قضايا وآراء

مذبحة رابعة الثانية

1300x600
الفُجر في الخصومة هو أحد سمات المنافقين (إذا خاصم فجر)، وهو ما نشهده واقعا في فُجر النظام العسكري الحاكم في مصر بقيادة المشير عبد الفتاح السيسي؛ ضد مناهضيه السياسيين السلميين، والذين لم يكتف بقتل وإصابة الآلاف منهم خلال فضه بالقوة لاعتصامهم السلمي في ميدان رابعة العدوية، يوم الرابع عشر من آب/ أغسطس 2013، بل عمد إلى ملاحقة من نجا من تلك المذبحة الأولى بمذبحة ثانية استخدم فيها "داناته" القضائية، فأصدرت إحدى هذه الدانات السبت 8 أيلول/ سبتمبر حكما بإعدام 75، والمؤبد لـ47، والسجن المشدد بين خمس سنوات وحتى 15 عاما لبقية المتهمين الأحياء.

لم يشفع للنائب السابق الدكتور محمد البلتاجي استشهاد ابنته أسماء في فض رابعة، ولا اعتقال أولاده الثلاثة الذين تبقى أوسطهم أنس حبيسا حتى اللحظة، فكان في طليعة من صدر بحقهم حكم إعدام جديد يضاف إلى حكمي إعدام سابقين، ومدد حبس أخرى قدرها 170 عاما. هو انتقام من ثورة يناير بأكملها، فكان شخص محمد البلتاجي الذي كان واحدا من أبرز قادتها، والذي تصدى للواء عبد الفتاح السيسي، مدير المخابرات الحربية، حين جاء يطلب إخلاء الميدان يوم 3 شباط/ فبراير قبيل وقوع معركة الجمل؛ التي اتضح الآن أن السيسي كان من صناعها، وهو (أي البلتاجي) من فضح في برلمان الثورة مبكرا مؤامرات الثورة المضادة، وما كان يوصف بالطرف الثالث، وهو الذي وقف على منصة رابعة محمسا الجماهير للصمود في وجه الانقلاب العسكري مهما كلف ذلك من ثمن؛ دفعه هو راضيا محتسبا من مهجة قلبه، وها هو اليوم يدفع الثمن مجددا بحكم إعدام جديد.

ومن عجب أن الرجل الذي أرسى قاعدة السلمية للاعتصام، الدكتور محمد بديع المرشد العام للإخوان المسلمين، بصيحته المدوية من فوق المنصة "سلميتنا أقوى من الرصاص"؛ يكون جزاؤه السجن المؤبد، ليضاف إلى أحكام سابقة بالإعدام والمؤبد أيضا، انتقاما من دوره في قيادة أكبر جماعة مناهضة للإنقلاب ومدافعة عن إرادة الشعب المصري.

كل القادة الـ75 الذين صدرت بحقهم أحكام إعدام، كانت لهم بصماتهم الواضحة في الثورة المصرية التي أنهت حكم العسكر، وأتت بأول حكم مدني لمصر؛ لم يعمر طويلا قبل عودة العسكر عبر انقلاب جديد في الثالث من تموز/ يوليو 2013، ولذلك حرص تنظيم العائدين إلى الحكم العسكري على الانتقام منهم، وتخويف الشعب بمصيرهم، حتى لا يفكر أحد في ثورة جديدة.

مجددا، تخطئ رسالة العسكر طريقها، فهؤلاء القادة المحكومون بالاعدام وغيرهم ممن يقبعون معهم في غياهب السجون يؤمنون أن "العمر واحد والرب واحد" وأن آجالهم مكتوبة (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)، وأن النظام الحاكم مهما أوتي من قوة فلن يستطيع أن ينتزع أرواحهم قبل أوانها، فلن تموت نفس حتى تستوفي أجلها ورزقها، وبالتالي وجدناهم في مرات كثيرة من قبل مرتدين "البدلة الحمراء" (زي المحكومين بالإعدام) دون أن تهتز لهم شعرة، بل كثيرا ما يظهرون باسمي الوجوه؛ ملوحين بعلامات النصر في قاعات المحاكم.

ولعل كلمات الدكتور أحمد عارف، أحد المحكومين بالاعدام والتي سجلها في قاعة المحكمة قبيل النطق بالحكم، هي الأكثر تعبيرا عن فهم وقناعة أولئك الرجال: "البراءة والإعدام كلاهما باطل ولا محل لهما عند العقلاء من الإعراب، فالقصة معروفة.. بدأت بالخيانة والبطلان في3 /7 (2013) حتى وصلنا الآن إلى أقصى درجات الفشل ومراحل الهذيان. ويظل أنصع ما في المشهد المصري هي هذه الدماء التي سالت من الآلاف منذ 25 يناير، مرورا بميدان رابعة وحتى الآن، وكأن لسان حالها يقول: أتموا الثورة لله".

ليست المرة الأولى التي تصدر فيها أحكام إعدام، وقد لا تكون الأخيرة في وجود هذا النظام، الذي لا يعرف سوى الدم طريقا للحفاظ على بقائه في سدة الحكم، فلن ينسى المصريون وغيرهم من شعوب العالم أحكاما ظالمة صدرت من قبل بإعدام حوالي 800 شخص دفعة واحدة من محكمة المنيا جنوب مصر قبل أن تنقضها محكمة النقض، ولن ينسوا أيضا أحكام الإعدام في قضايا اقتحام السجون والتخابر مع حماس، وكذا قضية غرفة عمليات رابعة، وقد أوقفت محكمة النقض غالبية تلك الأحكام فيما أقرت بعضها؛ التي نفذ النظام بعضها بالفعل، وهم الذين انتهت أعمارهم التي قدرها الله في لوحه المحفوظ.

كانت مذبحة فض رابعة هي جريمة العصر، و"هولوكوست" مصر، وقد وصفتها كبريات المنظمات الحقوقية الدولية بأنها جريمة ضد الإنسانية. وهذه الجرائم لا تسقط بالتقادم مهما طال الزمن، فالجريمة وآثارها وشخوص منفذيها مصورة صوتا وصورة لحظة بلحظة، وقد شهدها العالم كله على الهواء مباشرة، ولا تزال تسجيلاتها تحظى بملايين المشاهدات على مواقع التواصل الاجتماعي. كما أن المنظمات الحقوقية المحلية والدولية نجحت في توثيق الجريمة بشكل قانوني وقدمتها لمحاكم دولية لم تصدر أحكامها بعد. وحددت منظمة هيومان رايتس ووتش أسماء المتهمين الرئيسيين في تلك المذبحة، يتقدمهم السيسي ووزير الداخلية الأسبق محمد إبراهيم ورئيس الأركان ووزير الدفاع الأسبق صدقي صبحي وقائد العمليات الخاصة، وغيرهم، وغالبية هؤلاء المجرميين لا يزالون على قيد الحياة ويمكن ملاحقتهم قضائيا في الكثير من دول العالم.

الرد على أحكام الإعدام والمؤبد بحق ضحايا رابعة الجدد لا يكون فقط بإصدار بيانات الشجب مع أهميتها، ولا بالدعوات للسجناء وأسرهم (مع ضرورتها)، ولكن قبل ذلك بالتحرك الفعلي لإنقاذ هذه الأرواح وغيرها، بل لإنقاذ الوطن كله، وذلك بتوحد الجميع خلف هدف واحد فقط هو الخلاص من هذا النظام القاتل الخائن.