كتاب عربي 21

منطق الكيانات المضادة للثورات

1300x600

أفرزت المنطقة خلال العقد الأخير من عمر الشعوب العربية ظاهرة جديرة بالمقاربة والتأويل وتتمثل في بروز كيانات جديدة معادية لتطلعات الشعوب وانتفاضاتها التي لا تكاد تهدأ. ولا نقصد بهذه الكيانات الأنظمة العربية بما هي بناء سياسي أمني عسكري يعمل على المحافظة على السلطة القائمة ضدّ كل ما من شأنه أن يهدد وجود النظام واستقراره. ولما كان البناء السياسي العربي بناء استعماريّ النشأة في أغلبه واستبداديّ الطابع في تطوره ومساره كانت الأدوات التي وضعت للمحافظة عليه أدوات زجرية وقمعية بالدرجة الأولى تقوم على ثنائية الترغيب والترهيب في الأساس.

 

فاجأت ثورات الربيع التيارات الثورية نفسها لأنها من ناحية أولى لم تكن تتوقع حدوثها ولكونها من جهة ثانية لم تكن من صنعها ولا من إنجازها هي

 
بل نقصد بالتحديد الكيانات الأخرى التي لم يكن اتصالها السري بالنظام ظاهرا للعيان خلال السنوات السابقة للثورات بل إنها في كثير من البلدان قد لعبت دور المعارض له والداعي إلى تغييره في سياقات خاصة. أسست هذا الكيانات خطابها على منطق خاص جعلها في كثير من الأحيان تتنكر لخطابها السابق للثورات بل وتعادي نفس الخطاب الذي تأسست عليه أدبياتها. 

الكيانات الثورية 

للذكر لا للحصر تمثل التيارات اليسارية والقومية أكثر التيارات الفكرية والسياسية استثمارا لمقولة الثورة سواء باسم المقاومة والممانعة أو باسم الصراع الطبقي والدفاع عن حقوق العمال والمسحوقين. وهو خطاب نجح في استقطاب الملايين من الجماهير العربية التي كانت تعيش على أمل التحرر والتحرير. فكانت قضية تحرير فلسطين من قبضة الاحتلال الصهيوني مثلا حجر الزاوية في أدبيات هذه التيارات الفكرية كما كانت مسألة التحرر الاجتماعي من قبضة الاستبداد الذي كان يسمى رجعيا حينها واحدة من أبرز مطالب هذه التيارات. لكن أبرز ما يوحد شعارات التيار الثوري هو تأسسه على مقولة الثورة نفسها أي أنه يعتبرها أهم الأهداف التي من أجلها تأسس التيار وإليها يسعى ومن أجلها يعمل ويتحرك وهي التي تعتبر بحق شرط وجوده.

 

تجدد الحراك الثوري كما هو الحال في السودان والجزائر أعاد إلى الأذهان وإلى الوعي الحالة الثورية التي كانت مسيطرة منذ أقل من عشر سنوات

 
لكن الصدمة كانت كبيرة عندما اندلعت الثورة التي كان التيار الثوري ينادي بها. فقد فاجأت ثورات الربيع التيارات الثورية نفسها لأنها من ناحية أولى لم تكن تتوقع حدوثها ولكونها من جهة ثانية لم تكن من صنعها ولا من إنجازها هي. بل إنها أعلنت منذ الأيام الأولى أن الثورة "مؤامرة خارجية" تهدف إلى تقسيم الأمة كما فعلت أغلب التيارات القومية العربية عندما وصلت طلائع الجماهير إلى قصور الطغاة في مصر وليبيا وسوريا، خاصة حيث معاقل الأنظمة التي اقتاتت طويلا على فتات الفكرة الثورية والوحدة العربية. أما التيارات اليسارية التي كانت في جزء كبير منها على علاقة وثيقة بأجهزة النظام ومخابراته فقد اصطفت كذلك في صف المعادين للثورات لا بحجة أن خصومهم من الإسلاميين هم من فازوا بها ولكن لأنها فضحت علاقتهم بالنظام وكشفت زيفهم وزيف نضالاتهم التي لم تكن في الحقيقة للدفاع عن المحرومين بقدر ما كانت نضالات وظيفية تتعلق أساسا بتجميل واجهة النظام لإنقاذه من السقوط. 

