ملفات وتقارير

هذه أضرار ومنافع حبس أكبر رجال الأعمال بالجزائر

يرى هارون أن حملة مكافحة الفساد ستمكن من تقييم حقيقي وواقعي لوضعيتنا الاقتصادية التي تتجه من سيئ لأسوأ- جيتي

بعد أن كانوا يملكون نفوذا ماليا واسعا في الجزائر، انقلب الحال بأكبر رجال الأعمال الذين زُجّ بهم دفعة واحدة إلى السجن بتهم ثقيلة، في خضم حملة لمكافحة الفساد يحتدم الجدل حول انعكاساتها الاقتصادية المتوقعة.


لا يمر يوم في الجزائر، دون أن يأتي بالجديد حول فضائح الفساد وأخبار الملاحقات التي تطال رجال الأعمال، وقد صار عددهم اليوم في السجن حوالي 10 يجمعون ثروة هائلة تصل إلى 5 مليارات دولار.

من هم المحبوسون ؟


ومن أبرز رجال الأعمال المحبوسين، يوجد يسعد ربراب رئيس مجموعة "سيفيتال" الذي يعد أغنى رجل في الجزائر بثروة تفوق 3 مليارات دولار حسب مجلة فوربس.

ويحوز ربراب على عدة شركات وفروع صناعية، وينشط تحديدا في إنتاج الزيت والسكر ويمتلك شركة "برانت" لإنتاج التجهيزات الكهرومنزلية وشركة "أوكسو" لإنتاج الأبواب والنوافذ، ومن آخر مشاريعه إنتاج "المياه النقية" بالشراكة مع الألمان، كما أن لديه فروعا بالخارج خاصة في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا.

ويوجد في القائمة كذلك، علي حداد الرئيس السابق لمنتدى رؤساء المؤسسات الذي يمتلك مجموعة "أو تي أر أش بي" الشهيرة المتخصصة في الأشغال العمومية وتزفيت الطرقات.

ويحوز حداد وحده أكثر من 37 شركة اقتصادية وتجارية وحتى إعلامية، تنشط في جميع المجالات أهمها الطاقة والإسمنت والمنشآت القاعدية، وقد نجح بفعل نفوذه في امتلاك 17 بالمائة من أسهم الشركة العمومية "فرتيال" المختصة في صناعة الأسمدة فضلا عن شراكته مع مجموعات برتغالية  وشركات صينية.

كما أن من أهم المحبوسين حاليا، الإخوة كونيناف  وهم 3 رجال أعمال يمتلكون نحو 40 مؤسسة و فرع أهمها شركة "كوجي سي" المتخصصة في الهياكل القاعدية و المنشآت وشركة سوجيديا المتخصصة في إنتاج الزيوت النباتية، إلى جانب شراكتهم مع مجموعات أجنبية في عدة قطاعات منها المحروقات والنقل بالأنابيب والهياكل القاعدية الخاصة بالمجموعات النفطية والري والاتصالات.

كذلك، تم إيداع رجل الأعمال المعروف محي الدين طحكوت السجن، الذي يمتلك 51 شركة، وهو صاحب مصنع تركيب السيارات علامة هيونداي و شركة نقل الطلبة وشريك مع مؤسسة النقل الحضري العمومية بالعاصمة، كما أنه يحوز مستثمرات فلاحية ضخمة وعقارات وأراض.

 

اقرأ أيضا :  قايد صالح : التمسك بالدستور هو السبيل للخروج من أزمة الجزائر

 

و أودع رجل الأعمال مراد عولمي الحبس الاحتياطي، وهو الممثل الحصري لعلامة فولكسفاغن وسيات للسيارات وله مصنع تركيب للسيارات في منطقة غيليزان بالغرب الجزائري، ويحوز  قرابة 30 مؤسسة و فرعا منها المتخصصة في الترقية العقارية.

وتوظف الشركات المملوكة لرجال الأعمال المحبوسين، حسب بعض التقديرات، حوالي 35 ألف عامل، يأتي في مقدمتها مجمع "سيفيتال" المملوك لرجل الأعمال يسعد ربراب والذي يضم وحده ما يقارب 18 ألف عامل، في حين يعمل في شركات علي حداد نحو 7 آلاف عامل ويوجد في شركات الإخوة كونيناف 3 آلاف عامل.

