كتاب عربي 21

قانون جديد وجهاز عاجز لحماية المستهلك المصري

1300x600
بعد أربع سنوات من النقاش، صدر مؤخرا قانون جديد لحماية المستهلك، عقب خمسة أشهر من إقراره في البرلمان في نيسان/ أبريل الماضي. وكالعادة، بشر المسؤولون بأن القانون الجديد سيحمي المستهلك من ممارسات التجار السلبية ومن قصور جهات تقديم الخدمات.

كما بشروا بأن القانون الجديد يحتم على التجار ومراكز الخدمات والصيانة إعطاء فاتورة للمستهلك، كما ينص على إعلان التجار أسعار البيع للمنتجات، وأنه امتدت مظلته لتطول مجال الاستثمار العقاري والتجارة الالكترونية والتايم شير، وهي المجالات التي لم تكن مذكورة بقانون حماية المستهلك السابق الذي تم إلغاء العمل به.

ولم يذكر هؤلاء أن غالب مواد القانون الجديد كانت موجودة بالقانون القديم الذي صدر عام 2006، بداية من إنشاء جهاز حماية المستهلك، وإشراك الجمعيات الأهلية الخاصة بحماية المستهلك، إلى تقديم التاجر فاتورة للمستهلك، وحق المستهلك في إرجاع السلع أو استبدالها، ومنح الضبطية القضائية للعاملين في الجهاز لتنفيذ مواد القانون، وأن القانون القديم كانت فيه عقوبات على مخالفة مواده تصل إلى الغرامة بقيمة 100 ألف جنيه، والتي تتم مضاعفتها في حالة عودة التاجر لارتكاب نفس المخالفة، ونشر الحكم الصادر بجريدتين يوميتين، سواء لعدم إعطاء فاتورة أو عدم إبلاغ الموزعين للمنتجات عن اكتشاف عيب بتلك المنتجات أو غيرها من المخالفات.

8 سيارات و5 موتوسيكلات

ويظل السؤال: لماذا لا يثق الناس بفاعلية جهاز حماية المستهلك الموجود منذ عام 2006؟ وتأتي الإجابة من خلال تصريحات مسؤولي الجهاز: بسبب قلة الإمكانيات وقلة عدد موظفي الضبطية القضائية (52 مفتشا في بلد يعيش به 95 مليون نسمة) مطلوب منهم متابعة القطاع التجاري والاستهلاكي والعقاري، سواء الرسمي أو غير الرسمي بكل المحافظات السبع والعشرين، رغم أن الجهاز ليست له فروع سوى في ست محافظات فقط من 27 محافظة.

وكان الجهاز الذي يعتمد موازنة الحكومة كمورد له بشكل أساسي؛ قد طلب تخصيص 74 مليون جنيه لنشاطه قبل عامين، فتم تخصيص 16 مليون جنيه فقط، زادت في العام المالي الأخير إلى أقل من 20 مليون جنيه، حيث يحتاج الجهاز لشراء سيارات لنقل مفتشيه للأسواق. وقام خلال عشر سنوات من إنشائه بشراء ثماني سيارات فقط وخمسة موتوسيكلات، كما يحتاج لشراء أو تأجير وتجهيز مقار بالمحافظات، أو لعمل وحدة لدراسات السوق.

والنتيجة فاعلية محدودة في مجال متابعة شكاوى المستهلكين، مما أدى تراجع أعداد شكاوى المستلكين إليه رغم إتساع الأسواق وزيادة السكان والنشاط التجارى، واقتصار نشاط الجهاز على متابعة لبعض الشكاوى خاصة بالعاصمة، والتي تصله من قبل أصحاب النفوذ مثل الإعلاميين وغيرهم في بعض المجالات مثل السيارات والسلع المعمرة.