الكيانات الدينية
 
لعبت هذه الكيانات دورا مركزيا في إرباك الوضع الذي أعقب سقوط الأنظمة وساهمت بقدر وافر في تشتيت الجهود الثورية خلال المسارات الانتقالية. لكن لابد من الإشارة هنا إلى أن الدور الأساسي لهذه الكيانات هو أنها كانت واقعة داخل النسق الديني الذي يدعي معاداة النظام مثل التيار السلفي في مصر وبقية التيارات والمراجع المنضوية تحته كتيار المداخلة في ليبيا ومختلف التيارات الوظيفية في سوريا أو في تونس. استفادت هذه الكيانات والقوى خاصة من الطبقات المحافظة والمتدينة التي تنتشر في المجتمعات الفقيرة وتتميز بغلبة العاطفة الدينية الممزوجة بنوع من البساطة في التفكير النقدي والتزامها الكبير بمقولات المرجعيات الدينية التي كانت من جهتها على علاقة لا تخفى مع المؤسسات السياسية الحاكمة.

 

للذكر لا للحصر تمثل التيارات اليسارية والقومية أكثر التيارات الفكرية والسياسية استثمارا لمقولة الثورة

 
لكن نعومة الخطاب الديني لهذه الحركات وقدرتها الكبيرة على المناورة وعلى توجيه الأتباع وكذلك حيازتها على نصيب وافر من التعاطف الشعبي هو الذي سمح لها بالتشويش أحيانا كثيرة على حركات إسلامية أخرى كانت مستهدفة بعد سقوط الأنظمة مثل حركة الإخوان المسلمين في مصر. فقد نجح التيار السلفي هناك في حشد الجموع ضد النظام المنتخب بدعوى تأسست على مقولات دينية مثل الخروج عن الحاكم أو مقولة طاعة ولي الأمر. كما كان لمقولة الفتنة دور أساسي في تخوين الحراك الثوري وفي تنفير الناس منه بدعوى أنه فتنة لا فائدة منها بل هي مدخل لخراب الأوطان ولابد من الرضى بالسلطان وحكمه وإن كان جائرا ظالما. كما باركت هذه التيارات العمليات الانقلابية التي وقعت بعد الثورة كما هو الحال في مصر وهي نفس التيارات التي تحولت إلى تيارات مسلحة في ليبيا مثلا حيث تقاتل جماعات المداخلة اليوم إلى جانب الانقلابي حفتر ضد الحكومة الشرعية في طرابلس. 

تجدد الثورات وتعطل المنطق الانقلابي

إن تجدد الحراك الثوري كما هو الحال في السودان والجزائر أعاد إلى الأذهان وإلى الوعي الحالة الثورية التي كانت مسيطرة منذ أقل من عشر سنوات. هذا الوضع الجديد أدى إلى انحسار قدرة هذه الكيانات كما أدى إلى ترهل خطابها وتآكله وفقدانه القدرة على الإقناع بعد الانكشاف الكبير الذي حدث لهذه التيارات والمرجعيات التي لم تكن في الحقيقة إلا جزءا لا ينفصل عن النظام الحاكم. في الجزائر مثلا لم يشهد الحراك الشعبي الكبير حضورا لافتا للمرجعيات الأيديولوجية التي لا تزال تتوخى الحذر في التعليق عما يحدث رغم أنها لا تستطيع أن تخفي إعلانها عن التعاطف معه من أجل التحضير للمرحلة الانتقالية. 

 

النظام العربي ككل نظام استبدادي لا يستمد شرعيته إلا من قدرته القمعية العسكرية والأمنية


لكن من جهة أخرى يبدو أن الصراع بين الأنظمة الحاكمة وبين شعوبها لم يعد صداما قائما على قناعات ومنطلقات فكرية بل تحول بقوة الأمر الواقع الذي فرضه المنطق الاستبدادي إلى صراع مسلح كما هو الحال في ليبيا اليوم وكذلك في سوريا. فمنطق الاستبداد والكيانات المتحالفة معه لم يعد منطقا مقنعا بل إنه انكشف اليوم خاصة عند أتباعه وعند السواد الأعظم من الجماهير عن منطق مختل لا همّ له إلا الحفاظ على السلطة القائمة بمنطق القوة لا بقوة المنطق.
 
تأسيسا على ما تقدم تكون الأمة قد خطت خطوات عملاقة في إعادة فهم طبيعة الصراع مع السلطة الاستبدادية الحاكمة وأذرعها الثورية والدينية التي لا تختلف عنها في شيء إلا في الإيهام بمعارضتها للنظام. فالنظام العربي ككل نظام استبدادي لا يستمد شرعيته إلا من قدرته القمعية العسكرية والأمنية وكذلك من خطاب القوى التي تدعي معارضته باسم الثورة أحيانا وباسم الأمر الواقع أحيانا أخرى. هاته الشرعية التي سقطت خلال العقد الأخير مع كل المجازر التي ارتكبتها الأنظمة العربية في حق شعوبها هي التي تُؤذن بأن الأمة على مشارف مرحلة جديدة من تاريخها تختلف كليا مع المرحلة السابقة لها.