آلاف المناصب مهددة 


ويشير حفيظ صواليلي الصحفي الاقتصادي، إلى أن آثار حبس رجال الأعمال على شركاتهم بدأت تظهر من الآن من خلال توقف بعض المشاريع والبدء في تصفية شركات فرعية.

ويوضح في تصريح لـ"عربي21" أن الآثار ستظهر بشكل أكبر مجموعات حداد وكونيناف وعولمي وطحكوت بسبب اعتمادها على تسيير مركزي يتحكم فيها مالكوها، عكس ربراب الذي يحوز مجموعة لا مركزية بحيث لم تتضرر شركاته كثيرا بغيابه. 

ويتوقع صواليلي ظهور مضاعفات سلبية حادة على الشركات بعد شهر أيلول المقبل خصوصا في مجال السيولة، وقد بدأت بعض العلامات تظهر من الآن، بعض إعلان قناة خاصة مملوكة لمجمع حداد توقفها وتخلي نفس المجمع عن تسيير فريق اتحاد العاصمة وهو من أشهر الفرق في الجزائر.

لكن بعيدا عن الأضرار التي قد تطال الشركات، تُطرح تساؤلات حول مصير القروض التي حصل رجال الأعمال المحبوسين من البنوك العمومية والتي يتم تقديرها بمئات آلاف المليارات من الدينار.

ويعتقد الخبير المالي كمال سي محمد أن استرجاع القروض صعب جدا لأنها ديون في معظمها طويلة الأجل، كما أن بيع أصول هذه الشركات لاسترجاع الأموال يأخذ وقتا طويلا ويضر بالاستثمار.

ويكشف سي محمد أن حجم القروض الحالي يقدر بـ9 آلاف مليار دينار، نصفها طويل الأجل، لكن لا توجد إحصائيات دقيقة حول نسبة القروض التي حصل عليها رجال الأعمال المحبوسين، ما يستدعي من البنك المركزي التوضيح.

منافع اقتصادية


بالمقابل، توجد بعض المنافع الاقتصادية لظاهرة مكافحة الفساد، قد تظهر على المدى طويل الأمد، حتى وإن كانت بعض الآثار السلبية ستظهر مع تراجع هذه الشركات أو تلاشيها في هذه الفترة.

ويقول دكتور الاقتصاد عمر هارون إن "رجال الأعمال الذين خلقهم النظام لا يملكون فلسفة اقتصادية حقيقة ولا رؤية لتطوير وتنمية مشاريعهم، لذلك فقد تحولوا إلى وسطاء يقومون باستيراد السلع في شكلها النهائي أو شبه النهائي والمتاجرة فيها بشكل احتكاري فارضين منطقهم دون حسيب أو رقيب كحال السكر، الزيت، السيارات وقطاعات حساسة أخرى".

ويشير هارون في تصريح لـ"عربي 21" إلى أن رجال الأعمال "اعتمدوا على ما تملكه الجزائر من احتياطي صرف، فتحولنا من دولة تستورد 16 مليار دولار في بداية الألفينات إلى دولة تستورد 62 مليار دولار في 2014 وصولا إلى 46 مليار دولار السنة الماضية".

وعلى هذا الأساس، يضيف، "اعتقال البارونات سيؤدي بالضرورة لعقلنة صرف احتياط الصرف الذي تبخر خلال السنوات الماضية وتراجع من 200 مليار إلى 70 مليار دولار أو أقل".

ويرى هارون أن حملة مكافحة الفساد، ستمكن من تقييم حقيقي وواقعي لوضعيتنا الاقتصادية التي تتجه من سيئ لأسوأ، ويخلق حاجز خوف أمام كل من يفكر مستقبلا في نهب المال العام، ويقلص الدعاية الإعلامية الممولة التي كانت توهمنا بأن نملك اقتصادا كبيرا، مسعى قد يوصلنا لإطلاق مشروع حقيقي للنهوض بالاقتصاد الوطني الذي أتعبته الوعود الكاذبة لعقود مضت".

ووفق تحليل الدكتور، "سيكون التحدي كبيرا أمام السلطة السياسية القادمة لبناء اقتصاد وطني، في ظل غياب الثقة لدى المستثمرين الأجانب ونحن نعتبر من الدول سيئة السمعة أصلا في هذا الجانب حيث احتل مناخنا الاقتصادي قبل الحراك المرتبة 157 من 190 دولة وفق تقرير doing business، خاصة أن الشعب الجزائري لن يرضى مستقبلا بأنصاف الحلول أو الرجوع لسياسة رمي الفتات للشعب" .