كتاب عربي 21

قصة مدينتين: إسطنبول والرياض

1300x600
توصف قصة مدينتين للروائي الإنكليزي تشارلز ديكنز، والتي ما تزال تُدرّس في المدارس الأمريكية والأوربية، وكانت تدرّس في الثانويات السورية في السبعينيات، بأنها من أكثر الروايات الإنكليزية مبيعاً، وترجمتْ إلى عشرات اللغات، ومثّلتْ في السينما ثلاث عشرة مرة. وهي من عيون الأدب العالمي، وأنها قصة تاريخية، وهي حكاية الحب والتضحية والفداء، وهي رواية سقوط الملكية الفرنسية الغاشمة وسجن الباستيل، والثورة الفرنسية.

ثمة أوجه شبه بين قصة باريس ولندن، وقصة الرياض وإسطنبول؛ أولها ثورة الربيع العربي، والثاني الخصومة بين الرياض وإسطنبول، والثالث قصة الحب بين السعودي جمال والتركية خديجة.. القصة سينمائية؛ لأن فيها أحداثا ووقائع وشخصيات، وفيها عيوبا في الحبكة، لكن التضحية والحب وجمال السرد، وحسن الإحاطة بالتاريخ يغفران العيوب الفنية. ولعل أحدا من أقوال الرواية هو أنه حتى تنهض باريس لا بد من عاصمة مثل لندن، التي لجأ إليها الدكتور مانيت وتشارلز دارنيه.

وكان جمال خاشقجي قد لجأ إلى إسطنبول، واختارها وطناً ثانياً، كما فعل تشارلز دارنيه الذي ترك لقبه العائلي وأهله، ولجأ إلى لندن. ربما تكون قصة الإسلام، قصة مدينتين أيضا هما مكة والمدينة. مكة كانت أم القرى، ويثرب كانت مدينة، بينما الرياض لا تزال قرية كبيرة.

أرعبت ثورات الربيع العربي الرياض، التي خافت من صحوة الشعوب، وصناديق الانتخابات، فسعت بجهدها إلى تحطيمها بواسطة الوكلاء في مصر وسوريا وليبيا وتونس، وفي اليمن مباشرة تحت اسم عاصفة الحزم. كانت الرياض قد سعت سعيها بمعونة أبو ظبي لتحطيم تركيا الناهضة، التي صارت قِبلةً للمعارضين العرب، كما ساهمت بتكسير أجنحة الخلافة العثمانية من قبل قرن. المعارضون يصدرون الصحف في إسطنبول، ويؤسسون الفضائيات، ويعقدون المؤتمرات. فرجل أوروبا المريض صحا واستدرك بسرعة قياسية، فأصبح فتى الشرق الواثب. وقد بات علناً الصراع بينهما على قيادة العالم الإسلامي، عاصمة تجر العواصم الإسلامية إلى المستنقعات، وعاصمة تسوقها إلى الينابيع الأولى. وكان أردوغان قد صرح قبل أيام بأن تركيا هي الدولة الوحيدة القادرة على قيادة العالم الإسلامي.

والوجه الرابع من وجوه الشبه، هو استخدام حيلة الشبيه مرة ثانية في إسطنبول، وكانت قد استخدمت في باريس في قصة مدينتين. ضحّى المحامي سيدني كارتون بنفسه في سبيل حبيبته لوسي مانيت، وتبادل مع تشارلز دارنيه المصير، فأعدم بالنيابة عنه. الشبيه في قصة إسطنبول والرياض هو محمد المدني، والتضحية كانت بمصير بلد في سبيل شهوة الانتقام. الفروق بين الرياض وإسطنبول كبيرة، فالرياض عاصمة مستهلكة، قبلية، جائعة للحداثة، ولا تحتمي سوى بخدمة الحرمين، وقد ساءت الخدمة بتسليم ضوف الله الآمنين إلى طغاة قتلة أمثال حفتر، وتسهيل حج الفاسدين؛ تأشيرات برلمان مصر الفاسد على سبيل المثال، من أجل نعمة "السياحة الدينية"، ومنع دول بأكملها من الحج.. وإسطنبول مدينة صاعدة.. بات في تركيا تاكسي طائر، وأكبر مطار في العالم، بينما تغرق الرياض في السكري وكبسة الرز، والهالوين.

في قصة مدينتين محاكمات كثيرة، في عصر الملكية الفرنسية، وفي عصر الثورة، وهي أفضل من محاكمات السعودية السرية، التي ذهب ضحيتها أمس خادمة إندونيسية قتلت مخدومها، فقُتلتْ به، من غير أدلة ولا بيّنات. ويقال إن مخدومها كان يراودها عن نفسها، أو أنه اغتصبها. لقد رأينا صور النائب العام السعودي الذي عاد إلى بلاده بصناديق الحلوى، لا بخريطة أكبر مطار في العالم.

لا أظن أن الرياض تستطيع أن تنافس إسطنبول في خصيصة من خصائص الحضارة؛ لا المائدة، ولا الحدائق، ولا بناء المدن، ولا القانون، ولا العدل، ولا الثقافة، ولا السينما التي سمح بها ابن سلمان، وهي سينما مستوردة، ولا الفن ولا الرواية، ولا المسرح، ولا رعايتها للهررة، أسوة بأبي هريرة.. إسطنبول مدينة الآذان العذب، حتى إن اسم إسطنبول هو مدينة الإسلام بالأصل بعد تصحيف، ولا مطارات إسطنبول.. وكانت الرياض بالمطار العظيم أولى؛ لأنها بلد الحج والعمرة، ولا فضيلة تفضل بها الرياض على إسطنبول سوى خدمة الحرمين، وقد خانتها، أو أساءت الخدمة، فرسوم الحج والعمرة مرتفعة، وتشبه الجباية، وخدمة الحجيج فيها منّة وأذى وخوف، ومفاضلة بين دولة وأخرى، واحتكار لمنبر المسلمين الأعظم. وإسطنبول التي تكثر فيها المساجد ولا تخلو من الملاهي، أسلم ديناً من الرياض؛ لأنه دين لا إكراه فيه، وربما كان أكثر تقوى.

ويُخشى، ونحن نتحدث عن الشبيه، أن تقيم السعودية الحد على ثمانية عشر شبيهاً لقتلة خاشقجي، وقد تفعل، فمن سيراجع أو يشهد على المحاكمة؟ فليس في محاكم السعودية محلّفين، ولا محامين، ولا عدل، ولا شفاعة، وإن كان فيها نائب عام يحب الحلويات التركية، وله رمش عين جارحني. الحل الثاني أن يظهر شبيه لابن سلمان، ويقال إن الشبيه خطف القرار، وأمر بقتل خاشقجي، كما في قصة شبيه النبي سليمان في الإسرائيليات.

سيكون على ترامب الذي يحب السينما وعصير النفط أن يتبناها، فيتبناها العالم على مضض. اللقاء القادم بين الرئيس التركي والرئيس الأمريكي الذي سيدافع عن موكلته السعودية كما يُظن، وربما يعرض صفقة جيدة للإغضاء عن بعض القرائن المخزية في الجريمة النكراء.