مقالات مختارة

هل تنكد الحكومة على الشعب ليلة العيد؟!

1300x600

من خلال خبرة المصريين مع السلطة خلال الأعوام الأخيرة، أصبحت هناك قناعة بأن الحكومة تختار أوقاتا محددة تعقبها إجازات رسمية من أجل تمرير تطبيق القرارات الجديدة المتعلقة برفع الأسعار، خاصة أسعار الوقود، فكانت الحكومة تختار مساء يوم الخميس مثلا لتنفيذ القرارات المشابهة، على اعتبار أن صبيحته سيكون يوم الجمعة، والناس نيام، ولا يوجد دوام رسمي، ولا مدارس، ولا جامعات، وكذلك يوم السبت الذي يعقبه، وعندما يفيق الناس مع أول أسبوع العمل تكون الحياة طبعت على القرار الجديد، والشارع بدأ التعامل وفق الأوضاع الجديدة، هذا المخطط الحكومي "الماكر" تكرر كثيرا، حتى أصبح مثار التندر لدى الناس والتعليقات الساخرة، خاصة اختيار ليلة الجمعة.

هذه الأيام هناك قلق ومخاوف لدى الناس من قرارات محتملة بخصوص رفع أسعار الوقود، والمسألة شبه منتهية، لأنها مدرجة في ميزانية العام الجديد، أي أن دولاب الدولة كلها تم ترتيبه على الوفرة المالية المنتظرة من رفع أسعار الوقود، وبقيت المسألة متعلقة بالتوقيت فقط، متى يتم تنفيذ هذا الإجراء القاسي ؟ هذا هو السؤال الذي يشغل الناس هذه الأيام، وهو ما يجعل الكثيرين يستحضرون خبرتهم القديمة مع الحكومة، واختياراتها للتوقيتات، وخاصة في الأيام التي تسبق الإجازات القصيرة أو الطويلة، وبطبيعة الحال نحن مقبلون على إجازة عيد الفطر "السعيد" ابتداء من الخميس المقبل، والذي ستعقبه إجازات تمتد لقرابة أربعة أيام على الأقل، وبالتالي أصبحت هناك قناعة متزايدة، بأن قرار رفع أسعار الوقود قد يكون ليلة العيد، دون اعتبار للمناسبة، فقد اعتاد المواطن على أن "تنكد" عليه الحكومة أيا كانت المناسبة.

كانت الأجهزة قد وجهت صحفها وأقلامها خلال الفترة السابقة للتمهيد للقرار، بالحديث عن الأسعار العالمية للوقود، وكيف أن المصريين "مدللون" بأسعار أقل من غيرهم من الدول، حتى دول الخليج العربي المنتجة للنفط، ووصلت الكتابات إلى مستوى متدني من الكذب والمغالطات، عندما تقارن مواطنا في دولة دخل أسرته الشهري يمكن أن يتجاوز مائتي ألف جنيه مصري، بمواطن مصري دخله الشهري تحت سقف الألفي جنيه، إذا استبعدنا الشريحة الوسطى المتآكلة الآن والتي تتجاوز هذه الحدود بقدر محدود، ويبدو أن ما حدث في الأردن قد انعكس على توقيت القرار هنا، وكان واضحا أن أحداث الأردن تشغل صانع القرار في القاهرة، وكانت المؤشرات على ذلك واضحة في هجوم الإعلام الرسمي في مصر على مظاهرات الأردن وتحذير الأردنيين من مصير سوريا والعراق، كنت تشعر أن الخوف هنا وليس هناك.

الناس في مصر مثقلة جدا بضغوط الحياة، وقد أفزعني أن صديقا محاميا قديما يحدثني وهو يشكو من أنه أصبح شبه عاجز عن دفع فواتير الكهرباء فضلا عن بقية نفقات الأسرة التي يعولها، كما يمكنك أن تسمع أو تقرأ القصص المؤلمة عن آلام عوام الناس في توفير لقمة العيش، بالمعنى المباشر للقمة العيش، الخبز والجبن، وهؤلاء هم الذين سيكونون أكثر وأهم ضحايا الزيادات المنتظرة في أسعار الوقود، لأنهم هم الذين سيتحملون عبء الأسعار المضاعفة للسلع ووسائل المواصلات، لأن سيارة الأجرة أو النقل التي ستدفع أكثر من ضعف ما كانت تدفعه في التزود بالوقود لن يكون أمامها إلا تحميل تلك الزيادة على الراكب نفسه، فضلا عن تحميل الزيادة في أسعار السلع التي يتم نقلها وتسويقها.

المشكلة أن صورة المقبل أكثر ظلاما، لأن هناك تفاقما في أزمة السيولة وأزمة المياه وهناك ميزانية متواضعة للغاية للاستثمارات الجديدة، بما يعني أن توفير فرص عمل تتقلص، وكل ما يشغل الدولة لتوفير سيولة أن تفرض المزيد من الضرائب أو المزيد من الرسوم على الخدمات، وهو ما يخنق الناس أكثر، كما أن تقليص مساحات الزراعة لمحاصيل حيوية مثل الأرز، سيضطر الدولة للاستيراد، والاستيراد يحتاج إلى العملة الصعبة، وهو ما يضغط على العملة المحلية التي من المتوقع أن تتراجع خلال المرحلة المقبلة، كما أن أسعار الاستيراد بديهي أن تكون أعلى من الإنتاج المحلي، ويبدو أن السلطة مسترخية ومطمئنة على أن آلة الردع الخشنة جاهزة، وأن القوى السياسية تم تشتيتها وإرباكها بل وتمزيقها وقهرها.

دوامة لا أعرف كيف نخرج منها، بعيدا عن السياسة وعن جدل السلطة والمعارضة، فملايين المصريين البسطاء في المدن والقرى والنجوع هم الذين سيدفعون الثمن، ملايين الأسر هم الذين سيعانون البؤس وذل الاحتياج، ناهيك عما يتخلف عن ذلك كله من أعراض اجتماعية وخلل أخلاقي وسلوكي وحتى إجرامي.

المصريون المصرية