قضايا وآراء

إعدامات السيسي.. وسيناريو "دنشواي"

1300x600
للأسف لقد دار كل ذلك على أرض مصر وبأيدي قاض مصري، وفي عصر حاكم ظالم لا يعرف معنى الضمير، ولا يحترم إلا من استخدمه، وكان التنفيذ سريعا منافيا لكل الأعراف الدولية والمحلية في كل العصور.

هكذا كانت أحكام الإعدام التي أصدرها ونفذها السيسي ونظامه، والتي شهد العالم بأسره بظلمها، ولكنه في تحد صريح للقيم والأخلاق، ولكل العالم وللإنسانية.

ففي عدة أيام نُفذت أحكام الإعدام على 15 مصريا، جميعهم أبرياء، ليصل عدد من أُعدم على يد السيسي إلى 47، وجميعهم من الأبرياء. وسيتفلسف أنطاع السيسي ويقولون: كيف تجزم ببراءتهم؟ والرد يسير، فأولا المتهم بريء حتى تثبت إدانته، ولم يدن قطعا أي فرد منهم، ذلك لأن ثبوت الإدانة يستلزم محاكمة عادلة لا شك في نزاهتها في أي من مراحلها، بالإضافة إلى أن شرط الإدانة يستوجب أن يحاكم المتهم بقانون عادل، وأن يستنفد كل مراحل الطعن والنقض. وبخصوص أحكام الإعدام، فلا تنفذ تلك الأحكام إلا بعد أمد طويل، ليُمنح المتهم الفرصة، فقد يجدّ جديد يغير من حال الحكم.

ولذلك، فأنا أجزم بأن المتهمين الذين تم إعدامهم أبرياء، فهم لم يُحاكموا بقانون عادل، ولم يُحاكموا أمام محكمة طبيعية ولا قاض طبيعي، ولم يستنفدوا حقهم كاملا. ولذا، فهؤلاء وكل من أُعدم في ذلك العصر هم ضحايا لجريمة القتل العمد التي يمارسها نظام فاشي.

ألا تذكرنا تلك المأساة بمأساة متطابقة، وقعت في مصر منذ أكثر من مئة عام، وتحديدا في عام 1906، حين حوكم أفراد من الشعب المصري على أرض مصر، وحاكمهم قضاة مصريون (بطرس غالي وأحمد فتحي زغلول)، وادعاء مصري (إبراهيم الهلباوي). وبعد أسرع محاكمة، عُلقت المشانق وتم إعدام المتهمين أمام أعين ذويهم، لإذلالهم وقهرهم وتخويفهم. ولكن رغم الحزن والأسى ومرارة الفراق، لم يُرهب شعب مصر المحروسة الذي تغلب على الحزن وعلى القهر، فاشتعلت ثورته وغضبه أكثر وأكثر، حتى تخلص ممن نصب المشانق في دنشواي.

ومع تنفيذ الجريمة المسماة "الإعدام" في القرن الحادي والعشرين، وقف القاتل في مشهد المنتصر في مؤتمر لا قيمة له ولا عنوانا حقيقيا له إلا "منتدى الإنفاق الخليجي"، حيث يصطف بعض من رؤساء حكومات أوروبا في صمت لا حدود له، طمعا في أن يصمد ذلك النظام في وجه الشعب، فتنعم الصهيونية بما اغتصبته وتنعم صناعة السلاح بدراهم وريالات الخليج التي تُنفق لشراء صمت تلك الحكومات.

وعلى الجانب الآخر من المعادلة، وقفت الشعوب العربية تندد بالقاتل الحقيقي "عبد الفتاح السيسي"، وكان المكان الآمن والأكثر تأثيرا هو ملاعب كرة القدم، ليعود لنا الألتراس بالنبض الوطني للشارع. ففي ملاعب الأردن كان النداء الشهير "الشعب المصري شو أخبارك، عصر السيسي زي مبارك"، مع الأخذ في الاعتبار الفارق بين السيسي الفاشي العميل ومبارك الفاسد الديكتاتور، إلا أن شعب الأردن أراد أن يرسل رسالة مبسطة تحيةً لشعب مصر ليقول له: نحن معك.

ومن ملاعب الأردن إلى المغرب، حيث جمهور الرجاء المغربي الذي أعاد أمجاد أغنيته الشهيرة "في بلادي ظلموني"، برسالة قوية لشعب مصر وشبابه المقتول بأيدي السفاح، فرفع لافته تقول كل شيء في جملة بسيطة: "السجان واحد مع اختلاف الأزمان من يوسف عليه السلام إلى شبان مصر الشجعان".

إن رسالة الجماهير العربية في الأردن والمغرب هي تحية من القلب ورسالة تنبيه وإيقاظ، تقول للعالم إن الشعب العربي واحد، والأمل العربي في الخلاص واحد يمتد من الخليج إلى المحيط، وما رسالتهم لنا إلا استدعاء لضمائرنا بأن ننسى خلافاتنا ونقف جميعا يدا واحدة، لننتصر لأبنائنا ومستقبلهم ونسقط تلك الأنظمة الفاشية.

وإن كانت المعركة طويلة وشاقة فليس أقل من أن نبدأها، ولتكن أول خطوات وحدتنا في حملة للمطالبة بقرار دولي بتجريم عقوبة الإعدام، ولعلنا بذلك نُفقد تلك الأنظمة أحد أسلحتها، وإن جُرمت تلك العقوبة أو لم تجَرم، فنحن واثقون من أن الشعب رغم القهر والمعاناة، ورغم أن هناك من يقف في طابور الإعدام منتظرا تنفيذ حكم آخر ظالم، رغم كل ذلك، فإن أحفاد فلاحي دنشواي سينتصرون على جلادهم كما كان حال أجدادهم.

إن إعدامات دنشواي قد أجبرت المحتل على أن يسحب جزاره "اللورد كرومر" ليُخفف من غضب المصريين، فهل يسحب الوصي على مصر، جزار القرن الحادي والعشرين "السيسي"؟ أم إنها الثورة التي لا طريق سواها؟