قضايا وآراء

الحق لا يتجزأ (رهف القنون)

1300x600
بعد أيام قليلة، ومع استقرار رهف القنون في حياتها الجديدة، ستخمد حرارة المشكلة التي تابعها العالم بأسره لأيام طوال. ومشكلة رهف وما أثير حولها ليست الأولى ولن تكون الأخيرة ما لم تتغير النظرة للأمور. ويعاني من هذه المشكلة بعض الأبناء والبنات في كل المجتمعات الشرقية والغربية على حد سواء، ويعاني منها مسلمون ويهود ومسيحيون وهندوس، وهي مشكلة متعددة الأبعاد ومرتبطة في الأساس بالتسلط الفردي والمجتمعي.

ومرض التسلط ما هو إلا قوه يمنحها الإنسان لنفسه ويختلق لها المبررات التي تتواءم مع تسلطه، ولا يجد من يقف في وجهه. ولا شك في أن خروج الشباب والفتيات عن الطريق الذي رسمه الآباء يصيب الآباء بالأذى النفسي اعتقادا منهم بأنهم دائما على صواب، ومن جانب آخر تأتي الطبيعة المتشددة لتجعل البعض يتصرف بأساليب غير منطقيه، منها التهديد بالطرد أو الحرمان أو القتل، وأحيانا تنفيذ ذلك التهديد.

مهما كانت أزمة الإنسان وهل هو أو هي محق أم لا، فهو يحتاج من يقف بجانبه، والمتابع أزمة رهف يجد أنها لم تجد من يقف بجانبها من قومها أو دينها، حتى وإن خرجت عنه، فلجأت لمن قد يقف بجانبها. وكم من فتاة مسلمة لم تخرج عن دينها أو أهلها وتقبع في سجن لا دين له ولا إنسانية ولا رحمة؛ سجن يديره سفاح من آل سعود وعصابته على أرض الحجاز، وأغلب الأراضي المسماه بلاد المسلمين والعرب.

وأعود لأؤكد أن ذلك الأمر لا يقتصر على المسلمين كما يشيع البعض من المسلمين وغيرهم، وإن كان الإعلام يحاول التركيز على المسلمين إمعانا في إصباغ الإسلام بصبغة غير إنسانية، والإسلام بري من ذلك. وإن كان الهدف نبيل في التركيز على تلك الحالات، فلماذا يقتصر الحديث على البنات المسلمات دون غيرهن؟ ولماذا لا يمتد ليشمل كل من يعاني من قهر أسري أو قهر مجتمعي؟ ولماذا التركيز على من يعانين من القهر الأسري وحسب، ولا يمتد ليشمل كل من يعاني من القهر يشكل عام؟ ولا يخفى على أحد أن قهر أنظمة الحكم يمثل أسوأ أشكال القهر.

بلا شك، يحق لرهف القنون أن تختار موطنها ودينها وحياتها، وبلا شك يحق لأهلها أن يحزنوا لذلك الاختيار المخالف لرؤيتهم، ولكن يجب أن يتحول ذلك الحزن إلى طاقة إيجابية للنفع وليس لحرمانها من حقوقها، حتى ولو أخطأت، فإن سجنها وإن كان ذلك السجن بيتها؛ هو خطأ أكبر في حق الإنسانيه والدين والأخلاق. إن سجنها أو إرغامها على أي شيء أو قتلها، هو مثل سجن وقتل وإرغام كل معارضي الأنظمة وكل أصحاب الرأي الحر؛ لا فارق غير الاسم والزمان والمكان حتى وإن اختلفت القضية، لكن الحق والحرية لا يتجزآن.

فالأمر أكبر من قصة رهف القنون وقصة هروب أي فتاة من بيت أهلها، رغم خطئه، الأمر يرتبط بالتحكم والديكتاتورية التي تعطي المتسلط حق معاقبة من يخرج عن طاعته، سواء كان مواطنا في بلده أو ابنة في بيتها، وما القتل الوحشي لخاشجقي وتهديد هذه الفتاة بالقتل (إذا صح) إلا وجهان لعملة واحدة.

إننا نضيع الفرصة تلو الأخرى، وعندما تواجهنا مشكلة من هذا النوع بدلا من أن نبحث في جذورها ونستخلص منها ما يساعد على تقدمنا خطوة للأمام، يتخندق كل منا في خندقه يدافع عن رأيه وموقعه. فالنظام الحاكم في السعودية يتنصل من الأمر ويقول إن الأهل أساؤوا تربية ابنتهم، وأن كندا تستغلها سياسيا، والأهل يتبرأون من الابنة، وانطلق البعض يقفون مع ذلك وذاك. وإمعانا في تسطيحنا للأمور، أخذ البعض يتناول الموضوع من حيث أكل الخنزير وشرب الخمر، ومنهم من هددها بالقتل ليصنع منها سلمان رشدي آخر.

نعم، قد تكون رهف أخطأت، وقد تكون كندا تزايد على ذلك الموقف سياسيا، ولكن متى نحاسب أنفسنا قبل أن نتهم ونحاسب الآخرين؟ ولذا، فأنني أقول لرهف إنني قد أختلف معك، لكني كإنسان وكمسلم، أقول بوضوح إن كل أشكال سوء المعاملة غير مقبولة.. أتمنى لك مستقبلا أفضل.

فمرحبا برهف القنون في حياتها الجديدة في كندا، أخطأت أو أصابت فلها الحق في اختيار حياتها ودينها، ولعلنا بذلك نعيد للأذهان القضية الحقيقية، وهي معنى الحرية والعيش بكرامة ومعاقبة الجاني والمساواة المطلقة.. كلها أمور نرفعها شعارات ثم نتعثر عند التطبيق، ولكن الحق لا يتجزأ، وعلينا أن ندافع عن حقوق من نختلف معهم قبل أن ندافع عن حقوق من نتفق معهم.