كتاب عربي 21

عسكر السودان والتبرير بغرض التغرير

1300x600

يحاول عسكر السودان، ممثلين في مجلس الحكم الذي شكلوه في الحادي عشر من نيسان/ أبريل المنصرم، إيهام القوى الشعبية التي أسقطت نظام عمر البشير بعد نضال ونزال دام أربعة أشهر، بأنهم جزء أصيل من الحراك الثوري الذي ينشد الانتقال بالبلاد إلى حقبة ديمقراطية، ولكن إصرارهم على الانفراد بالسلطة السيادية (رئاسة الدولة)، مع احتكار الصلاحيات التنفيذية والتشريعية، يفضح نزعاتهم التسلطية، بل وحرصهم على الإبقاء على نظام البشير كما هو، وكأنما رحيل البشير بمفرده يحقق مطالب الحراك الشعبي، ويكفل الانتقال السلس إلى حكم ديمقراطي.

 

إدعاء عسكر السودان أنهم جزء من الحراك الثوري، وأن الحراك الشعبي كان سيعجز عن الإطاحة بالبشير بدون تدخل منهم، كذبة بلقاء


حرص نظام البشير من خلال الحزب الحاكم طوال ثلاثين عام على تمكين عضويته من كافة مفاصل الدولة، ووضع مئات الشركات والمؤسسات تحت تصرفهم بعيدا عن أي رقابة أو ضوابط أو كوابح، ولا تزال جميع الوظائف القيادية في كافة المرافق الحكومية وشبه الحكومية في قبضة كوادر ذلك الحزب. وليس سرا أن جميع الرتب العليا في القوات النظامية أوكلت فقط لذوي الولاء التام للنظام، كما هو الحال في جميع النظم الديكتاتورية، وتبعا لذلك فإن أعضاء المجلس العسكري الانتقالي الذي يود احتكار حكم السودان هم صنيعة ذلك النظام.

كذبة بلقاء

إدعاء عسكر السودان أنهم جزء من الحراك الثوري، وأن الحراك الشعبي كان سيعجز عن الإطاحة بالبشير بدون تدخل منهم، كذبة بلقاء، والصحيح هو أن العسكر أدركوا يوم حاصر مئات الآلاف من الثوار مقر القيادة العامة للقوات المسلحة، ورابطوا هناك لستة أيام، أن النظام سقط، وأنه ما لم "ينحازوا" إلى ذلك الحراك فإنهم ساقطون معه لا محالة.

 

وقائع التاريخ تثبت أن القوات المسلحة السودانية لم تكن يوما ما كتلة موحدة ذات رؤية واحدة،


وهناك إدعاء يقوم على ساقين من الكرتون الهش يردده عسكر السودان لتبرير حرصهم على الانفراد بالسلطة السيادية العليا، وهو أنهم ينتمون إلى مؤسسة قومية متماسكة وذات رؤى موحدة حول قضايا الوطن والسيادة والأمن، بينما من طبيعة الأحزاب والتنظيمات التي قادت الحراك، وتسعى لترتيب أمور الانتقال إلى حكم مدني ديمقراطي، أن تكون ذات رؤى متضاربة، تؤدي إلى التناقر والتنافر بينها.

وقائع التاريخ تثبت أن القوات المسلحة السودانية لم تكن يوما ما كتلة موحدة ذات رؤية واحدة، فأول حكم عسكري في تاريخ السودان (1958) شهد محاولة انقلابية ضده قام بها جنرالات طامعون في حصة من كعكة السلطة، فتمت ترضيتهم بمناصب رفيعة، وبعدها قام ضباط من الرتب الوسيطة بمحاولة انقلابية، كانت ترمي إلى تخليص البلاد من الحكم العسكري وتسليم السلطة للمدنيين، فتم إعدامهم جميعا.

وفي فترة حكم المشير جعفر نميري (1969 ـ 1985) حدثت ثلاث محاولات انقلابية كبيرة قام العسكريون خلال تنفيذها أو إخمادها بتقتيل بعضهم البعض بالجملة، فقد انقلب على نميري ثلاثة من أعضاء المجلس العسكري الحاكم (قبل انفراد نميري برئاسة الجمهورية)، وتم إعدامهم مع عشرة آخرين من الضباط وعشرات الجنود، وفي سياق تحرك القوات الموالية لنميري ضد ذلك الانقلاب، تم قتل عدد كبير من الضباط كانوا محتجزين في بيت الضيافة الحكومي، وما زال دم القتلى مفرقا بين قبائل أنصار نميري وخصومه.

