مقالات مختارة

«قبة ... من ورق»

1300x600

ليست طائرةً كتلك التي أَسقطت القنبلة الذرية على ناغازاكي وهيروشيما، ولا مثل طائرات «أف 16» و«أف 35» التي خاضت حروباً في غزة ولبنان وسوريا، ولكن عندما يتحدثون عنها تظن أنها آلة حرب فتاكة، أو «إرهابٌ من طراز جديد».

في البداية، لم تؤخذ على محمل الجد إسرائيليا ولا فلسطينيا. كانت «فكرة» مثل مئات الأفكار التي أبدعتها مخيلة الفلسطينيين في الاحتجاجات الأسبوعية ضد جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية، حيث كل أسبوع فكرة أو ثيمة جديدة. لكن هذه الفكرة تحديدا، تولّدت في جحيم غزة، وتحولت إلى ثيمة أساسية خلال «مسيرات العودة»، وبلغت ذروة جديدة في «مليونية القدس». وأسبوعا بعد أسبوع كانت تكتسب زخما، حتى أصبحت رمزا لهذه الاحتجاجات الشعبية.

هي «الأطباق»؛ مجرد طائرات من ورق محمّلة بشعلة يُطلقها أهل غزة المحاصرون. ترتفع عاليا في السماء، ويُطلق لها العنان، فتحملها الريح إلى الجزء الآخر من الحدود حيث تشعل حرائق في الأحراش والغابات والحقول الزراعية. منخفضة الكلفة، لكن أضرارها كبيرة. ثمن الواحدة منها دولاران أو ثلاثة على الأكثر. ثمنٌ زهيد مقارنة بالصواريخ والقذائف التي تنهال على غزة. تستطيع أن تقطع مسافة كيلومتر، ويمكن أن تبلغ 30 كيلومترا. ولكن للمفارقة، لها من الحرية في التجوّل خارج الحدود أكثر مما لدى أي غزّي. وحدها تعبر الحدود مع إسرائيل من دون أن يوقفها «حرس الحدود». وحدها تكسر الحصار. وحدها توجع العدو.

صحيح أنها سلاح بسيط، لكن مفعوله النفسي، كما الاقتصادي شديد. يتردد أن المستوطنين في «غلاف غزة» لا يُحسون بالأمان ويشكون من الحرائق. يُقال إن الخسائر بالملايين، مأخوذا في الحسبان التهويل الإسرائيلي حول قيمة الأضرار. ولهذا أسبابه، ليس أقلها المتاجرة السياسية بالمسألة على الساحة الدولية، بما يبرر البطش بالمتظاهرين العزل، فيما عين المستوطنين على التعويضات.

يقدّر رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو الأضرار بـ 1,2 مليون يورو، ويتعهد بتعويض المستوطنين، وتدفيع السلطة الفلسطينية الثمن. متوقع، فأمام هزال البيئة الحزبية للنظام السياسي الإسرائيلي، حيث تحوّلت الكنيست إلى مسرح هزلي لا يناقش إلا قضايا قمع الفلسطينيين ومحاصرتهم، فإن الدعم الوحيد الذي يسنِد نتانياهو يأتي من المستوطنين الذين وجدوا في ضعفه ما يمنحهم قوة.

لا يلبث وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان أن يتحدث عن خطر الطائرات الورقية الداهم كما لو أنه خطر صواريخ متطورة: «أُطلقت 600 طائرة ورقية اعترضنا 400 منها، لكن 200 منها تسببت بحرق 900 دونم». جزء آخر من المسرحية الهزلية!

وسرعان ما تتضخم الأرقام، فالـ900 دونم تصبح 9 آلاف، وفق رئيس الصندوق القومي الإسرائيلي. لا تنسوا التعويضات! هو أيضا يتوعد بتدفيع الفلسطينيين الثمن عبر رفع دعوى دولية، ويتحدث عن حملة غرس مع أطفال في مستوطنات غزة تحت شعار «حماس تحرق ونحن نزرع». علاجٌ نفسي جماعي لدولة لا تغادر عقلية الضحية، ويلتقي مستوطنوها ورئيس حكومتها ورئيس صندوقها القومي عند المنطق ذاته، سياسة «تدفيع الثمن». هل تذكرون حرق عائلة الدوابشة في قرية دوما؟

ورطة إسرائيل كبيرة أمام هذه الطائرات الورقية؛ فإما الرد الذي يستدرج ردا ويشعل جبهة غزة، وهذا أمر لا يبدو أن الدولة العبرية معنية به فيما العالم يتابع ويندد، وحملة مقاطعة إسرائيل تتسع دوليا، ومعها تضامن المثقفين والفنانين حول العالم. وإما التجاهل، وهذا ترفضه العنجهية الإسرائيلية. وما بين هذا الخيار وذاك، يجتمع المستوى الأمني الإسرائيلي. وتصدر تصريحات خطيرة. لكن الطائرات تصل في موعدها. ولا حل. لا حقيقة سوى عجز حكومة نتانياهو عن مواجهة الطائرات الورقية التي يطلقها أطفال غزة لتحرق حقول المستوطنات. فلا طائرات الشبح «أف 35» ولا صواريخ «باتريوت» ولا «القبة الحديد» قادرة على منعها.

إنها إسرائيل المذعورة من حجر و «أطباق»، لكنه ذعر لن ينتهي؛ فالضحية ماثلة وحيّة وتدافع عن نفسها وعن حقها، وما لم يُطرح حل سياسي عادل، فستقف الترسانة الإسرائيلية المتطورة عاجزة أمام طائرات من ورق تكشف أن قبة نتانياهو، من ورق.

 

الحياة اللندنية