كتاب عربي 21

رابعة.. المجزرة مستمرة.. من النظام والمعارضة!

1300x600


(1)
ليس المقصود بالعنوان أن المعارضة المصرية- الحقيقية- مسؤولة بالتساوي مع النظام المستبد عن استمرار المجزرة، فلا يمكن أن يساوى المجرم بالعاجز، ولا يمكن أن تخفف جريمة الظالم بسبب ضعف تخطيط المظلوم وبؤس أدائه السياسي، ولكن المقصود أن هناك مسؤولية ما على هذه المعارضة، سيتم توضيحها لاحقا في هذا المقال.


(2)
يقول محمود درويش:
"سرقت دموعنا يا ذئب تقتلني وتدخل جثتي وتبيعها!"
هذا ما يفعله بالضبط النظام المستبد في مصر، فبعد أن سرق السلطة الشرعية قتل من يدافع عنها في ميداني رابعة والنهضة، وبعد أن قتلهم سرق "روايتهم" للأحداث وزور رواية أمنية فاسدة بالتعاون مع الإعلام الكاذب، وها هو الآن يريد بيع جثث القتلى واستمرار تعليق الضحايا على مذبح الحرية من خلال قضائه "الشامخ" الذي حكم في جلسة واحدة بإعدام 75 شخصا ممن نجوا من مجزرة رابعة، وبالسجن المؤبد وغيرها من الأحكام العالية على عشرات آخرين منهم.


(3)
ماذا يريد النظام من استمرار مجزرة رابعة؟
يريد النظام أن يحقق عدة أهداف من الحكم القاسي في هذه القضية التي أطلق عليها اسم "فض رابعة". فهو يريد أولا أن يقول للمعارضة وللناس بأن القمع مستمر، وأن ما حصل عليه رئيس الانقلاب من "شرعية" شكلية خلال السنوات الخمس الماضية لا يعني أنه صار مستعدا الآن لعمل تسويات، ولا يعني أيضا أن المناخ أصبح مؤهلا لبعض "التسهيلات" سواء كانت على صعيد الحريات أو القضاء أو السياسة.


ويريد النظام ثانيا من هذه الأحكام الاستمرار بإشغال المعارضة وخصوصا جماعة الإخوان التي ينتمي لها معظم المحكومين ظلما. فمثل هذه الأحكام تعني استمرار اعتقال قيادات المعارضة، وتؤدي إلى إشغال مئات العائلات بمصير أبنائها المهددين بالإعدام، كما أنها قد تساهم في مزيد من الإحباط في أوساط المعارضة، إذا ظلت على سلبيتها وسوء إدارتها للصراع، ولم تلجأ بدلا من ذلك للاستفادة من الحدث لبناء حراك ثوري جديد.


أما الهدف الثالث الذي يمكن أن يحققه النظام فهو الاحتفاظ بالمعتقلين وبأحكامهم العالية حتى يتمكن من استخدامهم كأوراق سياسية عندما يستدعي الأمر، فعلى الرغم من أنه لا يريد تسويات في المرحلة الحالية، إلا أنه قد يحتاج لتحريك المياه الراكدة في مرحلة ما، وعندها سيكون المعتقلون هم الورقة الأهم والأقوى بيد النظام.


(4)
مسؤولية المعارضة
يتحمل النظام بدون شك المسؤولية الأساسية أخلاقيا وقانونيا وسياسيا عن استمرار مجزرة رابعة عبر هذه الأحكام الظالمة، وهو نظام لا بد أن يأتي يوم ويحاسب فيه على جرائمه، ولكن حتى يحدث هذا بأسرع وقت ممكن وبأقل ما يمكن من ضحايا فإن المعارضة أو "الثورة" يجب أن تؤدي دورها لتحقيق هذا الهدف.

لم تقدم المعارضة المصرية بجميع أطيافها أي عمل ثوري يساعد على إنهاء النظام الانقلابي، باستثناء اعتصامات رابعة والنهضة وما تبعها من مظاهرات في جميع أنحاء مصر بعد الانقلاب، والأحداث التي تبعت تسليم مصر جزيرتي تيران وصنافير للسعودية. فيما عدا ذلك كان الطرف الوحيد الذي يوجه ضربات للنظام هو النظام نفسه!


وعلى الرغم من أن بذور الفشل موجودة في أداء النظام نفسه، فإن تحقيق الحرية وإنهاء الاستبداد لا يمكن أن يتم دون جهود المعارضة، وهنا بالضبط يقع جانب من المسؤولية على هذه المعارضة في استمرار المجزرة، لأنها عاجزة حتى الآن عن القيام بأي مجهود حقيقي يضع حدا لممارسات النظام، أو يساهم في تثوير المجتمع، أو يشكل حاجة من الاحتجاج على حالة الفشل الشاملة التي يعيشها النظام.


ولعل من المهم الإشارة هنا إلى أن الممارسات التي يريد أن يظهر النظام من خلالها أنه قوي وشرعي وليس مستعدا للمساومة، هي في نفس الوقت دليل واضح على فشله وضعفه وشعوره بعدم الأمان.
لو كان هذا النظام قويا كما يحب أن يصور نفسه لما تعامل بقسوة مع من أرادوا منافسته في الانتخابات، ولو كان قويا لما أبعد كل رفاق مؤامرته الانقلابية، ولو كان قويا لتوجه نحو إقرار تسويات هي في الحقيقة تثبت حكمه وتشرعنه، ولكنه بدلا من ذلك يلجأ للمزيد من العنف والاستبداد والإقصاء، ويسعى لإكمال مجازره بدلا من إطفاء جروحها.


هذا النظام ليس قويا أو مستقرا، ولذلك فإنه يضرب في كل اتجاه مثل الذئب الجريح، ولكنه نظام محظوظ، لأن المعارضة التي يفترض أن تسقطه وتعريه هي معارضة منقسمة، ولا تملك مشروعا. نعم، المعارضة لا تملك مشروعا أو برنامجا لإسقاط نظام السياسي، والحقيقة أن هذه هي مشكلتها الرئيسية وليس الانقسام فقط، فلو كان أطراف المعارضة المختلفون يملكون برامجا لرأينا نتائجها على الأرض حتى لو كانت هذه البرامج مختلفة، ولكن ما يحدث الآن هو انقسام على "الماضي" ممثلا بسبع سنوات منذ يناير إلى اليوم وليس اختلافا على "المستقبل" وبرامجه ومشروعه.


يمكن للمعارضة أن تبرئ ساحتها من استمرار مجزرة رابعة بالتركيز على المستقبل، وبالعمل على برامج نضالية حتى لو لم تكن موحدة، ويمكن لقادة المعارضة أن يجعلوا النظام هو المسؤول الحصري عن استمرار المجزرة، إذا "أتموا الثورة لله" كما طالبهم أحمد عارف أحد ضحايا هذه المجزرة من داخل السجن وهو يرتدي بدلة الإعدام الحمراء!