 

حتى مطلع سبعينات القرن الماضي كان الضباط اليساريون هم الأفضل والأقوى تنظيما في الجيش السوداني،


وفي عام 1975 قاد ضابط برتبة مقدم، وبمشاركة ضباط من ذوي الرتب الصغيرة والوسيطة انقلابا فاشلا، انتهى بإعدام جميع من شاركوا فيه، ثم في عام 1976 قاد ضابط برتبة عميد محاولة انقلابية انتهت بمجازر راح ضحيتها مئات العسكريين والمدنيين.

حتى مطلع سبعينيات القرن الماضي كان الضباط اليساريون هم الأفضل والأقوى تنظيما في الجيش السوداني، ولكن ومنذ مطلع الثمانينيات عمد الإسلاميون ممثلين في الجبهة الإسلامية القومية إلى اختراق القوات المسلحة، وسربوا عناصرهم إلى الكليات العسكرية، ومن ثَم إلى مختلف أفرع الجيش، وبنهاية ذلك العقد كان تنظيمهم العسكري جاهزا لاستلام السلطة، فكان أن جاء انقلاب حزيران/ يونيو 1989 الذي جاء بالبشير وصحبه.

في رمضان من عام 1990 تحرك ضباط ذوو رتب عالية للإطاحة بحكومة البشير، وبعد محاكمة عسكرية جماعية لم تستغرق أكثر من ساعة واحدة تم إعدامهم جميعا، ودفنهم في قبر جماعي، وفي السنوات التي تلت ذلك، ولتأمين موقفها في الحكم، أبعدت حكومة البشير أكثر من 12,000 ضابط وثلاثين ألف جندي عن الخدمة.
 
فأي مؤسسة متماسكة، وذات رؤية ورأي موحد هذه التي ينقلب بنوها على بعضهم البعض، وينكلون ببعضهم البعض، وكل فئة ترفع السلاح في وجه الفئة الأخرى تزعم أنها تريد خلاص الوطن؟

 

تعطيل الدستور


وزعم كاذب آخر لعسكر السودان يبررون به تلكؤهم في تصفية نظام البشير: نحن قوم منضبطون وملتزمون بالقانون، ولهذا فنحن ضد أي نوع من التفلُّت والاندفاع حتى في إزالة آثار النظام البائد.

كيف تكونون ملتزمين بالقانون وأول أمر فعلتموه للانفراد بالسلطة كان تعطيل أبي القوانين (الدستور)، ولم تكلفوا أنفسكم عناء إصدار ولو إعلان دستوري يضبط مهامكم ومهام هياكل السلطة الأخرى؟ ثم ألَم تخرقوا القانون وتحنثوا بالقسم الذي أديتموه وأنتم تنقلبون على القائد الأعلى للقوات المسلحة، المشير عمر البشير؟ وهل كان انقلابكم على الفريق عوض بن عوف الذي نصبتموه رئيسا لمجلسكم الانتقالي، وعزله بعد أربع وعشرين ساعة على شغله ذلك المنصب في إطار القانون، وتأكيدا على أنكم على قلب رجل واحد كما تدعون؟

 

منذ مطلع الثمانينات عمد الإسلاميون ممثلين في الجبهة الإسلامية القومية إلى اختراق القوات المسلحة


يحسب جنرالات الجيش السوداني أنهم أقوياء لأنهم يحتكرون حيازة السلاح، ويفوت عليهم وهم يمارسون غطرسة القوة، أنهم ليسوا أقوى من الشعب الذي أطاح بمن هو أقوى منهم عودا، وأنهم يضعون أنفسهم في الخندق الذي يعادي الحراك الثوري، الذي يزعمون أنهم انحازوا إليه، بينما سلوكهم يؤكد أنهم منحازون فقط لأنفسهم وامتيازاتهم.

قبل أسبوع قام المجلس العسكري برفع رواتب القوات النظامية، فيما يشبه الرشوة في بلد لا تملك حكومته قوت شهر، وكانت رشوة مكشوفة تؤكد أن المجلس يعول على القوة العسكرية بوصفها السند المضمون لسلطته.

كل تبرير يسوقه عسكر الخرطوم لتسنمهم مراقي السلطة وحرصهم على الانفراد بها هو تغرير بالجماهير، وليالي الخرطوم حبالى، ومثقلات وستلد كل عجيب في غضون أسبوعين على أبعد تقدير.