كتاب عربي 21

هل تتغير خارطة القوى السياسية في تركيا؟

1300x600

تقدم حزب العدالة والتنمية، الحاكم في تركيا، إلى اللجنة العليا للانتخابات، مساء الثلاثاء، بطلب رسمي لإلغاء النتائج وإعادة إجراء الانتخابات المحلية في محافظة إسطنبول، بسبب الخروقات والتجاوزات التي حدثت بشكل واسع لصالح مرشح حزب الشعب الجمهوري أكرم إمام أوغلو. وبعد هذه الخطوة، اتجهت الأنظار إلى اللجنة العليا للانتخابات، وينتظر الجميع قرارها النهائي في الموضوع.


نتائج الانتخابات المحلية التي أجريت في 31 أذار/ مارس الماضي تحتاج إلى قراءة متأنية لمعرفة خارطة القوى والتحالفات السياسية في البلاد ومستقبلها. لأنها تحمل في طياتها دلالات في غاية الأهمية يجب أن لا تضيع وسط الضجة الكبيرة التي أحدثها ما جرى في إسطنبول.


حزب الشعب الجمهوري، المعروف بعلمانيته المتشددة، خاطب في الانتخابات المحلية الأخيرة ود الناخبين المتدينين والقوميين الأتراك في محافظات، مثل العاصمة أنقرة وإسطنبول، من خلال مرشحين لا يمثلون الخط السياسي التقليدي للحزب. وكان ذلك ظاهرا جليا في تلاوة مرشحه لرئاسة إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، للقرآن الكريم أمام الكاميرات، كما أن الداعمين لمرشحه في أنقرة، منصور ياواش، احتفلوا بفوزه وسط هتافات "يا الله، باسم الله، الله أكبر". ولعل هذا أكبر مكسب للثورة الديمقراطية التي حققه الشعب التركي بهدوء على مدار سنين.


الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي أجبر الأحزاب السياسية التركية على إقامة تحالفات انتخابية، الأمر الذي جعل المشهد السياسي في البلاد منقسما إلى معسكرين: تحالف الجمهور الذي أقامه حزب العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية، وتحالف الملة الذي أقامه حزب الشعب الجمهوري مع الحزب الصالح. وهناك أحزاب سياسية صغيرة وقوى أخرى تدعم الأول أو الثاني. ويتوقع أن تستمر حاجة الأحزاب إلى الدخول في تحالفات معلنة وغير معلنة في الانتخابات القادمة. ولكن قد تتغير طبيعة التحالفات وأهدافها.


حزب السعادة الذي يعد امتدادا للأحزاب السياسية التي أسسه رئيس الجمهورية الأسبق، نجم الدين أربكان، تحالف مع حزب الشعب الجمهوري في الانتخابات البرلمانية السابقة بشكل معلن، وفي الانتخابات المحلية بشكل غير معلن، على الرغم من أن العلمانيين المتطرفين حاربوا أربكان لسنين طويلة بحجة أنه كان يشكل خطرا على النظام العلماني.


التقارب بين حزب الشعب الجمهوري وحزب السعادة بدأ يخرج من مجرد تحالف انتخابي ويتحول إلى تقارب فكري، وتطابق في المواقف ووجهات النظر. وفي مثال يمكن أن يعتبر مؤشرا لذلك، انتقد رئيس حزب السعادة، تمل كارا موللا أوغلو، بناء مسجد كبير على تلة تشامليجا بالشطر الآسيوي في إسطنبول، وقال: "سأقبِّل أيديهم إن امتلأ المسجد ولو مرة واحدة"، ما دفع الناشطين إلى نشر صور ومقاطع تظهر المسجد مكتظا بالمصلين.


حزب الحركة القومية، برئاسة دولت باهتشلي، تحالف في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في 10 أب/ أغسطس 2014 مع حزب الشعب الجمهوري، ودعم مرشحه، أكمل الدين إحسان أوغلو. وأما في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية السابقة وكذلك في الانتخابات المحلية الأخيرة فتحالف مع حزب العدالة والتنمية. كما أن مرشح حزب الشعب الجمهوري الفائز برئاسة أنقرة، منصور ياواش، كان منتميا إلى حزب الحركة القومية حين تولى رئاسة بلدية "بيبازاري" في محافظة أنقرة من عام 1999 إلى عام 2009، بالإضافة إلى كونه مرشح حزب الحركة القومية لرئاسة بلدية أنقرة الكبرى في الانتخابات المحلية التي أجريت في 29 أذار/ مارس 2009.


الانتخابات التي أجريت بعد انتقال تركيا من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، غيَّرت خارطة التحالفات السياسية، وجعلت تيارات سياسية ذات توجهات مختلفة تجتمع تحت مظلات تحالفات انتخابية. ويظهر المشهد السياسي الحالي أن حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية سيحافظان على تحالفهما، كما أن المتوقع أن يستمر تحالف أحزاب المعارضة. ولكن ذلك لا يعني أن هذه التحالفات ثابتة لا تتغير مع تغير الظروف، كما تشير إليه التجارب السابقة.


هناك تطورات قد تؤدي على المدى البعيد إلى تغيير في خارطة الأحزاب والقوى السياسية في تركيا، مثل قيام فاتح أربكان، نجل رئيس الوزراء الأسبق نجم الدين أربكان، بتأسيس حزب سياسي جديد، كما أن الحديث يدور حاليا في الكواليس حول المباحثات التي يجريها كل من أحمد داود أوغلو وعبد الله غول من أجل تأسيس حزب سياسي جديد. ومن المؤكد أن وجود أردوغان وباهتشلي يعتبر ضمان استمرار تحالف حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، وعدم نجاح محاولات شق صفوف حزبيهما، إلا أنه لا يدري أحد ما تخفيه الأيام فيما بعدهما.