا أمر يؤدي في النهاية تزايد احتمالات اتخاذ القرار الصحيح.

ولكن هل معنى ذلك أن كل شيء نراه حولنا قد يكون خاطئا؟ وأنه لا توجد ثوابت أو مسلمات؟

 

في مصر نرى تيارين أساسيين، وقيادات كلا التيارين تعاند سنن الحياة، ويخلق كلاهما لنفسه واقعا متخيلا، وكلاهما يعيش في وهمه الخاص


أظن أن كل ذلك لا يمنع أن هناك أمورا يراها كل أحد، فهي واضحة وضوح الشمس، وعدم رؤيتها يمثل إنكارا ساذجا للواقع، ومحاولة لتخيل واقع بديل، غير موجود، وربما لن يوجد في القريب العاجل، بل ربما لن يوجد على المدى الطويل.

***

في مصر نرى تيارين أساسيين، وقيادات كلا التيارين تعاند سنن الحياة، ويخلق كلاهما لنفسه واقعا متخيلا، وكلاهما يعيش في وهمه الخاص، ولا يريد أن يتنازل عنه، ولا يريد أن يرى الحقيقة المُرّة لأنها مُرّة، شديدة المرارة، لا يتحملها إلا أولو العزم من البشر، لذلك فضّلَتْ هذه النخب من التيارين الحياة في أوهام أقل مرارة من الواقع، ولكن مصر تدفع الثمن.

الوهم الذي يعيش فيه التيار المدني:

يؤمن بعض المنتمين للتيار المدني بإمكانية الحوار مع النظام، وبالتالي إمكانية الإصلاح من الداخل! والبعض يظن أن هذا النظام يمكن إرضاؤه بقليل (أو كثير) من الانبطاح!

 

في حادثة الاعتداء على إفطار القوى المدنية في النادي السويسري الأسبوع الماضي، صرّح السيد عبد العظيم حمّاد، رئيس تحرير الأهرام الأسبق، أن المجتمعين كانوا بصدد إصدار بيان ما يرحب بـ"المعاني الإيجابية في خطاب الرئيس"!


والحقيقة، أن النظام لا يحتاج إلى أحد، لقد حسم رئيس جمهورية الأمر الواقع السيد عبد الفتاح "سيسي" أمره، وهو مستغنٍ عن التيار المدني بالدعم الخارجي من إسرائيل وأمريكا.. إنه ماض في خلق ضرورة دولية لوجوده هو ونظامه؛ من خلال توريط مصر وجيشها في كل النزاعات الإقليمية، ومن خلال القيام بدور مشين في ما يسمى بصفقة القرن.

أما قوى الداخل من التيار المدني، فهو (سيسي) لا يرى منها أحدا، ولا يراهن عليها بأي شكل من الأشكال، ولا يرغب في الحوار، وليس محتاجا لها.

في حادثة الاعتداء على إفطار القوى المدنية في النادي السويسري الأسبوع الماضي، صرّح السيد عبد العظيم حمّاد، رئيس تحرير الأهرام الأسبق، أن المجتمعين كانوا بصدد إصدار بيان ما يرحب بـ"المعاني الإيجابية في خطاب الرئيس"!

بكل تواضع، أقول للسادة في القوى المدنية إن مجرد التفكير في التعامل مع ساكن قصر الاتحادية يدل على انفصال كامل عن الواقع، فهذا الرجل لا يعبأ بكم، ولا يعيركم انتباها، وأنتم في نظره أعداء (ولا قيمة لكم)، أي أنه لا يحسب لكم حسابا يذكر، ومن يراهن على أنه قد ينظر نظرة عطف أو أنه سيحتاج إليكم فهو غافل غفلة تامة.

هذا الرجل لن ينظر لكم إلا في اللحظة الأخيرة قبل الغرق، كما نظر زين العابدين إلى الشعب التونسي في خطاب "أنا فهمتكم"، وأي شيء سوى ذلك مستحيل.

والوهم الذي يعيش فيه التيار المدني من إمكانية الحوار مع هذا السفاح، أو أنهم قد حموا الدولة المصرية من خطر الدولة الدينية المتمثل في الإخوان المسلمين، فهذا محض هراء. فلا دولة الإخوان كانت دولة دينية، ولا هي كانت دولة الإخوان أصلا!

