قضايا وآراء

انصفوه ولو كان انقلابيا!!

1300x600

هناك ظاهرة تسربت وبدأت تتمدد في حياتنا الإعلامية والدينية، خاصة في دوائر الرافضين للانقلاب العسكري، هذه الظاهرة هي: أن أي موقف علمي أو سياسي يصدر عن مؤيد للانقلاب فهو مرفوض سواء وافق الشرع بأي وجه من الوجوه، أم لم يوافقه، وربما لو صدر ذات الفعل أو القول عن شخص يرفض الانقلاب فسوف نجد له المبررات التي تعلي من حسن الظن به!!


الخطير في الظاهرة أنها في بعض الأحيان تتخذ شكل الفبركة، أو الزيادة على ما قاله الشخص، وفي ظل حالة عدم التثبت والتسرع في المبادرة بالإجهاز على صاحب المقولة أو الفعل، يجعل الإنسان في بُعْد كبير عن التثبت، الذي هو مبدأ إسلامي مطلوب مع القريب والبعيد، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) الحجرات: 6. 


والنماذج على ذلك كثيرة، أذكر بعضها للتدليل على وجودها، وبداية قبل الحديث عن هذه الحالات، لا نختلف على جُرم تأييد الانقلاب، وفداحة وعظم كبيرة تأييد قتل البرآء، وسجن المعارضين، هذا لا يختلف عليه أحد، هذه المقدمة بداية مهمة، لأن النماذج التي سأذكرها تأييد أصحابها لجريمة الانقلاب موقفهم فج جدا، وموضع استنكار من كل عاقل، وعالم بالشرع. لكن الإنصاف مطلوب شرعا، يقول تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) المائدة: 8.


منذ أيام ظهر على السوشيال ميديا كلام للشيخ خالد الجندي كان عنوانه: أن الجنة لا جنس فيها، ثم انتشر الهجوم عليه، ثم عقب بفيديو آخر أوضح فيه الكلام، لنكتشف أن كثيرا مما نشر مختزلا لما قاله، سواء اتفقت أم اختلفت مع ما يقوله خالد الجندي، لكن الذي كشفه حقيقة الأمر، أن الكلام اختزل بشكل غير علمي. 

 

ومنذ سنوات نقلت السوشيال ميديا مشهدا لوزير أوقاف الانقلاب الدكتور محمد مختار جمعة، وقد كان في صلاة الجمعة مأموما، وبجواره إبراهيم محلب رئيس الوزراء وقتها، وأصابت محلب نوبة دوخة، فكاد يقع، فتحرك قليلا جمعة ليمسك به حتى لا يسقط، كل ذلك في الصلاة، فخرجت الأصوات بيننا تنكر الفعل، وتجرمه شرعا، وتدخل في سياق خارج إطار الرأي العلمي الفقهي المعتبر، ولو أننا نسينا صاحب الموقف، وأفتينا فيه بتجرد، فهو لم يفعل خطأ، كل ما فعله أنه تحرك قليلا في صلاته، لينقذ إنسانا، السؤال هنا: هل تبطل الصلاة؟ هل ما فعله الشخص خطأ يعاقب عليه شرعا؟ الإجابة: لا، على أرجح الأقوال، هذه هي الإجابة العلمية بعيدا عن تصنيف صاحب الحالة.

 

الموقف الثالث، عندما كان محمد إبراهيم وزير داخلية الانقلاب الذي فض رابعة والنهضة، وغيرها من المجازر، عندما كان في الحج، فعاد صباح يوم العيد ليصلي العيد في مصر، خرجت التعليقات تفتي بعيدا عن الرأي الشرعي، فكانت رأيا سياسيا حزبيا أكثر منه فقهيا، فهو فعل حالة تسمى في الفقه التعجل، وعلى أشد الأقوال عليه دم، لكن الحج صحيح. 


إن المطلوب الإنصاف في النقل عن الشخص حتى لو كان مؤيدا للانقلاب، وأن يكون النقل صحيحا، لا أن نتخذ مبدأ الفبركة، ثم بعد التيقن من النقل عنه، نحكم عليه بإنصاف، ونتخيل لو كان صاحب الفعل مؤيدا للشرعية، هل ستكون إجابتنا واحدة أم ستختلف، إذا اختلفت، فهنا الخطورة لأننا سنجعل الخطاب الشرعي والفتوى ذات وجهين، وجه لمن معنا يلتمس له الأعذار، ووجه لمن يخالفنا نجلده بلساننا وقلمنا، وهو ما يفقدنا – ليس حيادنا فقط – رضا الله عنا، لأننا نتساوى مع مؤيدي الانقلاب من مشايخ السلطة الذين يطوعون الشرع للسلطة. 


خطورة عدم الإنصاف مع المخالف ولو كان انقلابيا، أنه سيفتح بابا لثقافة التكفير، والتساهل فيها فيما بيننا، وسيبدأ بالخصوم المباشرين، لينتهي بالمخالفين من داخلنا فيما يقبل فيه الشرع الإسلامي الخلاف.

Essamt74@hotmail.com