الجهاز غير مختص بضبط الأسعار

والأمر الأهم الذي لا يعرفه المصريون أنهم عندما يسمعون عن قانون أو جهاز لحماية المستهلكين، يظنون أنه سيحميهم من غلاء الأسعار الذي يعانون منه منذ سنوات، لكن الحقيقة المرة أن جهاز حماية المستهلك لا علاقة له بتحديد الأسعار أو التدخل فيها، وكل ما ورد في القانون الجديد بخصوص تلك المسألة هو إلزام التجار بإعلان أسعار السلع التي يبيعونها فقط، ولا شأن للجهاز بكون تلك الأسعار مناسبة أو مغاليا فيها.

والإعلان عن الأسعار أمر سبق لوزير التموين والتجارة الداخلية إلزام التجار به. وهكذا ينصب عمل جهاز حماية المستهلك على جودة السلع، وإلزام التجار بقبول إعادتها أو استبدالها في حالة ظهور عيب بها، وهو أمر معمول به منذ عام 2006، بإمكانية إرجاع السلع خلال 14 يوما من تاريخ شرائها.

وجاء القانون الجديد بإلزام التجار بقبول إعادة السلع أو إستبدالها دون إبداء للأسباب خلال 14 يوما من شرائها، كما أتاح للمستهلك حق استبدال السلعة أو إعادتها إذا شابها عيب خلال 30 يوما من تسلمها.

ووسع القانون الجديد مجال نشاطه إلى الاستثمار العقارى، حيث ألزم شركاته بعدم الإعلان عن بيع وحدات سكنية إلا بعد الحصول على ترخيص بتلك الوحدات، وفي ضوء اتساع نشاط الاستثمار العقاي جغرافيا إلى القرى والمدن والمجتمعات الجديدة وعدديا، فمن الصعب لجهاز حماية المستهلك متابعة هذا النشاط حتى لو اقتصر نشاطه عليه فقط.

خبرات ناقصة للشكاوى من المهنيين

أيضا أضاف القانون لجهاز حماية المستهلك نشاط متابعة الشكاوى من الخدمات المهنية كالأطباء والمحامين والمحاسبين والمهندسين وغيرهم، وهو أمر يحتاج إلى خبرات فنية متنوعة لحسم الشكاوى من مستوى تلك الخدمات، وهو أمر غير متوافر حاليا، ونفس الأمر بالنسبة لإضافة النشاط الحرفي الذي يضم أكثر من 100 حرفة، ولإضافة متابعة نشاط التجارة الالكترونية.

وكان ما سبق يتناول نشاط جهاز حماية المستهلك الذي سمح له القانون الجديد بدخول المنشآت والمحال والاطلاع على دفاترها، لكن الواقع الجديد في ظل توسع القوات المسلحة ووزارة الداخلية بفتح منافذ ثابتة وتسيير عربات متحركة لتوزيع السلع الغذائية وغيرها، يشير إلى أن يد الجهاز ستكون مغلولة عن تتبع شكاوى المستهلكين فيما يخص جودة سلع تلك المنافذ.

وإذا كان القانون الجديد قد تشدد في العقوبات حتى أنه خصص 14 مادة للعقوبات، مقابل مادة وحيدة للعقوبات بالقانون السابق. وبعد أن كان الحد الأقصى لقيمة الغرامة بالقانون السابق 100 ألف جنيه، فقد زادت قيمة الغرامات لتصل إلى مليوني جنيه، إلى جانب أحكام الجبس والسجن والسجن المشدد على المخالفين لنصوصه، الأمر الذي أزعج التجار لكن جو جمهورية الخوف يمنعهم من الشكوى.

ويظل السؤال: هل ستكون العقوبات المشددة أمرا رادعا للتجار والمنتجين المخالفين لنصوص قانون حماية المستهلك؟ ففى ضوء التجرية المصرية السابقة لتشديد العقوبات في قوانين أخرى، مثل المرور. كان ذلك التشديد بمثابة فرصة لبعض أمناء الشرطة لزيادة قيمة الإتاوات التي يحصلونها من المخالفين، وهو ما يمكن أن يتكرر بزيادة قيمة الرشاوى المطلوبة للتغاضي عن المخالفات، في ظل بيئة إدارية مفعمة بأشكال الفساد.