قضايا وآراء

الحشد الشعبي والاستحقاق السياسي

1300x600

تأسس الحشد الشعبي في العراق بـ فتوى من المرجعية الشيعية العُليا في النجف تحت عنوان "الجهاد الكفائي" الذي كان المُعلن عنه إن يُفتح باب التطوع في المناطق الشيعية للأفراد، من أجل الدفاع عنها في حال وصول قوات تنظيم داعش الإرهابي لها، وهو الأمر الذي لم يحدُث في الغالب.


وسُرعان ما انخرطت مليشيات الأحزاب الشيعية تحت هذه الفتوى وانضمت إلى كيان الحشد الشعبي لتُعطى غطاء سياسيا، ومن ثم تنتقل إلى تحرير المناطق السُنية من احتلال تنظيم داعش الإرهابي، وتطور الأمر إلى أن تتشارك قوات الحشد الشعبي مع الجيش والشرطة في الهجوم على تلك المناطق، وكان الجهد الحربي في الغالب يقع على عاتق القوات الأمنية الرسمية، مدعومة بغطاء جوي دولي فور انتهاء تلك المعارك وتحرير السكان من قبضة الإرهاب، تأتي قوات الحشد الشعبي لتمارس عمليات التنكيل والتدمير لما تبقى من سكان تلك المناطق وأراضيهم، ومن ثم منع السكان المهجّرين من الرجوع إلى بيوتهم كما حصل في منطقة جرف الصخر شمال محافظة بابل وتلّعفر في الموصل، وكما حصل في العديد من المناطق السنية الأخرى التي لا يتسع المقام لحصرها.


وبعد تحرير المناطق السنية من احتلال تنظيم داعش الإرهابي، كانت قوات الحشد الشعبي تسير بخط مواز في اتجاه المشروع السياسي لكي تحافظ على وجودها العسكري بشكل شرعي، وهو ما تجسد في الانتخابات الأخيرة في العراق 2018، إذ تضاعف وجود ممثلين سياسيين في البرلمان لتلك القوات، حتى تشكلت كتلة برلمانية تدعم تولي رئيس الحشد الشعبي فالح الفياض –وهو مستشار الأمن الوطني، ورئيس جهاز الأمن الوطني أيضا- منصب رئيس الوزراء، وهو ما لم يحققه التوافق السياسي في البلاد، مما استدعى ترشيحه إلى منصب وزير الداخلية ليتسنى له السيطرة على الأمن الداخلي، وتمكين قوات الحشد الشعبي من دوائر الدولة، ومن ثم يبقى مُرشح محتمل لتولي رئاسة الوزراء مستقبلا  فور أن تسنح الفرصة لذلك.

والحشد الشعبي في العراق، هو نموذج مُقارب للحرس الثوري في إيران؛ فهو قوات غير منتظمة في جهاز الدولة وتأخذ مخصصاتها من الدولة، ولها سلطة أعلى من سلطة الأمن لتحافظ على المكتسبات السياسية لجناح سياسي معين، تدين له بالولاء على حساب الوطن والمؤسسة الأمنية، وهو الأمر الذي يمثل تهديدا وجوديا لكيان الدولة وسلطتها، أضف إلى ذلك ولاء تلك المؤسسة إلى دولة إيران المجاورة، ومن ثم يمهد لفرض قرار سياسي، ووجود عسكري بالقوة على حساب مقدرات وإرادة الدولة الوطنية.


في مقابل ذلك وبُعيد احتلال تنظيم داعش للمناطق السُنية، تشكلت قوات سُميت بـ "الحشد العشائري" وتتكون من متطوعين من سكان تلك المناطق، تم تدريبهم من أجل استعادة مناطقهم الأسيرة، وشاركت كداعم للجيش في عدة معارك، ولكن البرلمان العراقي حين بدأ مناقشة إقرار قانون يُعنى بوضع قوات الحشد الشعبي والحشد العشائري، وكان مُقررا أن يكون عدد الحشد العشائري فيه 50 ألفا مقابل 70 ألفا من الحشد الشعبي، تحت عنوان قانون الحشد الوطني، تبارت الكتل السياسية الشيعية بإفشال ذلك القانون، وأُقِر قانون يعطي شرعية رسمية للحشد الشعبي فقط في عام 2016.


ومن هُنا، تجدر الإشارة إلى أن الموازنة المالية العراقية في سنة 2019 وحدها أقرّت في قراءتها الأولية مبلغا وقدره 1.741 مليار دولار لهيئة الحشد الشعبي، وهو المبلغ الذي يذهب كرواتب ومخصصات للحشد الشعبي، والذي فيه حوالي 40 ألف مقاتل ليس لهم عمل، فقط يأخذون الرواتب دون أي دور يذكر، إلا وقت الأزمات السياسية، والحاجة الإقليمية لوجودهم، فضلا عن زهاء الـ 100 ألف مقاتل لهم وجود في الشارع العراقي في مختلف المناطق من البلاد.


ومما يجدر ذكره أيضا، أن الحشد الشعبي بعد انتفاء الحاجة لوجوده، خصوصا بعد تحرير العراق بالكامل، أصبح قوة أعلى من الجيش والشرطة وله نفوذ اقتصادي أيضا، فضلا عن السياسي مُتأسِّس مع كونه واقعا يفرِض نفسه على الأرض.