سياسة عربية

هكذا بررت الحكومة المصرية "فوضى الرواتب" بالموازنة الجديدة

خبراء: فوضى الرواتب بمصر سوف تستمر طالما كان هناك فساد ومحسوبية- جيتي

أثارت مناقشات البرلمان المصري لمشروع الخطة والموازنة الذي قدمته الحكومة للعام المالي 2019/ 2020، الكثير من التساؤلات عن فوضى أجور كبار الموظفين والمستشارين العاملين لدى هيئات الحكومة المختلفة، ولماذا لم تقترب يد الحكومة من هذه الأجور، في حين تتوسع في أجور صغار الموظفين.


مختصون أكدوا لـ "عربي21" أن حصول 17 مسؤولًا بوزارة القوى العاملة على رواتب تبلغ 46 مليون جنيه (2.6 مليون دولار) سنويا، في الوقت الذي يتقاضى فيه باقي الموظفين بالوزارة وعددهم 13 ألف عامل، 65 مليون جنيه (4 ملايين دولار) سنويا، ليست حالة خاصة بوزارة معينة، وإنما هي موجودة بكل الوزارات والهيئات الحكومية.


وانتقد المختصون تبريرات ممثلة وزارة المالية، التي أكدت أن وزارة القوى العاملة هي التي وضعت رواتب هؤلاء الموظفين وأنها تعاملهم باعتبارهم دبلوماسيين، وملحقين عماليين، وأن هذه المصروفات خاصة بالمعيشة والسكن لهم، بواقع 300 ألف جنيه شهريا لكل فرد (17 ألف دولار)، في حين أن الحد الأقصى للأجور يبلغ 45 ألف جنيه (2600 دولار) شهريا.


وفي رده على الانتقادات التي شهدتها موازنة وزارة القوى العاملة، أصدر المتحدث الرسمي للوزارة بيانا أكد فيه، أن اختيار المستشارين والملحقين العماليين بسفارات وقنصليات مصر بالخارج يتم وفقا لضوابط وقواعد ومعايير تتطلبها طبيعة عمل خاصة، وأن مصر كان لديها 17 مكتب تمثيل عمالي في سفارتها بالخارج، تم تقليصهم إلى 5 مكاتب، ثم زاد العدد مرة أخرى إلى 11 مكتبا يمثلهم 17 ملحقا عماليا.


ولم تخل موازنات 2017/ 2018 و2018/ 2019 و2019/ 2020، من وجود ما لا يقل عن 85 ألف مستشار بمختلف الهيئات الحكومية، يتقاضون سنويا 24 مليار جنيه (1.4 مليار دولار) من الموازنة العامة، وبعضهم يعمل في أكثر من وزارة وهيئة حكومية.

 

اقرأ أيضا: خبراء: السيسي يسحق الفقراء بـ"عقيدة الصدمة".. وهذه دلالاتها

محسوبية وفشل


من جانبه يؤكد خبير التطوير الإداري وائل السويفي لـ "عربي21" أن بند الأجور في الموازنة المصرية به الكثير من الكوارث، التي تؤكد أن هناك تفاوتا كبيرا في الأجور، ومخالفة صريحة للأحكام القضائية الخاصة بتطبيق الحد الأدنى والأقصى للأجور، بالإضافة لعدم تطبيق قرار رئيس الحكومة الأسبق إبراهيم محلب، بتخفيض عدد المستشارين العاملين بالحكومة بنسبة 50%، بدءا من موازنة 2015/ 2016.


ويضيف السويفي أن تصريحات المتحدث باسم وزارة القوى العاملة، تكشف أمرا آخر في غاية الخطورة، وهو رواتب الدبلوماسيين المصريين بالخارج، سواء كانوا ملحقيين أو عاملين في السلك الدبلوماسي، والذين يصل راتب الواحد منهم إلى 300 ألف جنيه (17 ألف دولار) شهريا.


ويوضح السويفي أنه بالإضافة للموظفين الرسميين بالخارج، فإن هناك ملف المستشارين الذي ما زال يطرح تساؤلات عن سبب إصرار الحكومة على عدم تقليصه، رغم الأزمة المالية التي تعاني منها الموازنة السنوية، بالإضافة لفشل هؤلاء المستشارين في انتشال الهيئات التي يعملون فيها من التردي والفشل الاقتصادي الذي تعاني منه مختلف الهيئات والوزارات المصرية.


وحسب خبير التطوير الإداري فإن معظم الملحقين الدبلوماسيين الذين يتم تعيينهم، وكذلك المستشارين في الهيئات الحكومية، يتم اختيارهم بناء على المحسوبية، ومعظمهم ضباط سابقون بالجيش والشرطة، وقضاة وسفراء سابقون لهم علاقات وثيقة بالنظام المصري.

 

اقرأ أيضا: السيسي يخطط للاستيلاء على "أموال الوقف" بمصر.. كم تبلغ؟

سيطرة أمنية


وفي تعليقه على فوضي الأجور يؤكد القيادي العمالي وعضو لجنة القوى العاملة بمجلس الشورى المصري السابق، طارق مرسي لـ "عربي21" أن وزارة القوى العاملة من الوزارات المتدنية في الأجور، كما أنها من الوزارات التي يتحكم الجهاز الأمني في مفاصلها، لعدم خروجها عن السيطرة، وهو ما جعلها مثل غيرها من الوزارات الأخرى، التي يحكمها المحسوبية والشللية.


ويشير مرسي إلى أنهم عندما ناقشوا آخر موازنة قبل الانقلاب العسكري الذي شهدته مصر في تموز/ يوليو 2013، كان هناك حرص من الحكومة على تطبيق الحد الأقصي للأجور، بناء على قرار من رئيس الجمهورية الدكتور محمد مرسي، الذي طبق الحد الأقصى على مؤسسة الرئاسة ومجلس الوزراء ومجلس الشورى، حتى قبل مناقشة الموازنة الجديدة.


ويوضح القيادي العمالي والبرلماني السابق، أن فوضى الرواتب بمصر سوف تستمر طالما كان هناك فساد ومحسوبية، موضحا أن معظم المستشارين والموظفين الذين ليس لهم مسمى وظيفي، يمثلون عبئا على الموازنة العامة، رغم عدم وجود حاجة ماسة لهم، ولكنهم في النهاية تحولوا لمراكز قوى لا يمكن لأي حكومة أن تتخلص منهم، لعدة أسباب أبرزها علاقتهم بأصحاب النفوذ في النظام.


ويضيف مرسي قائلا: "الأزمة الحقيقية هي عدم وجود تشريع قانوني ينظم عملية الاستعانة بالمستشارين، ما جعل الأمر يسير وفق هوى الوزير أو المسؤول".


ويوضح مرسي، أن الأمر لم يعد قاصرا على أهل الثقة من المصريين، وإنما أصبح من حق الوزارة أن تستقدم خبراء أجانب كمستشارين في الهيئات المختلفة، مستدلا بقرار وزيرة الصحة بالاستعانة بعدد من خبيرات التمريض الإنجليزيات، لتطوير مهنة التمريض بمصر، رغم أن جامعة القاهرة بها كلية متخصصة في التمريض، بخلاف عدد من المدارس والمعاهد العليا المتخصصة بنفس المجال.