 

الوهم الذي يعيش فيه التيار المدني من إمكانية الحوار مع هذا السفاح، أو أنهم قد حموا الدولة المصرية من خطر الدولة الدينية المتمثل في الإخوان المسلمين، فهذا محض هراء



لقد كان الأمر أشبه بعرض مسرحي كوميدي، وشربنا المقلب جميعا. وبدلا من أن نتحد أمام قوى الثورة المضادة، قبلنا بأن ننقسم إلى إسلاميين وليبراليين، مما أدى إلى تمكين النظام العسكري مرة أخرى.

***

أما الوهم الذي يعيش فيه كثير من أنصار التيار الإسلامي:

فهو مسألة إمكانية عودة الرئيس المعزول الدكتور محمد مرسي!

أنا لا أتحدث عن "أخلاقية فكرة عودته"، بل أتحدث عن الإمكانية الفعلية لحدوث ذلك!

ما زال بعض الناس يصرون على بيع الوهم للجماهير بحديث عاطفي غير عقلاني، وهو ما يعيق تحرك هذا الشعب للأمام للبحث عن حل عملي قابل للتطبيق، يخلص ملايين المتضررين من هذا الانقلاب العسكري الغاشم، ويعيد بعض الحقوق لأصحابها، ويرد الاعتبار لكل المناضلين والثوار.

 

ما زال بعض الناس يصرون على بيع الوهم للجماهير بحديث عاطفي غير عقلاني، وهو ما يعيق تحرك هذا الشعب للأمام للبحث عن حل عملي قابل للتطبيق

 

 


***

إن الحل الوحيد الذي يضمن عودة مسار التغيير السياسي إلى مصر (وبالتالي إلى المنطقة كلها)، هو أن يرى التيار المدني والتيار الإسلامي الواقع كما هو، وأن يدرك التياران أنه لا مخرج سوى بتوحد الجميع في وجه هذه السلطة الغاشمة، وأن كل من يدعو إلى تفريق الصف باسم "تنقية الصف"، أو بحجة "عدم وطنية الطرف الآخر"، أو بدعوى أن الطرف الآخر "لا وزن له"... كل من يفعل ذلك يعمل في حقيقة الأمر لصالح النظام الاستبدادي، عرف ذلك أو لم يعرف.

إن المشترك بين التيارين أكبر من المختلف فيه، ولكن المسألة تكمن في القدرة على توحيد الناس على هذا المشترك الوطني، وعلى وضع الخلافات في حجمها الحقيقي، وعلى القدرة على إدارة الاختلاف.

(لست محتاجا إلى التذكير بأن كلامي هذا لا يعني أن نقبل بسافكي الدماء أو بأعداء الوطن ضمن القوى التي ستتوحد لتواجه النظام العسكري)

***

لقد استطاع النظام العسكري الذي يحكم مصر اليوم بمساعدة إسرائيل وأنظمة الرجعية العربية؛ أن يرى الواقع كما هو، فتعامل مع الثورة المصرية بما يليق بها، فامتص الصدمة، وشرب عشرات كؤوس السم، ففرق جموع الثوار تحت شعارات الليبرالية والإسلام، ثم انقض بلا هوادة ولا رحمة، وما زال مستمرا في فتكه، وسيستمر في هذا الفتك لأنه لا يملك حلا آخر، ولا يحمي هذا النظام شيء بقدر تفرق معارضيه، وعجزهم عن رؤية الواقع كما هو، وبالتالي عجزهم عن التوحد والوقوف في وجهه صفا واحدا.

لن يُهزم هذا النظام إلا إذا وقف المصريون في وجهه متحدين!

***

كلمة أخيرة: ما حدث في الأردن لا يدل على أن "الربيع لم ينته"، بل يدل على أن الربيع آت لا محالة!

لقد خسرنا جولة... وما زال في جعبة الزمان جولات!

موقع إلكتروني: www.arahman.net
بريد إلكتروني: arahman@arahman.net