كتاب عربي 21

الأموال الليبية في الخارج وخطر التبديد

1300x600
الأموال الليبية في الخارج ملف شائك ويكتنفه الغموض، وكان من ضمن الملفات الكبرى التي كانت عنوانا لفشل المتصدرين للسلطة من تشريعيين وتنفيذيين منذ شباط/فبراير 2011م.

أسئلة تبحث عن إجابة

التحدي فيما يتعلق بالأموال في الخارج يظهر في نقطتين حيوتين: الأولى وهي تحديد مقدارها بشكل دقيق وصحيح، وأماكن وجودها، والثانية المحافظة عليها من التبديد والنهب.

فيما يتعلق بالنقطة الأولى فإني أجزم أنه لا توجد سلطة في البلاد يمكن أن تحدد حجم ومكان وجود الأموال في الخارج سواء كانت ودائع أو استثمارات منقولة أو أصولا ثابتة، ولم يتحدث أي من المسؤولين عن إدارة المال الليبي في الخارج بشكل قطعي عن مقدار ما يملكه الليبيون خارج حدود بلادهم.

أما نقطة الإدارة ومخاطر التبديد والنهب، فهناك شواهد عدة تقطع بأن الأموال الليبية في الخارج تتعرض لضياع وقرار مجلس الأمن القاضي بتجميدها، أي منع التصرف فيها، يتم خرقه ولم يقم المجلس بما ينبغي لمنع الخروقات، وتعجز السلطات الليبية عن فعل ما هو واجب للدفاع عن ثروة الشعب.

المثل الليبي الشائع: "المال السايب يعلم السرقة" ينطبق على ما نحن اليوم بصدد نقاشه، ولقد جعل الإنقسام والصراع وما يلحقه من عبث التنافس لأجل السيطرة على المؤسسات العامة المال الليبي في الخارج عرضة للضياع.

إدارة مرتبكة

إدارة الأموال في الخارج اتسمت بالإرتباك والضعف منذ أول سلطة تنفيذية بعد الثورة، وأن يصدر قرار أو توجيه بتخصيص نسبة تصل إلى 10% لكل من يضع يده على ودائع أو أصول منقولة ويحصِّلها إنما يعكس الإضطراب ويكشف أن المسؤولين عاجزون عن حصرها ومتابعتها والسيطرة عليها.

ما يثار حول التلاعب ببعض الأموال المودعة في بنوك أوروبا يدخل ضمن تحدي الحفاظ عليها، والدلائل تضعنا في مرتبة قريبة من اليقين من أن البعض تحايلوا على قرار التجميد، ولسبب ما قاموا بتسييل ربما فوائدها وعوائدها لأطراف ليبية.

نفي وزير المالية والخارجية البلجيكيين في آذار/مارس الماضي المساس بالودائع الليبية في البنوك البلجيكية يناقضه إجابة وزير المالية في استجواب عمّا تصرف الحكومة البلجيكية في ودائع ليبية عرضه البرلماني البلجيكي جورجس غليكينت "Georges Glikinet"، ورد الوزير بأن تصرف حكومته كان مبررا.

فتاوى قانونية أوروبية

ما يتداول في بعض الأوساط الأوروبية هو أن التصرف في الأموال الليبية تم اعتمادا على فتوى قانونية صدرت عن الإدارة القانونية في الإتحاد الأوروبي تقضي بأن تسييل الفوائد والعوائد لا يعتبر خرقا لقرار التجميد، ويبدو أن بعض العواصم الأوروبية وحتى العربية المتهمة بالتلاعب في الودائع الليبية استندت عليها.

عليه فإن رد وزير المالية البلجيكي على سؤال البرلماني غليكينت بالقول بصحة تصرف حكومته يمكن حمله على الفتوى الأوروبية، وأما نفيه في آذار/مارس الماضي التعرض لها إنما يحمل على الودائع وليس فوائدها، وهو ما يمكن اعتباره تحايلا إن صحت رواية غيليكنت.

اتجاه البرلمان البريطاني صوب استخدام الودائع الليبية في البنوك البريطانية ربما يستند إلى نفس المقاربة البلجيكية، ولقد كان من ضمن تصريحات اللورد إمبي "Empey"، وهو أحد المتزعمين خطة تعويض ضحايا إجرام الجيش الجمهوري الايرلندي الذي دعمه نظام القذافي بسخاء في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي من الودائع الليبية في بريطانيا قوله أن هناك سابقة تتعلق بتجاوز قرار التجميد، ربما يقصد ما وقع في بلجيكا.

من الدلائل المهمة حول احتمال وقوع تلاعب في الأموال الليبية في البنوك الأوروبية وغيرها إشارة التقرير الأخير للجنة الخبراء التابع للأمم المتحدة إلى بطلان التصرف في الفوائد والعوائد من الناحية القانونية، فلا يمكن أن تُطرح هذه النقطة ضمن التقرير إلا اذا كان هناك ما يريب وأن البعض يستند عليها لتبرير تسييلها.

المؤسسة الليبية للإستثمار نفت في آذار/مارس الماضي أن يكون هناك تلاعب وقع، وعادت للتأكيد على موقفها السابق في بيان صدر منذ يومين، غير أن القول بأنها ستحقق في القضية التي طرحها التلفزيون البلجيكي العمومي ٌRTBF" الاثنين الماضي، يشير أنها لا تقف على أرض صلبة في موقفها، وتأكيد البرلماني غيلكينت من أن حكومة بلاده قامت بتسييل أمولا موعدة لدى بنوك بلجيكية ورد وزير المالية بأن الفعل لا غبار عليه يحرج المؤسسة بدرجة كبيرة.

المطلوب أن يأخذ المجلس الرئاسي الموضوع على محمل الجد وأن يبرز القضية دوليا ويضع الإتحاد الأوروبي والأمم المتحدة أمام مسؤولياتهما في حفظ الأموال الليبية في الخارج من خلال فتح تحقيق دولي والوقوف على الحقيقة كاملة ومعاقبة من تجرأ بخرق قرار مجلس الأمن القاضي بمنع التصرف في ثروة الليبيين. 

التحقيق ينبغي أن يحدد أين ذهبت الأموال في حال تم الجزم بتسييلها، ومن الذي تورط في ذلك من الجانب الليبي وكيف تم التصرف فيها.