قضايا وآراء

من الإلحاد إلى الإيمان

1300x600
بدأت موجة الإلحاد(1) الحالية في مصر قبل أحداث 2011م بسنوات قلائل (2007- 2009م تقريبا)، وقد شَهِدتُ بنفسي بدايات تفشيها بين شباب الإسلاميين الحزبيين (الإخوان والسلفيين بشكل أساسي) من أبناء الطبقة الوسطى وسكان المدن، وذلك قبل انتقالها لغيرهم. وربما كان "الإنجاز" الوحيد لأحداث 2011م وما بعدها، أنها وفَّرت للكثيرين من هؤلاء "الملحدين" منابر إعلامية وثقافية للتعبير عن رؤاهم، فصاروا أعلى صوتا من المعتاد، وساهم ذلك في استنفار ذوي الميول المشابهة لنُصرتهم، ليبدو العدد أكبر مما كان المجتمع "المتدين بطبعه" يتوقع!

وقد كان أحد النماذج المبكرة لذلك، هو رئيس تحرير موقع "إخوان أونلاين"، الذي نُحّي من منصبه، فصار بعدها من كتاب روز اليوسف والأهرام ومحاسيب الحزب الوطني، ومن لاعِني الإخوان والإسلاميين (وأحيانا الإسلام) بطبيعة الحال! وبغض النظر عن رأينا في ذلك كله، فإن المثير للتأمل ليست هي هذه الحالات الصريحة، التي جهر أصحابها برفضهم للملَّة ومروقهم منها نتيجة تربيتهم على أن "الخروج من التنظيم" أو "الانشقاق على الدعوة" يعني خروجا من الملة؛ الأكثر خطورة من هؤلاء هي الأغلبية الصامتة التي تزعزعت قواعد إيمانها بشكل واضح تفضحه السلوكيات اليومية، فصارت نماذج أقرب للعدمية؛ بلا مبالاتها وتبلُّدها تجاه الواقع، أو بتترُّس بعضها بالفُحش في مواجهة هذا الواقع، الذي لا تستطيع فهمه ناهيك عن التعامُل معه.

إن النماذج التي تتكشَّف منها عناصر فردية يوميّا - هنا وهناك - تعني أن هناك شريحة ضخمة للغاية من الشباب قد فقدت إيمانها، مع توهُّمه بأن التعالي على الواقع أو اللامبالاة به من الإيمان! وكما أشار بعض علماء الاجتماع للإله الخفي (H،idden God) قاصدين التديُّن السوسيولوجي غير الواعي الذي ترسخه الممارسة الاجتماعية للتعاليم الدينية، والذي يجعل من الإلحاد (بمعنى الإنكار الكامل للألوهية والغيب) مُجرَّد خرافة نظريَّة لا تتحقق في الواقع؛ فربما حان الوقت لنستكمل هذه الأطروحة باستكشاف طبيعة ما أسميه: "الإلحاد الكامن"؛ بوصفه صورة من صور الشرك الخفي التي لا يعرف صاحبها أنه قد فارق الإيمان، متوهِّما أن لوك بعض الديباجات الصوفية والتترُّس ببعض المقولات العرفانية دليل على إيمانه. وفي هذا السياق يُمكن فهم مكانة الموسيقى والسينما والشعر والأدب الروائي، بين الإسلاميين من مُحدثي الإلحاد؛ باعتبارها الكتب المقدسة لعباداتهم الجديدة. فهذه الزاوية من الرؤية ستوفر تفسيرا حقيقيّا أكثر نضجا، وتعبيرا عن شدة إقبالهم على السينما والموسيقى والشعر والرواية، بوصفها مصادر للرؤى الكلية والمنظومات الأخلاقية التي افتقدوها في تنظيماتهم وأحزابهم العلمانية التي تدَّعي الإسلام.

إن أكثر من يُعانون أسئلة لها علاقة بالشك والإيمان يريدون يقينا ماديّا ملموسا تنعقد عليه اليد ولا ينفصم أبدا. يريدون مُنتجا نهائيّا لفظته إحدى الآلات، مثل البضائع التي يستهلكونها؛ ليوضَع أمام ناظريهم دائما، فلا يُعانون أو يُكابدون شيئا بعده. وهذا نزوع إنساني فطري، لكنه لا يُعبر عن حقيقة الإيمان، وإنما عن أوهام الفطرة المنتكِسة عن الإيمان؛ الأوهام التي تجعلهم يدورون في فراغ مطبق ولا يصلون لشيء. وربما كانت أخطر الخطايا الشائعة في أوساط من يُواجهون هذه الأسئلة الوجودية، عن الألوهية والقدر ووجود الشر في العالم... إلخ، لجوءهم لدراسة ما يُسمى بـ"العلوم الشرعية"؛ ظنا أن فيها ترياق الخلاص، رغم أن تلك النصوص قد تكون في أغلب الأحيان حجابا بين المرء وقلبه. إن دراسة هذه "العلوم الشرعية" قد تُثمر صاحب صنعة (فقهية أو كلامية)، لكنها نادرا ما تُثمر مؤمنا؛ إذ لو كان الإيمان يحتاج لدراسة كل أو أكثر ما خلَّفه المسلمون من متون بشرية وتأويلات، على هامش الوحي، لما آمن مخلوق! ذلك أن الإيمان ليس "وصولا" معرفيّا أو صوفيّا موهوما، ولا هو "نهاية" طوباوية سعيدة من نسج الخيال، بل الإيمان بداية جديدة للحياة وصيرورة مُرهِقة لا تتوقف إلا بالموت. إن الإيمان مكابدة دائمة للاستقامة على الأمر الإلهي، وسعي دائم للقُرب من الرب العلي، سعي ينجح أحيانا ويفشل أحيانا أخرى. إن الإيمان يتذبذب زيادة ونقصا حسب العمل المادي البراني للمؤمن في طاعة ربه، وحسب الحالة القلبية والحالة النفسية من تسليم وتمرُّد أو إقبالٍ وإدبار. إن الإيمان حالة قلبيَّة تتلبَّس الجوارح وتهيمن عليها. وقد عرَّف الأمين جبريل عليه السلام الإيمان في الحديث المشهور بأنه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والإيمان بالبعث. لكن كل ما سبق ليس تعريفا لفعل الإيمان نفسه، بل تتبع لآثاره ومقتضياته. فالإيمان نفسه لا تعريف له؛ فهو نور يُقذَفُ في القلب ويُثمِر ما وصفه جبريل للمعصوم صلى الله عليه وسلم. لهذا؛ تعبَّد الله الخلق بالإسلام، أي بطاعته سبحانه، وجعل الإيمان مرتبة أعلى، فصار صدق إسلام الوجه وإخلاصه هو وحده هو باب الإيمان/ الهدى، الذي لا نعرف ماهيته وإن خبرنا تبعاته. إذ الإسلام الطوعي المخلص هو مفتاح قلبك الذي ترجو أن يُقذف فيه الإيمان.

___________
(1) للاطلاع على بعض تعريفنا للإلحاد؛ راجع ثلاثية مقالاتنا على هذا الموقع: “دعاة السوء"، و"دين ضد الدين"، و"مسجد الضرار".